حين يحيلنا الأدب إلى الحياة
بعد انقضاء شهر على الحرب الإسرائيلية ضد لبنان، التي بدأت في (12/7/2006)، أصاب صاروخ مضادّ للمدرّعات أطلقه مقاتلو (حزب الله)، دبّابة إسرائيلية يقودها العريف (أوري غروسمان) فقُتل مع بقية طاقم الدبابة. و(أوري غروسمان ) البالغ من العمر (21) عاما، هو ابن الأديب الإسرائيلي ( دافيد غروسمان) الذي صرح في لقاء مع صحيفة (اللوموند) الفرنسية قبل شهر من اندلاع الحرب: ” نحن نملك قوة نووية بالإضافة إلى أحدث الطائرات والدبابات لكننا..نقاتل شعبا أعزل..”. ولم يكرّر العدوان الإسرائيليّ الجديد على لبنان مذبحة في (قانا) كان قد ارتكب مثلها قبل عشر سنوات في القرية ذاتها فقط؛ بل إنّ مقتل (أوري غروسمان) كاد يكرّر مصيرا مشابها لمصير شخصية روائية في رواية صدرت قبل ثلاثة وعشرين عاما وهي من تأليف..(دافيد غروسمان) والد العريف القتيل في جنوب لبنان، ومبدع الشخصية الأدبية التي تواجه الموت في الضفة الغربية..وتحمل الاسم نفسه: (أوري..)!
فهل نقول، حين يحيلنا الأدب إلى الحياة، أنّ المسألة أكثر من خيال أدبيّ، أم أن المسألة، بالأحرى، أقلّ من خيال مادامت تعيدنا إلى واقع سياسيّ ؟؟
.. حين كان ( دافيد غروسمان) مؤلف (رواية ابتسامة الحمل) أديبا شابا، كانت إسرائيل قد حسمت أمرها وغزت لبنان عام 1982 بهدف القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وفرض حلّ على الفلسطينيين بدون ممثلهم الشرعيّ الوحيد، وفضّلت إسرائيل القول أنّها نجحت في تحقيق هدفها، رغم ضراوة الحرب التي استمرت ثلاثة أشهر طالما أنها انتهت بخروج المنظمة من لبنان، لكنّ الشعب الفلسطيني في الضفّة وغزّة رفض الخضوع لـ(حلّ) إسرائيلي مبنيّ على وهم الانتصار، والمنظمة لم تمت في الخارج أما جنوب لبنان فقد شهد ولادة مقاومة لبنانية صرفة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ..أسفرت في النهاية عن مقاومة إسلامية خالصة قتلت ( أوري غروسمان) في عام 2006 وهو موت حقيقيّ أحالنا إلى الأدب ..
.. تدور رواية (دافيد غروسمان)، حول جنديّ إسرائيلي يدعى (أوري) يذهب للخدمة في الضفة الغربية ويجد واقع العنف والاحتلال هناك صادما لتوقعاته ومشاريعه، وتدور حياته بين زوجته – المحللة النفسية- و(كاتسمان) الحاكم العسكري للضفة..ترفض زوجته الاعتراف بفشلها في معالجة مريض شاب، غير أنه ينتحر.. وهنا تعترف لزوجها بأنّ سبب انتحار المريض هو إقامة علاقة عاطفية معه، لكنها تكذب لأنّ العلاقة العاطفية هي تلك التي تقيمها مع( كاتسمان) الذي يعمل ( أوري) معه!! و(كاتسمان) كان طفلا أثناء الحرب العالمية الثانية وقد اختبأ مع والديه هربا من النازيين وأصيب والداه بالجنون بسبب رعب الاضطهاد.. ويريد من( أوري ) أن يفقد براءته أمام العالم الحقيقي، يفقد (أوري) أعصابه أثناء مرافقته الجنود لتفتيش بيت فلسطيني، تحت ضغط أزمته الشخصية.
يتفاقم وضع ( أوري) داخل الوضع المتفاقم للضفة الغربية تحت الاحتلال ومقابل الشخصية الإسرائيلية التي يمثلها( أوري) يمثل( حلمي) الشخصية الفلسطينية..و(حلمي) عجوز فلسطيني ضعيف البصر، بعد ولادته تأخّر بالنطق حتى بلغ سن المراهقة تقريبا، ومازالت علاقته بالكلمات هامشية يستخدم النباتات الفلسطينية البرية كرموز وعلامات بدلا من الكلمات، ينتمي ( حلمي) إلى بلدة اسمها (عندل) أصابها ما أصاب فلسطين من جراء الاحتلال الإسرائيلي لكنه يحلم بـ(عندل) أخرى خالية من أذى الاحتلال ويعيش حلمه كحقيقة وفي (عندل) هذه معظم الأولاد هم أولاده، وما الذي تستطيع إسرائيل أن تفعله أمام عجوز في كهف، نصف أعمى نصف أخرس ونصف مجنون؟؟ كفلسطيني، يكره (حلمي) إسرائيل طبعا، لكن الرواية الإسرائيلية تجعله كارها لمنظمة التحرير أيضا..! معتبرا إياها ” منظمة خطابية “. أحد الشبان – واسمه يزدي- يعامله ( حلمي) كابن له ويحاول تعليمه الاستغناء عن الكلمات لكن يزدي ينضم إلى.. منظمة التحرير! على عكس ما أراده (حلمي) ويموت (يزدي) لكن العجوز الذهاني يرفض الاعتراف بموته ويعتبره قد تعرض للاختطاف، يحاول (أوري) الوصول إلى ( حلمي)، ومن خلال ذهانه يحاول ( حلمي) اعتبار (أوري) هو( يزدي) ومع ذلك يرسل رسالة للإسرائيليين يهدد فيها بقتل ( أوري)- أي أنه ليس يزدي- إذا لم تنسحب إسرائيل من الأرض المحتلة، ويساعده ( أوري ) بإيصال الرسالة بشكل مبالغ فيه، وكأنه ليس أوري، زاعما أنه رهينة عدد من الخاطفين ورغم أنّ ( أوري ) قادر على الهرب من خاطفه الوحيد، فإنه لا يهرب، ويقتحم ( كاتسمان ) المكان فيضطر (حلمي ) إلى قتله – أي قتل كاتسمان ـ كما تفعل منظمة التحرير التي لا يحبها، ورغم أنّ ( أوري ) كان قادرا على منع ( حلمي) من قتل ( كاتسمان) فإنه لا يفعل؛ معبرا بذلك عن رغبة لا واعية بالخلاص من..( كاتسمان)!
..في الرواية يموت (كاتسمان) وينتهي أمر (حلمي) ويظل (أوري) حيّا؛ وفي الحياة يموت ( أوري) في جنوب لبنان ويظل معادل ( كاتسمان) حاكما في إسرائيل مصرّا على أن يرى الواقع من خلال المحرقة النازية وأن يفقد الجميع براءتهم أمام الواقع السياسيّ ويواصل معادل ( حلمي) ذهانه وسط حالة أكثر خطابية من منظمة التحرير الفلسطينية ويستثمر (كاتسمان) ذهان حلمي و.. ذلك هو تلخيص الرواية التي كتبها ( دافيد غروسمان) ، الذي يواجه الواقع اليوم غير بعيد عن نبوءة الأدب..
