إعادة توحيد الوعي الديني عند أركون

أريد في البداية أن أبقّ بحصة، ظلت منقوعة في فمي، منذ زمن طويل. وهي ملاحظة جديرة بالاهتمام، بالنسبة لما يكتبه معظم الإخوة في المغرب العربيّ عامة، سواء في الكتب أو في المجلات، أو على الانترنت. فرغم الأهمية الكبيرة لمضامين كتاباتهم، التي تقف بحزم، وعلم، وفكر متأصل، وموضوعية بائنة، إلا أنهم يلجئون في كتاباتهم إلى أسلوب صعب، ربما يكون موجها للنخبة المنتخبة. وربما كان السبب في ذلك، أنهم يفكّرون بالفرنسية، ويكتبون بالعربية. فلولا الجهد العظيم، الذي يبذله أستاذنا هاشم صالح — وهو شبيه بدور ابن رشد في شرح أرسطو – في ترجمة وتعريب كتابات محمد أركون، لظلّت كتابات أركون عسيرة على القراءة، حتى بالنسبة للنخبة.

إنّ واحدة من العقبات أمام الفكر العربيّ اليوم، هي كيفية الوصول إلى السواد الأعظم من القراء العرب، الذين عشّش في رؤوسهم خطاب الأصولية الدينية، وانقادوا إليه، نتيجة عدم استطاعتهم الوصول إلى الخطاب المضاد. فالفكر الليبراليّ وفكر الحداثة والعَلْمانية الذي تطرحه النخب المغاربية، يجب أن لا يوجه للنُخب العربية فقط، وإلا فإننا نكتب لبعضنا بعضاً، وندور ونلفّ في دائرة مغلقة، لا نسعى من خلالها إلى التغيير، ولكنا نكتب لمجرد التعبير. فمعظم النُخب العربية تعرف، وتعلم، وتعمل، بمعظم ما نكتب وننادى به. لكنَّ سواد القراء الأعظم، هو الصخرة الضخمة التي تسدّ الطريق، والتي يجب علينا أن نفتتها لفتح الطريق، بتوجيه خطابنا لها، والحرص على إتباع السهولة الحُسينية (نسبة إلى طه حسين) الصعبة، وليست الصعوبة العقّادية (نسبة إلى عباس العقاد) السهلة، التي يكتب بها معظم كتاب المغرب العربي.
فمن السهل أن تكون صعباً، ولكن من الصعب أن تكون سهلاً.

ركّز مختار الفجَّاري في الباب الثالث، من كتابه “نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون”، وهو من الكتب القليلة في المكتبة العربية، التي تبحث في الفكر الأركوني الذي احتل مساحة كبيرة في الفكر العربي المعاصر، على موضوع مهمّ وحسّاس، وهو “البنية الخارجيّة للعقل الإسلاميّ”، أو “إعادة توحيد الوعي الدينيّ” كما فكّر فيها أركون وكتبها في كتبه. ولكي أفهم ما يكتب الفجَّاري الباحث التونسيّ، كنت أعيد قراءة معظم جُمله مرّتين، أو ثلاث مرّات، لكي أفهمها بعد 68 سنة و50 كتاباً، في رحلتي مع العربية.

طرح أركون لإعادة توحيد الوعي الدينيّ، من خلال البنية الخارجية للعقل الإسلامي، ثلاث خطوات :

1- أن يصار إلى إلحاق الإسلام بالأديان التي شهدت العلمنة.

2- السعي إلى إخضاع الإسلام لنفس الحفريات والنقود والتفكيكات، التي خضعت لها الأديان الأخرى.

3- القيام بعد ذلك بثورة تأسيسية لإصلاح الفكر الإسلاميّ.

وهذا جائز وواقعي في الإسلام. فالأديان السماوية الثلاثة تخضع للظروف والاعتبارات نفسها، وبنية العقل الديني فيها بنية واحدة. إذن، فلا خوف على الإسلام من اتخاذ مثل هذه الخطوات، لأنّ هذه الخطوات من شأنها أن تحفظ للفكر الإسلاميّ فخره وتقدّمه، كما سبق لهذه الخطوات أن حقّقت للفكر المسيحيّ الفخر والتقدم، وأصبح المسيحيّ يعتزّ بما تمّ من إصلاح في الفكر المسيحي.

يرى الفجَّاري، أنّ العقل الديني في الأديان الثلاثة، تضمه في خيط منظومة واحدة، تتكون من:

1- الأصل الإلهيّ للعقل، وهو مشترك بين الأديان الثلاثة، وتمتدّ جذوره إلى أصول الفكر الإغريقي (الأفلوطونية المحدثة) وإلى نظرية العقل عند الهلنستيين. وهذا الأصل الإلهي للعقل، يركّز على أن الإيمان بالوحي، يقوّي العقل البشري ويهديه، في حين أنّ الاعتماد على العقل وحده، يقود إلى الضلال (محمد أركون، “نقد العقل الإسلامي”، ص 65).

2- العقل الإسلامي عقل السياج الدوغمائي المغلق. فنتيجة للإيمان بالمصدر الإلهي للعقل، يصبح التدخّل الإلهيّ في التّاريخ واضحاً. فالوحي هو مصدر المعرفة الكلية، وبذا، يتعطّل عمل العقل، أو لا يصبح له عمل. والنتيجة أنّ النظرية الإسلامية للوحي، تُغلق حرية البحث أمام العقل البشريّ. فالعقل القرآنيّ مثلاً – كما يقول الفجّاري نقلاً عن أركون – هو “عقل التعرّف على الشيء” وليس “العقل الذي يندفع لمعرفة الشيء”، والفرق بينهما كبير. والقرآن الكريم في ذكره لكلمة “يعقلون” (22 مرة) ولكلمة “تعقلون” (24 مرة)، والتي يتخذ منها بعض المفسّرين الإسلاميين دلالة على تكريم القرآن للعقل البشريّ ودعوته للتفكير والتدبّر في هذا الكون، لم يقصد بها القرآن – حسب أركون – السعي لمعرفة الشيء، ولكن التعرّف على شيء موجود مسبقاً، ومنذ الأزل. وبذا يتحول دور العقل من دور الإبداع والاكتشاف والخلق، إلى دور التعرف و(الأرشفة) والحفظ، دون محاولة تغيير أو تبديل معرفة طبيعة الشيء. وبذا، انتفى دور العقل في النقد والتفكيك وإعادة التركيب.

3- العقل الإسلامي، عقل “دين المعنى Dette de Sens “. ويشرح الفجَّاري هذا بقوله، أنه ما دام العقل البشري لا دور له، في النقد والتفكيك وإعادة التركيب، فهو إذن مقصيٌ عن المشاركة والتأثير في التاريخ. وهذا ما يدفع الإنسان إلى الخضوع الطوعي، والتسليم للإرادة الإلهية، ومنها خضوعه لكل إرادة تفوقه نفوذاً، وخاصة الإرادة السياسية. فالتسليم لله وحده، هو الضامن للطاعة والإيمان الأعمى في الخطاب الديني. فالعقل الديني يعتمد – كما يقول أركون – مبدأ تقديم الطاعة لصوت عظيم، يرتفع بالمسلم بواسطة المعنى، الذي يخلعه على وجوده. وهذا الصوت العظيم، هو صوت الله، أو النبيّ، أو البطل، أو الزعيم (الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ص 58).

4- العقل الإسلامي هو العقل الأزلي. تتفق الأديان السماوية الثلاثة، في أنّ نبيّها كان هو الخاتمة، ودينها كان هو الأكمل، والأوّل، والآخر. وهذا يعود إلى آلية الإقصاء، التي تتمتع بها الأديان السماوية، على حدّ تعبير الفجَّاري. فمقولة أنّ “الدين عند الله الإسلام” هو إقصاء لما سبق، ولما لحق – إن وُجد – من الأديان الأخرى. وفي المقابل فاليهودية والمسيحية، قابلتا هذا الإقصاء بإقصاء مضادّ للإسلام من جانبهما، فلم تعترف بنبيّ الإسلام. وهذا دليل آخر على آلية التفكير المشتركة بين الأديان السماوية، وبالتالي دليل على وحدة العقل عندها. وهذا الإقصاء الديني، هو الذي قاد إلى الحروب الدينية في الماضي، ويقودها كذلك في الحاضر. وهو لُبّ أي صراع دينيّ مسلّح، سواء كان خارجياً؛ أي بين الإسلام والأديان الأخرى، أم كان داخلياً؛ أي بين الطوائف والفرق الإسلامية ذاتها. وهو الذي بالتالي يحوّل كلّ صراع سياسيّ إلى صراع دينيّ، كما هو الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية بعد عام 2000، أو بالنسبة لما جرى في العراق بعد عام 2003.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This