ما لا يراه الغربيون حول الأصولية
يلا حظ ليفي ستراوس محقّا أنّ دارس الأساطير سرعان ما يقع في هواها. يبتعد ألان تورين، عالم الإجتماع الفرنسي الشهير، كثيرا عن الحقيقة السوسيولوجية عندما يتبنى دون أدنى تدقيق فكرة عالم اجتماع آخر، نيفولر غول، القائلة بأنّ الإسلام هو اليوم في قلب الحداثة وليس منغلقا كليا في بنيات ما قبل حداثية .
أمّا بالنسبة لعالم الإسلاميات الفرنكو- جزائري، محمد أركون، فلا يمكن للأصولية، في اعتقاده، أن تستحوذ على الحكم في أي بلد من البلدان. لأنّ الحداثة قد أزاحت كل الديانات، يصرّح ليومية الوطن الجزائرية. هكذا يحلّ الأستاذ المبرّز المشكلة من أساسها. ألا يعرف من دَرّس تاريخ الإسلام الثقافيّ والفكريّ في جامعة الصربون أنّ الأصولية قد استحوذت على الحكم في أغلب الدول العربية الإسلامية وذلك منذ عقود؟
ماذا كان يقول لطلبته بالأمس وللذين يحضرون محاضراته العامة اليوم عن طبيعة الحكم في العربية السعودية وباكستان واليمن وموريطانيا وأفغانستان وعمان وقطر وإيران ومصر والكويت والإمارات والسودان وأغلب بلاد العربان…؟ سوء تسمية الأشياء، يزيد من تعاسة العالم ، كما يقول ابن بلده ألبير كامو. ألا يعرف السيد محمد أركون أنه باستثناء بلد “صديقنا بن علي” ، تمارس الأصولية الحكم بشكل سرّيّ في بقية البلدان العربية الأخرى؟
لا تعدو أن تكون المسألة سوى مسألة درجات على سلم الظلامية فقط. لئن كانت أغلب بلدان الإسلام في وضع أوروبا ما قبل الأنوار، فإنّ الوضع السياسي يتأرجح فيها بين ثيوقراطية يديرها مباشرة رجال دين كما هو واقع في بلاد الفرس ولائكية ما زالت تعيش في صراع مرير مع قوى التخلف كما هو الشأن في تركيا.
ومع هذا يبقى محمد أركون متفائلا للغاية، فيقول مُعمِّما :”عاشت كل المجتمعات لمدة قرون تحت هيمنةالديانات، ولكنها تحولت إلى الحداثة وناتجها الأساسي اللائكية”. هل يعتبر البلدان المذكورة آنفا بلدانا حداثية وعلمانية؟ ما هي الأصولية في النهاية؟ هي تطبيق الشريعة كيفما كان هذا التطبيق، تحويل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وغير النبوية واجتهادات بعض الشراح إلى قواعد قانونية. وتلك الدول تطبق الشريعة. وإن خفّت حدّة التطبيق من بلد إلى آخر، فالأمر في العمق سيان.
انطلاقا من مقاربة اقتصادوية وأخرى ابسكولوجوية يذهب الكثير من المتفائلين المحترفين إلى طمأنتنا مؤكّدين ألاّ وجود للأصولية أصلا، فلا يوجد إلا مشاكل الواقع الحقيقية. وهكذا يحوّلون القضية بسرعة فائقة إلى مجرد مشكلة اجتماعية، فتُفسّر على أنها نتيجة فقر وإهانة وحرمان وغيرها من التفسيرات الماركسوية الرثّة. حتى لو سلّمنا أن تكون بنتا شرعية للألم فلا يجب أن ننسى أنها ستكون في حالة انتصارها النهائي ّأُمًا لكوارث ومصائب وأحزان وأخطارعظمى، ربما تتفوق على كل التوتاليتاريات السابقة في مجال الاستهتار بكرامة الإنسان.
مهما يكن الأمر، ومهما اختلفت وجهات النظر، فالثابت هو أنّ “المرض بالدين” أو الأصولية لا يأتي من مدن الصفيح ولا من ضواحي مدن الغرب كما يتوهّم البعض ولا هو حتى ردّة فعل أمام الهزائم المتتالية أمام إسرائيل(ألم تؤسّس عصابة الإخوان قبل ميلاد دولة إسرائيل ذاتها؟). يحاول البعض تفسير الأصولية بمقولة “عودة الدين” المتداولة في أوروبا.أليس من الأصحّ أن نناضل، نحن العرب، بـ”عودة الواقع”، ألسنا في يمّ الدين غرقى؟
تمظهر روح الأصولية في تعارض شديد يغذّيه الدّين ذاته بين قيم زراعية وبدوية يفترض أنها أصيلة وقيم ينظر إليها على أنها انحلالية مدينية زاحفة. لهذا حتى لو كانت الأمور بألف خير في بلاد المسلمين، ستكون الأصولية حاضرة بشكل أو بآخر. لأنها في اعتقادي وليدة وهم وليست وليدة يأس أو خيبة أمل مّا. لذلك ستبقى حيّة في اللاوعي الجمعي المؤسلم ما دامت لم تهزم ثقافيا، هي يوتوبيا تغذّيها أوهام تاريخية متراكمة كثيرا ما تدفع الناس إلى المضيّ في طريق التطرّف، بكل سعادة. هناك ما يشبه “القابلية للأصولية”.
ينمو التطرف الإسلاميّ في المواضع التي لا تخطر على بال الباحثين. ولذلك لا تتوافق مجمل التعريفات التي حاولت فهمه مع حقيقته الفعلية. لا نمِّل من التكرار أنه ينبغي البحث عن مصدره بعيدا عن البروليتاريا العربية الرثّة والضواحي الغربية الفقيرة حيث يعيش مغتربون من أصول إسلامية. يجب أن يتوجّه البحث نحو الطبقة الوسطى والأعلى منها في بعض البلدان. لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ مفكّري الأصولية وعرّابيها ينتمون في أغلبهم إلى علية القوم أي أولائك الذين تسلقوا مستفيدين بطريقة أو بأخرى من هشاشة دولة الإستقلال وماقبلها.
في بداية الثمانينات، ذبح مسلم من أصل جزائري، وهو “حركي” برتبة مقدّم في الجيش الفرنسي، ابنته المراهقة في مدينة كولمار، لا لشيء سوى أنه سمع عن علاقة غرامية قد تكون جمعتها بشاب فرنسيّ. لا أراني أبتعد عن الحقيقة إن كتبت أنّ الأصولية تتّكئ على الطبقات الوسطى والبورجوازية الصغيرة أو بمعنى أدقّ طبقة من يملكون أموالا وجاها دون أن يفعلوا شيئا لاستحقاقهما.
يمكن أن يكون الأنتيغريزم ابن الإسلام العاقّ ولكنّه يبقى ابنا شرعيا على كل حال. يمكن أن يخرج القوم من الأصولية تحت ظروف دولية مّا ولكن هل تخرج الأصولية من أذهانهم ؟
