ريجيس دوبريه والصراع العربي- الإسرائيلي عرض وتقديم لكتابه: غرّ ساذج في الديار المقدسة أو كانديد في الديار المقدسة
لا أعتقد أنّ ريجيس دوبريه كان غرّا أو ساذجا إلى هذا الحدّ عندما ذهب إلى المنطقة لاستقصاء آخر أخبارها وتقديم تقرير خاص عنها إلى الرئيس الفرنسي السابق: جاك شيراك. ففي البداية كان الأمر يتعلق بمجرد تقرير. بل طلب منه شيراك أن يكون محصورا بالمسيحيين العرب. ولكنه بعد أن وصل الشرق الأوسط وقابل معظم الشخصيات النافذة من مثقفين وسياسيين وسّع دائرة البحث كي تشمل الجميع لا المسيحيين العرب وحدهم. نقصد بالجميع هنا المسيحيين والمسلمين واليهود. وعلى هذا النحو زار الرجل كل المناطق من إسرائيل إلى فلسطين إلى لبنان إلى الأردن وسوريا..ورأى الأمور عن كثب وحاور وناقش وكان أن نتج هذا الكتاب. الشبه الوحيد بينه وبين قصة كانديد الشهيرة لفولتير هو أن كليهما عاد متشائما من رحلته: أي خائفا من الوضع العام والطبيعة البشرية. لقد أصبح واقعيا أكثر بعد أن كان ساذجا يرى العالم بمنظار وردي ويعتقد أن الناس كلهم ملائكة..بعد أن زار دوبريه كل أرجاء المنطقة عرف أن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك وانّ الأحقاد عنيدة ورازحة. ولم تعد هذه الأحقاد محصورة فقط بالعرب/ واليهود، أو بالفلسطينيين/ والإسرائيليين. وإنما اتسعت كي تشمل المسلمين/ والمسيحيين العرب في مصر ولبنان وسوريا والعراق خصوصا. ثم تفاقمت بشكل أخص كي تندلع بين السنة/ والشيعة داخل الإسلام نفسه. وعلى المستوى العرقي أو الأقوامي لا نستطيع أن نستهين بالحزازات الفارسية/ العربية، أو الكردية/ العربية، الخ..باختصار فإن المنطقة تحولت إلى حقل متوتر تنفجر فيه القنابل الموقوتة والمحتقنة منذ زمن طويل. من هنا أهمية هذا الكتاب. فهو لا يجامل ولا يراوغ وإنما يسمي الأشياء بأسمائها ويدعو العرب إلى المزيد من العقلانية في تحليلهم للظواهر أو فهمهم للأمور..كما يدعوهم إلى القبول بالواقع الإسرائيلي رغم الظلم الفادح الذي أصاب الفلسطينيين وأيضا اللبنانيين والسوريين وبقية العرب من جراء إقامة دولة إسرائيل.
تأسيس إسرائيل هل هو حلال أم حرام؟
رأي عالم الانتربولوجيا الشهير كلود ليفي ستروس
مما يلفت الانتباه أن ريجيس دوبريه يعارض كلود ليفي ستروس في نقده المبدئي والعميق للفكرة الصهيونية. نقول ذلك رغم أنّ عالم الانتربولوجيا الكبير ومؤسس الفلسفة البنيوية هو من أصل يهودي على عكس دوبريه الذي لا أصول يهودية له. وهذا ينقض الفكرة الشائعة في العالم العربي والقائلة بأن كل مثقف يهوديّ في فرنسا هو بالضرورة وبشكل أوتوماتيكي مع الصهيونية. لا ريب أن الأغلبية تتعاطف معها ولكن هناك استثناءات عديدة. ومما يزيد موقف كلود ليفي ستروس شرفا وعظمة هو انه عانى بالفعل من الاضطهاد كيهودي إبان احتلال فرنسا من قبل النازيين. صحيح انه مادي ملحد ولا يؤمن بأي دين من الأديان كما يصرح بذلك علنا. ولكنه يبقى من عائلة يهودية في نهاية المطاف..وقد حاسبه الفاشيون على أصله آنذاك..ومع ذلك فلم يصبح صهيونيا ولم ير أي ضرورة لإنشاء دولة يهودية. وعلى أي حال فهذا أمر لا يعنيه على ما يبدو كثيرا..
ريجيس دوبريه والتعاطف مع الحق الفلسطيني
ريجيس دوبريه والمقارنة بين الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام
والآن جاء الآن دور الإسلام. فقد دخل في أزمة حادة مع نفسه ومع البشرية كلها ولا أحد يعرف متى ستنتهي. وهو مرتبط الآن بالعنف على أوسع نطاق. بل انه يبرره دينيا بالفتاوى ويحض أتباعه عليه لقتل الكفار من مسيحيين ويهود وصليبيين وسواهم كما يفعل بن لادن والظواهري والزرقاوي وجماعة القاعدة.وأما فيما يخص اليهودية فإنّ كتابها المقدس أي العهد القديم أو التوراة يدعو إلى العنف في بعض أجزائه ويبرر القتل والذبح مثلما هو وارد في بعض سور القرآن وآياته. يضاف إلى ذلك أن النصوص اليهودية التوراتية تستخدم أيضا لخلع المشروعية الإلهية على مشروع سياسي محض: هو المشروع الصهيوني المعروف. وبالتالي فهناك يهودية سياسية مثلما يوجد إسلام سياسي.
ثم يضيف ريجيس دوبريه قائلا: ولكن هناك فرق أساسي بين المسيحية والإسلام هو أن الكتاب المقدس عند المسيحيين ليس إملاء إلهيا بالحرف الواحد. وإنما هو كلام ملهم أو مستلهم من قبل الله. أما عند المسلمين فالأمر مختلف تماما لأنهم يعتبرون القرآن كلام الله الحرفي. وبالتالي فينبغي تطبيقه حرفيا. وهذا يطرح مشكلة كبيرة لأنّ الأحكام الشرعية الواردة فيه تخص عصرا غير عصرنا ومجتمعا قديما غير مجتمعنا. ولكن هذا لا يعني أن الإسلام خال من الميزات الايجابية على عكس الدينين الآخرين. فالواقع أن له ميزات روحية وأخلاقية عديدة. وهو يمتاز ببساطته العقائدية وسهولة الدخول فيه ولكن ليس الخروج! فالخروج يعني الردة وبالتالي الحكم عليك بالقتل. في اليهودية من الصعب أن تدخل ومن الصعب أن تخرج. ولكنهم لا يقتلونك إذا ما خرجت.
