التشيع السياسي، توظيف النخبة الدينية في الفكر الشيعي
إذا كان من الممكن أن نميز في الإسلام بين مستويات ثلاثة: شعبية، ورسمية، وسياسية؛ حيث الإسلام الشعبي هو ذلك المرتبط بآليات التدين التقليدي، والإسلام الرسمي هو الذي تعبّر عنه المؤسسة الفقهية والتي تعمل غالبا لصالح السلطة، والإسلام السياسيّ المرتبط بنظرية الخلافة/الإمامة، فإنّ مفهوم “التشيّع السياسي” يقع في تماسّ بالغ مع هذه المستويات الثلاثة. فما المقصود بالتشيع السياسي؟ هل التشيع هنا يرتدّ إلى جذوره التاريخية واللغوية فيفيد الولاء والانتماء على المستويين الدينيّ والسياسيّ؟ أم المقصود به النظرية السياسية في المذهب الشيعيّ التي تتمحور حول مسألة “الإمامة”؟ أم يُعنى بالتشيّع السياسيّ أن ثمّة ارتحالا قائما ما بين النظرية السياسية الشيعية ونظيرتها السنية تكون فيه الغلبة المفاهيمية للأولى على الثانية؟ أم المقصود بالتشيع السياسي أخيرا “تمأسس” فقهاء الشيعة مثلما الحال بالنسبة لفقهاء السلطان في التراث السني؟
علينا، في اعتقادي، من أجل الوقوف على بنية هذا المفهوم الملتبس، أن نقوم بتفكيكه ثم نعيد صياغة موضوعه مرة أخرى وفق النتائج المترتبة على عملية التفكيك. ومن أجل ذلك سنعمل على بيان الأوجه السابقة كلها، أي التشيّع بمعنى الولاء، والتشيّع السياسيّ في فكر الإمامية الاثنى عشرية، وارتحال المفاهيم من هذا الفكر إلى النظرية السياسية السنية، وتمأسس فقهاء الشيعة في التجربة السياسية مقابل فقهاء السلطة في السياق السنيّ وصولا إلى تحديد المعنى المقصود بالتشيّع السياسي.
لم يكن التشيّع في يوم من الأيام – ومنذ ولادته – محض اتجاه روحيّ، وإنما نما وترعرع في أحضان الإسلام السياسي، وذلك بوصفه أطروحة مواصلة الإمام عليّ (كرم الله وجهه) للقيادة بعد النبي – عليه الصلاة والسلام – فكريا واجتماعيا وسياسيا على حدّ سواء. إذ لم يكن بالإمكان – بحكم الظروف التي لازمت نشأة التشيع – أن ينفصل الجانب الروحيّ عن الجانب السياسيّ تبعا لعدم انفصال أحدهما عن الآخر في الإسلام ذاته، فيما يقرر السيد “محمد باقر الصدر” في كتابه “نشأة التشيع والشيعة”. وبحسبه، لا يمكن للتشيع أن يتجزأ إلا إذا فقد معناه كأطروحة لحماية مستقبل الدعوة بعد النبي (صلى الله عليه وعلى آله)، هذا المستقبل الذي ظلّ بحاجة ماسّة إلى المرجعية الفكرية والزعامة السياسية للتجربة الإسلامية معا.
كان الولاء لأهل البيت إذن تجسيدا فعليا لحركة التشيع وقد رافق هذا الولاء والانتماء مسيرة الحركة منذ بدايتها وحتى الآن؛ حيث تشكل على نطاق واسع للإمام علي (كرم الله وجهه) في صفوف المسلمين باعتباره الشخص الجدير بمواصلة دور الخلفاء الثلاثة في الحكم، وهذا الولاء هو الذي جاء به إلى السلطة عقيب مقتل الخليفة عثمان (رضي الله عنه)، وهو ما عبّر عنه الإمام بقوله: “فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إليّ ينثالون من كلّ جانب مجتمعين حولي كربيضة الغنم”.فما طبيعة هذا الولاء وماهيته؟ هل هو ولاء روحيّ محض أم ولاء سياسيّ ظلّ مرتهنا إلى الحقبة التصادمية التي عرفت آنذاك وفيما بعد بالفتنة الكبرى؟
تؤكّد المرجعية الشيعية أنّ هذا الولاء لم يكن تشيّعا روحيّا ولا سياسيّا، لأنّ التشيّع يؤمن بعليّ بديلا عن الخلفاء الثلاثة وخليفة مباشرا للرسول (ص)، ومن ثمّ فالولاء له كان أوسع نطاقا في صفوف المسلمين من التشيّع الحقيقيّ الكامل، ذلك أن التشيّع الروحيّ والسياسيّ، وإن نما داخل إطار هذا الولاء، إلاّ أنّه لا يمكن اعتباره مثالا على التشيع المجزّأ، كما أن تمتّع الإمام عليّ بولاء روحيّ وفكريّ من كبار الصحابة في عهد أبي بكر وعمر من قبيل: سلمان، وأبي ذر، وعمار، وغيرهم، لا يعني أيضا أنه كان تشيّعا روحيّا منفصلا عن الجانب السياسي، بل يعد تعبيرا عن إيمان أولئك الصحابة بقيادة الإمام عليّ للدعوة بعد وفاة النبيّ فكريّا وسياسيّا؛ حيث انعكس إيمانهم بالجانب الفكريّ من هذه القيادة في الولاء الروحيّ، كما انعكس إيمانهم بالجانب السياسي منها في معارضتهم لخلافة أبي بكر وللاتجاه الذي أدّى إلى صرف السلطة عن الإمام إلى غيره.
ولم تنشأ في الواقع، بحسب الفكر الشيعيّ، النظرة التجزيئية للتشيّع الروحيّ بصورة منفصلة عن التشيع السياسي، ولم تولد في ذهن الإنسان الشيعي، إلا بعد أن استسلم إلى الواقع، وانطفأت جذوة التشيع في نفسه كصيغة محددة لمواصلة القيادة الإسلامية في بناء الأمة، وإنجاز عملية التغيير الكبيرة التي بدأها الرسول (ص)، لتتحوّل إلى مجرد عقيدة يطوي الإنسان عليها قلبه، ويستمدّ منها سلوته وأمله؛ فكيف حدثت هذه النقلة؟ وما مدى مسئولية الفقهاء والسلطة معا فيما يتعلق بحدوثها؟
إذا كانت النظرية السنّية في الإمامة قد سعت إلى “عقلنة” منصب الخليفة، وذلك بالتأكيد على آلية الاختيار واعتماد مبدأ الشورى في نظام الحكم، فإنّ النظرية السياسية لدى الشيعة عملت في المقابل على تأكيد الإمامة بواسطة “النص”؛ ولهذا فإنّ القطيعة ما بين النظريتين في هذا الإطار تُعدّ جزءا من سياق قطيعة مفهومية أعمق تتراوح ما بين المفهوم “المدني” للإمامة، بحسب النظرية السنية، والمفهوم “الثيوقراطي” المقابل لها في الفكر الشيعي.إذ تتباين رؤى الفريقين تبعا لاختلاف منطلقيهما: ففيما تصف الإمامية الإثنا عشرية الإمام بالعصمة وتسمه بعدم الخطأ أو جواز النسيان، تنزع النظرية السنية العصمة عن إمامها، ولو نظريا، مؤكدة أن الأمة تقف وراءه على الدوام تسدّده وتقوّمه وتنبّهه إلى مواقع الخطأ ومواضع الزلل في الأحكام، معتبرة إياه موكّلا أو نائبا عن الأمّة التي لها الحقّ، كلّ الحقّ، في أن تخلعه أو تستبدل به غيره… إلخ. أي إنّ العصمة، وفق المنظور السنيّ، ترتحل عن شخص الإمام إلى كيان الأمة، وفقا لحديث النبي (عليه السلام): “لا تجتمع أمّتي على باطل”.
ينتج عن ذلك أن الإمامة المعصومة عند الشيعة، هي منصب دينيّ محض تستمرّ فيه، ومن خلاله، مهمّة النبوة في حقلي التشريع وحفظ العقيدة من التحريف والتشويه وسوء التأويل، كما تضمّ إلى ذلك مهمة شرح وتفسير قواعد الشريعة ومجملاتها. واستنادا لذلك، لا تختلف الإمامة حسب هذا الفهم عن النبوة إلا في خاصية “الوحي”، أما ما عداها فالإمامة والنبوة سواء والنبيّ والإمام سيّان. وفي مقابل ذلك نجد النظرية السنية للإمامة – ورغم طابعها ووظائفها الدينية – أقرب ما تكون إلى المنصب المدنيّ، وبحسب الباقلاني، فإنّ مهام الإمام تتمثل في “تدبير الجيوش وسدّ الثغور وردع الظالم والأخذ للمظلوم [مهام / سلطة أمنية] وإقامة الحدود [مهام / سلطة تنفيذية] وقسم الفيء بين المسلمين [مهام / سلطة تشريعية] والدفع بهم إلى حجّهم وغزوهم [مهام / سلطة دينية وعسكرية]، فهذا الذي يليه ويقام لأجله”.
تبدو القطيعة بين النظريتين هنا على كل من المستوى الفقهي الكلامي ومستوى الفقه السياسي، كما لو كانت قطيعة بين نظريتين للدولة هما: النظرية “الثيوقراطية”، “الميثولوجية” لدى الشيعة، والنظرية “المدنية” “المعقلنة/المعصرنة” عند أهل السنة. ففيما تولّد الأولى باستمرار مفاهيم وتصوّرات أسطورية وتكرّرها، تعيد الثانية إنتاج ذاتها وفق إملاءات العصر وظروفه السياسية والاجتماعية، أي إنها “تشرعن” الواقع وتبرّره مولّدة أكثر التصوّرات دنيوية عن الإمامة، رغم تسرب بعض آليات الهالة الميثولوجية وارتحالها من الإطار الشيعي إلى محيط الخيال السنيّ لظروف تاريخية وسياسية وفكرية. وإذا كانت النظرية الشيعية بمخزونها “الميثولوجي” الواضح تقوم برفض قاطع لـ”عقلنة” الإمامة (أي إنكار ما تجسد منها في التاريخ من شورى واختيار باسم النص) فإنّ النظرية المدنية/السنية تنطلق على العكس من ذلك من المفهوم (الدنيوي/الزمني) للإمامة وكانت في تمسّكها بهذا الدنيوي محكومة بإضفاء الشرعية على السلطان المتغلب لدرجة أنها أجازت إمامة الغلبة والاستيلاء وبلغ “تمأسس” فقهاء السنة حدّا أفضى في النهاية إلى انتفاء شروط الخلافة وعلى رأسها شرط العدالة، والتساؤل الذي يفرض نفسه وبقوة هنا هو: هل بقي فقهاء الشيعة بمنأى عن حالة التمأسس هذه؟ أم أنهم وفي ظروف مشابهة وتحت وطأة الاشتغال بالسلطة جاروا فقهاء السلطان في نزعتهم النفعية؟
يمكن القول إن تمأسس الفقهاء في النظرية السنية بلغ حد إجازة عقد الإمامة برجل واحد من أهل الحل والعقد، وفي حالات معينة خرج عن أيّ إطار للشرعية السياسية، حتى إنّ الغزّالي، على سبيل المثال، أفتى بإقرار ولاية العهد لطفل ولمّا يبلغ أربع سنوات من عمره. ما حول الفقهاء إلى أيديولوجيي السلاطين واختزل مهمتهم في إضفاء الشرعية على حكم لا شرعيّ في الأساس ونزع الشرعية عن قوى المعارضة، ليس فيما يتعلق بمسألة جواز الخروج على الإمام الجائر، وإنما في أحقية الوجود بحدّ ذاته. ومن ثمّ فقد تمّ توظيفهم سياسيا لأقصى درجة ممكنة. ومن ناحية أخرى، درجت السلطة السياسية على استخدام التحريم الديني واستغلاله في تصفية خصومها حين لا يكون بوسعها تجريمهم سياسيا، ويبدو أن انتظام فقهاء الشيعة غالبا في قوى المعارضة لم ينف عنهم سمة التمأسس في سياق دولة التغلب القائمة على أطراف المركز السياسي للخلافة أو حتى داخل هذا المركز في بعض الأحيان.
إذن اضطلع فقهاء الشيعة ومرجعيتها التشريعية بنفس الأدوار والوظائف التي قام بها فقهاء السلطان، وتحوّلوا على نحو منظوميّ إلى جهاز كهنوتيّ / بابويّ تابع للسّلطة السياسية، وضمن هذا المنحى نصادف على سبيل المثال الشيخ علي الكركي (1465 – 1533م) الذي اعتبره الشاه الصفوي بمثابة صاحب الدولة الحقيقي ونائب الإمام الغائب مؤكدا “أن على الجميع امتثال أوامره، فمعزول الشيخ لا يستخدم ومنصوبه لا يعزل”. ففي إطار الدولة الصفوية – وهي دولة شيعية وفق مقاييس الفكر السياسي الشيعي الكلاسيكي – تكوّنت ولأوّل مرة ما يمكن تسميته بـ “كنيسة الدولة الشيعية” على نحو مؤسّسيّ، لدرجة أباحت للمؤرخين وصف الكركي بأنه “مخترع الشيعة” لا التشيع. أي مخترع آليات الإيمان الشعبيّ التقليديّ عند عامة الشيعة من مثل: إجازة السجود على التربة المحترقة بالنار، وتطوير مجالس التعزية في عاشوراء، وإضافة كل من الشهادة الثالثة وحيّ على خير العمل…إلخ. وهي، في جزء منها، بمثابة إعادة إحياء لمخترعات العصر البويهي (945 – 1055) والعصر المغوليّ إثر تشيّع سلطان خدانبدة (ت1316م)، ما يبرهن على أنّ الإسلام الشيعيّ الشعبيّ السائد ليس استمرارا لحركة التشيّع بالمعنى الكلاسيكيّ، أي بمعنى الولاء لآل البيت ونصرتهم، بقدر ما هو امتداد للتشيّع الكنسيّ الكهنوتيّ السلطويّ على وجه التحديد، كما أنّ الإسلام السنيّ الشعبيّ السائد مجرّد استمرار للإسلام السلجوقيّ الأيوبيّ العثمانيّ، وليس امتدادا لإسلام الخلفاء الراشدين.
أما فيما يتعلق بالفكر السياسيّ الشيعيّ.. فتنتفي شرعية قيام دولة إسلامية في عصر الغيبة، فالدولة المدنية يغتصب فيها الحاكم حقّ الإمام المنتظر؛ ما يفضي إلى تحوّل الإمامة فعليّا إلى مرجعية روحية بحتة مقاربة لمرجعية بابا الفاتيكان على سبيل المثال. وهذا التحوّل يؤسّس لازدواجية فيما يتعلق بالولاء الشيعيّ بحيث يكون ولاء الشيعيّ الدينيّ محكوما بالإمام، أمّا ولاؤه السياسيّ فيكون للدولة المدنية مع الحكم عليها بأنها – وإن كانت عادلة – مغتصبة لحقّ الإمام الإلهيّ في الولاية الزمنية. وضمن هذا السياق يقع تمأسس فقهاء الشيعة لدرجة أنّ الكركي – الذي فوّضه السلطان الصفوي في نيابة الإمام الغائب – أرسل إلى الشيخ القطيعي وكان معارضا للسلطان برسالة يقول فيها إثر رفض الأخير هدية السلطان: “أخطأت في ردها وارتكبت إمّا حراما أو مكروها، باركك التأسّي بالإمام الحسن السبط في قبول جوائز معاوية مع أنك لست أعلى مرتبة من الإمام ولا السلطان أسوأ حالا من معاوية”.
تبعا لذلك، يحاول منظّرو “ولاية الفقيه” الإيهام بالمطابقة ما بين هذه الولاية وولاية الإمام المعصوم، وهو إيهام محكوم في الأساس باعتبارات سياسية لا فقهية، فولاية الفقيه صيغة مستقلة تماما عن صيغة الإمامة المعصومة، وعليه تنتفي عموميتها؛ ما يفضي إلى بطلان الأساس الشرعيّ الذي يقوم عليه مبدأ “تصدير الثورة” أو ادّعاء الولاية العامّة على جموع المسلمين. أي إنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تكتسب -والحالة هذه – الشرعية الأيديولوجية كدولة دينية، ولعلّ هذا هو السبب الرئيس في عزلة نظرية ولاية الفقيه “المتمأسسة” في كنيسة الدولة الشيعية ووقوعها في تعارض حادّ مع السلفية السنية والشيعية على حدّ سواء كما لاحظ هادي العلوي.
وفيما يتعلق بمسألة تمأسس فقهاء الشيعة حديثا علينا أن نتذكر ما قاله الإمام النائيني في رسالته “تنبيه الأمة وتنزيه الملة في وجوب المشروطة”، والتي شكلت أيديولوجية الثورة الدستورية الإيرانية ضد جماعة “أنصار المستبدة” الذين رأى فيهم ضربا من الاكليروس الشيعي السلطاني، ولهذا وصفهم بأنهم “عبدة الظالمين” و”علماء السوء” و”لصوص الدين مضلّي ضعفاء المسلمين”، ما يذكرنا بأوصاف علماء السوء التي قال بها السيد المسيح ونقلها الآجري في كتابه أخلاق العلماء وأبو طالب المكي في كتابه “قوت القلوب”. ويبدو النائيني كما لو كان كواكبيّ الشيعة، إذ يحدّد هو الآخر الآلية القائمة ما بين الاستبداد السياسي والاستبداد / التمأسس الديني، والتي تقوم على المماثلة “المخيالية” ما بين المستبد والذات الإلهية.
تعني كلمة “مشروطة” في عنوان الرسالة الحكم الملكيّ المقيّد بدستور وبرلمان مدنيين، إذ إنّ قضية الشيعي الكبرى تتمثل في سعيه الدائب لتحقيق وإقامة حاكمية الله على الأرض، وهو ما لا يتحقّق، وفق منظوره، إلا بتوسّط الإمام المعصوم، وما دام الأخير لا يزال في غيبته الكبرى فلا مناص من أن يحيى الشيعي ممزّقا بين مملكة الأرض ومملكة السماء. أي في انتظار دائم لمستحيل لا يتحقق وأمل لن ينجز، وفي إطار هذا التمزّق وسياقاته يرفض الشيعيّ الاحتكام إلى الطاغوت وسلطته الزمنية الغاصبة لحقّ الإمام المحتجب، فيحيى دائما على هامش السلطة، وربما خارجها، رغم تضمّنه داخلها، ما يفاقم من حالة تمزقه الحادّ واغترابه المضني وتراوحه ما بين الروحي والزمني. وقد عمل أنصار المستبدة على استغلال كل آليات النظرية الشيعية من أجل شرعنة الواقع وإضفاء نوع من الشرعنة السلبية على السلطة الغاصبة، بدعوى عدم جواز النظر في الإمامة ما دام الإمام غائبا وما دامت الأمة تقع فعليا في عصر الغيبة.
واستنادا لذلك، وزعت المنشورات الدالة على عدم جواز مداخلة الأمة في أمر الإمامة متسائلة: وما شأن الرعية والمداخلة بشئون الإمامة؟ مؤكدة أن انتخاب الرعية للمندوبين يعدّ من باب الاغتصاب للمقام، أي من باب المشاركة في اغتصاب حقّ الإمام في الولاية الزمنية. وعلى النقيض، وظف النائيني نفس الإشكالية/الآلية بطريق معاكس، في محاولة منه لشرعنة حقّ ولاية الأمة على نفسها في عصر الغيبة ما يقع على التضادّ من نظرية “ولاية الفقيه”، حيث أكّد أنّ هذه المسألة تقع ضمن الأمور الحسّية لا ضمن التكاليف العمومية، أي إنّ ولاية الأمّة على نفسها شأن سياسيّ لا دينيّ / شرعيّ، ما يقطع الطريق أمام تدخّل فقهاء السلطة في المسألة برمتها.
ومن ناحية أخرى، إذا كان الشيعيّ غير مكلّف في الأساس في إطار المعنى الفقهي للتكليف، بإقامة الحاكمية الإلهية حال استحالة تطبيقها والاكتفاء بانتظار أوبة الإمام المحتجب، فإنه مكلّف شرعا، وهنا يستحضر النائيني آلية الشرعية المضادة، بأن ينخرط في العمل السياسيّ بتحويل السّلطة المستبدّة إلى سلطة ديمقراطية وبما ينسجم مع مصلحة الأمة؛ لأنّ السلطة المستبدة إنما تغتصب حقين معا: حقّ الإمام من جهة، وحقّ الأمة من جهة ثانية، في حين أن السلطة الديمقراطية المشروطة، حسب تصور النائيني، تغتصب حقا واحدا فقط هو حق الإمام الغائب، وهو أمر لا مناص منه ما دام الأخير غائبا. ويوضح النائيني المسألة أكثر بقوله: “وبالجملة فإنّ المسألة مسألة مجلس نيابيّ شوريّ يبحث في صالح الأمة ويقيم الوظائف اللازمة لذلك… لا مسألة حكومة شرعية”. فقد أراد أنصار المستبدة إيهام الأمة بأن هذا العصر هو عصر خلافة الإمام، وأن المغتصبين مبعوثون، في حين لا العصر عصر خلافة ومغتصبيها وليس الغرض من بعث المبعوثين إلا تحديد الاستيلاء الجوري، فيما يوضح النائيني.
هكذا يفضي تمأسس فقهاء الشيعة إلى ضرب من التشيع السياسي يتقاطع وفقهاء السلطة في التجربة السياسية السنية، كما يفضي فعليا إلى نوع من الاكليروس أو شعبة الاستبداد الديني على حدّ تعبير النائيني، والذي لا يرى ثمة فرقا بين السجود للفراعنة والطواغيت وانتظار الغفران من الباباوات وبين الانقياد الأعمى للكهنوت حيث تتماثل السلطة الإكليركية بنيويا في المجال الدينيّ مع السلطة المستبدّة في المجال السياسي مؤلهة الحاكم والمرجع الديني. وهو بهذا يركز على التواشج البنيوي بينهما أو التضايف Caretation أي الاشتراط المتبادل بالعلاقة التواشجية، والتي تتجلّى من خلال مظاهر التقديس والتأليه على الصعيدين الدينيّ والسياسيّ معا، وفي ضوء هذا نتفهم مدلول التشيع السياسي باعتباره يشير إلى حالة التمأسس لدى فقهاء الشيعة.
يعني مفهوم التشيع السياسي إذن التنوعات الثلاثة التي عرضنا لها، فيفيد أولا معنى الولاء والانتماء، كما يعني ثانيا الارتحال القائم ما بين النظريتين الشيعية والسنية في السياق السياسي والذي تكون الغلبة والتأثير فيه للأولى على الثانية، ويقصد به أخيرا تمأسس فقهاء الشيعة في مقابل فقهاء السلطة في التجربة السنية، وهكذا يفضي الفكر السياسي الإسلامي، شيعيا كان أم سنيا، إلى قابلية تشكله أيديولوجيا على الصعيد النظري والعملي معا. وفي كلا الحالين، يحتاج الفكر السياسي الإسلامي إلى مراجعة شاملة قد تفضي إلى استبعاد العديد من وسائله ومناهجه بحثا عن تنظير مختلف وتجربة متنوعة.
