مفهوم الحقّ قراءة في مشكلة الشرعية الأخلاقية والقانونية
يعدّ مفهوم الحقّ، من أكثر المفاهيم غموضاً وضبابية وصعوبة على التحديد والضبط المنطقيّ، إذ يتداخل هذا المفهوم في دلالته ويترادف مع مفاهيم متعدّدة، سواء في الفلسفة أو السياسة أو الدين أو الأخلاق أو الحقوق (فلسفة القانون)، بيد أنّه رغم ذلك يبقى مفهوماً مركزياً ما زال يشكّل مدخلاً مناسباً للعديد من الميادين والعلوم إذ ليس هناك من ينازع في أهمية مفهوم الحقّ وارتباطه الحميم مع قضايا عصرنا.
فالسّؤال عن قيمة مفهوم الحقّ بوصفه يتضمّن حلاً لمشكلة الشرعية القانونية والأخلاقية إنما يتهافت أمام أهمية المفهوم وأهمية القضايا والموضوعات التي تقوم عليه سواء موضوعات الدولة الحديثة في علاقتها بالأفراد أو المجتمع المدنيّ ومؤسساتها القانونية والدستورية ومشروعية النظام السياسي أو الموضوعات التي تبحث في مفاهيم الحرية والمواطنة والواجب والديمقراطية وحقوق الإنسان .
ذلك أنّ فلسفة الحقّ إنّما تؤسّس تأسيساً منطقياً للمبادئ وللخطوط الكبرى التي تقوم عليها موضوعات الحقوق، والتي تطوّرت في عصرنا تطوراً دقيقاً حيث تحوّل الاهتمام إلى البحث في أنواع من الحقوق تفرّعت بدورها عن الحقوق الأساسية للفرد من حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ..الخ .
فمن يمعن النظر في مفهوم الحقّ وعلاقة هذا المفهوم بمشكلة الأخلاقية والشرعية القانونية يتكشف له كيف ارتبط تطور المفهوم بتطوّر التاريخ الثقافيّ والحضاريّ للإنسانية وكيف تمّ التأسيس للمشكلة ولحلها، حيث أنّ مفهوم الحقّ ما هو إلا تعيين للحرية في الواقع بوصفه يكشف عن طبيعة الروح، وتجلّ للفكرة في التاريخ، فمفهوم الحقّ مفهوم تاريخيّ واثر لتطوّر العلاقات الاجتماعية بين الأفراد أصحاب السلطة الإرادية المخوّلة من قبل الجماعة السياسية ومصدر شرعية الدول الحديثة، فما ساهم في بلورة وتشكيل معالمه ومحدداته الرئيسية هو ارتباطه بمفاهيم الإنسان والحرية والمساواة والمواطنة في ظلّ سلطة القانون الوضعيّ بعيداً عن مثالية السلطة الغيبية .
إذ تتوضح دلالات مفهوم الحق عبر تمايزه عن مفهوم القانون وارتباطه بمعالجة مشكلة الشرعية القانونية والأخلاقية، ومحاولة تخطّي الفصل ما بين الحقوق الطبيعية والإلهية والقوانين الوضعية المدنية.
ورغم العلاقة التكاملية والتبادلية ما بين الحق والقانون حيث الحقّ روح القوانين وأساسها ومصدر شرعيتها، إلا أنّ السؤال المركزي في فلسفة القانون ونظرية الحق يبقى يدور حول ما إذا كان الحقّ في جوهره هو المبادئ والقواعد الثابتة التي يشتقّ منها القانون، أم إنّه هو ذاته متولد عن القواعد القانونية:أي ثمرة للقانون؟ من هنا يأتي الاختلاف في تعريف مفهوم الحقّ سواء من حيث موضوعه أي ربط الحق بالإرادة والسلطة الإرادية للأفراد التي يخولها القانون أو من حيث غاية الحق بوصفه مفهوماً مستقلاً بذاته .
من هنا لا يمكننا الحديث عن تصوّر محدّد لمفهوم الحقّ في العهود السابقة على نشأة الدولة الحديثة رغم وجود مؤسسات شرعية وقانونية. إذ أنّ تماهيه مع فضيلة العدالة جعله خلواً من معنى القدرة على مباشرة تصرفات إرادية في ظل حماية القانون , وبالتالي فإنّ هذه المؤسسات تغدو مستندة إلى قواعد شاملة كلية ومبادئ مجردة وقوانين جائرة وعارضة، وتبعاً لذلك فإنّ إنتاج مفهوم الحق وبناءه ارتبطا بمساهمة فلاسفة عصر الأنوار في رسم المعالم الثقافية والفكرية في الفلسفة السياسية الغربية، الأمر الذي حدّد الأفق الذي احتضن مفهوم الحقّ بوصفه مرتبطا بمبدأ الحرية والملكية الفردية في المجتمع المدنيّ المبنيّ على التعاقد الإراديّ والجماعيّ .
ولمّا كان الحقّ مفهوماً حديثاً بامتياز مرتبطا بمساهمة فلاسفة الأنوار المحدثين وبتطور العلاقات الاجتماعية، ونشأة الحكومات والسلطة السياسية، وبتطوّر مفهوم الحقّ ونموّه عبر علاقته مع مفاهيم القانون والشرعية والأخلاق والواجب، وما ترتب على ذلك من تأسيس للسلطة السياسية وبحث في مصدر شرعية الدولة وعلاقتها بالفرد ومصدر الإلزام القانونيّ، لذا فقد تطوّر المفهوم بدءاً من غروتيوس مؤسّس نظريّة الحقّ الطبيعيّ والذي سعى إلى التوحيد ما بين الحقّ والقانون ثمّ على يد هوبز الذي وضح الاختلاف والتمايز مابين الحق والقانون مستندا إلى سلبية الحالة الطبيعية ومن ثم ما حققه لوك من تقدم في معالجته لمشكلة الحق حيث استندت إلى أفكاره نظريات حقوق الإنسان والمواطنة والملكية الفردية ومونتسكيو الذي بحث في مفهوم الحقّ من جهة النشوء التاريخيّ ليكون الحق ثمرة للقانون حتى اسبينوزا الذي ربط مفهوم الحق بالقدرة الكلية للطبيعة مدافعا عن مفاهيم المواطنة والديمقراطية والتسامح الديني ثم أنجاز روسو في إدراكه لكلية الإرادة العامة بوصفها مصدراً لشرعية السلطة السياسية في الدولة مستندا إلى مركزية الحق وكانط الذي ربط الحق بنظرية الأخلاق وبالممارسة العملية السياسية في محاولة منه لتحقيق المصالحة على أساس التكامل ما بين الحق والقانون عبر توسط الواجب الأخلاقي إلى الحل الذي قدمه هيغل لمشكلة الشرعية الأخلاقية والقانونية بوصف الحق تعيناً إرادياً موضوعياً للحرية في العالم يصل إلى أعلى مستويات تحققه في التاريخ غاية الحرية .
من هنا تنوّع صور ” الحقّ” في المجتمعات الحديثة، إذ أصبحنا نتحدّث عن حقّ المرأة وحقّ الطفل وحقّ العمل وحقّ الرفاهية وحقّ المواطنة وحقوق الإنسان وحقوق الأمم وحقّ الدول في السيادة … وأصبح القانون عبر سلطته القضائية هو الحامي لهذه الحقوق والمعبّر عنها، فالحقّ بهذا المعنى يطرح تساؤلاً أساسياً يخص الوجود الإنساني وهو كيف نبني مجتمع العدالة والمساواة والأخلاق والقانون، مجتمع الحرية.
إنّ “مشكلة الحق “، مشكلة أبدية، لا تقتصر على البحث في العلاقات الإنسانية في جانبها التاريخيّ، فحسب، بل تمتد لتتناول جوانب سياسية، وأخلاقية، وقانونية…
ذلك أنّ تعيّن الحرية في الوجود الأخلاقي لا يقل شأنا عن تعيّنها في الوجود الاجتماعيّ والسياسيّ هذا الارتباط والتداخل ما بين الحق والأخلاق هو ما يؤكّد أنّ مفهوم الحقّ مفهوم أخلاقيّ بمقدار ما هو مفهوم قانوني وسياسيّ وتاريخيّ.
لذا، لا يمكن أن يأتي وقت يتمّ فيه، استنفاد القول في” مفهوم الحقّ”، وهذا يعني أنّ مشكلة ” الحقّ”، مشكلة فلسفية بامتياز، بحكم تداخلها وارتباطها الوثيق بالوجود الإنساني، وبماهية هذا الوجود الحرّ، وبطبيعة العلاقات الإنسانية، الأمر الذي يجعل من الأسئلة المتعلقة بهذه المشكلة متجدّدة، بتجدّد العصور وتطورها.
ورغم أنّ المؤسّسة القانونية هي الشرط الأساسيّ لاستمرار الحياة الاجتماعية ولضمان وكفالة النظام السياسي، إلا أنّ “مفهوم الحقّ “، هو الذي يضفي على القانون مشروعية مبادئه وسلطته الإلزامية، ذلك أنّ كل صور تعيّن الحقّ ما هي إلا تحققات للحرية الإنسانية في الواقع. وما اختلاف النظرة إلى أهمية الحقّ عبر العصور إلا دليل على ارتباط الحقّ بالتطوّر الثقافيّ والنموّ الحضاريّ في المجتمعات التي تعكس بدورها اكتمال الشخصية الإنسانية وتقدّم الوعي بمفاهيم الحرية والحقّ والقانون والمساواة والعدالة ….
فبعد أن كانت غاية الحقّ تأسيس القانون وحماية أمن الأفراد أصبحت في العصور الحديثة تحقيق الطبيعة الإنسانية والإسهام في حلّ المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى الأخلاقية، بقصد تحقيق الانسجام والتعايش الإنسانيّ.
