هابرماس وسؤال الحداثة: فيلسوفٌ محافظ بقناعٍ حداثوي

ما إن ظهرت كتابات هابرماس حول الحداثة في ثمانينات القرن الماضي(1) ، حتى اعتُبر مُدافعاً عن مشروع الحداثة في وجه من يسميهم صراحةً أعداء الحداثة أو ما بعد الحداثويين. لا، بل إنّ بعض الأقلام العربية والغربية صوّرته كبطل أحد الأفلام الذي يدافع عن الخير في مقابل عصابةٍ من الأشرار النيتشويين الذين يريدون القضاء على منجزات الحداثة الغربية وأن يدفعوا بالعالَم إلى هوَّة العدم. أُتابع فلسفة هابرماس منذ سنوات وقد قرأت كمَّاً لا بأس به ممّا كَتَبَ وممّا كُتب حوله، الأمر الذي جعلني أُحاول إعادة قراءة مفهوم الحداثة عند هذا الفيلسوف, لاستنتج أنّ الأفكار التي يتبناها الكثيرون حول موقفه من الحداثة هي أفكارٌ لا تقوم على الفحصٍ أو التدقيق أوعلى القراءة النقديّة لما يكتبه هذا “الفيلسوف” أو ربما بدون حتى أن تقرأه. لا شك أنّ لهابرماس معجبين وأتباعا كثار في الغرب ونقادا قُساة أيضاً، لكن حتى نقاده لم يعملوا على تفكيك نصوصه حول الحداثة لُيعرّوا تناقضاتها ولُيبينوا أنها تسير عكس الاتجاه الذي تودّ الذهاب إليه.

ولكي أتوقّف عن الإنشاء قليلاً وعن استفزاز أولئك الذين يرون في هابرماس بطلاً أُسطورياً ومنقذاً للعقلانية الأوروبية من شرّ تلك الفلسفات التفكيكية والنقدية الهدّامة كفلسفات نيتشه وهيدغر وفوكو وديريدا وليوتار، فإنني سأحاول أن أوضّح رأيي من خلال مقارنة مفهوم الحداثة عند هابرماس مع تجلّيات هذا المفهوم عند ثلاثة من فلاسفة الحداثة الذين يتناولهم هابرماس بالنقد وهم على التوالي هيغل وماركس ونيتشه.

أولاً- هيغل وسؤال الحداثة: يذكر هابرماس بفطنة أنّ الحداثة تحوّلتْ إلى سؤالٍ فلسفيّ لأوّل مرَّة على يدي هيغل لضيق المجال هنا، فإننا سننأى عن الدخول في تشعّبات السؤال عن رائد الحداثة الأوّل أو من هو أبو الحداثة: أهو ديكارت كما يرى هيغل أم أنه كنط كما يرى هيدغر وفوكو ويعارضهما في ذلك هوسيرل أم هو هيغل كما يؤكد هابرماس نفسه ؟

عندما كان الخطاب الفنيّ للقرن الثامن عشر يتناول موضوع “الحديث” Moderne كان يؤكّد في خطابه على الحركة والانفتاح على المستقبل وعلى ما سيأتي، حتى مفاهيمه حول التقدّم والتطوّر والثورة كانت تحمل في طياتها فكرة الحركة والتسارع والتخلص من القديم والانكباب على الجديد. كان الماضي في ذلك الخطاب لا يُمثِّلُ إلا سجناً يجب الهروب منه وذلك بمعانقة ما سيأتي، ليس للإبقاء عليه وإنما لإفلاته من جديد بعد أن يصبح ماضياً لحظة معانقته وهكذا… لهذا لم يكن الحاضر إلا ممرّاً عابراً وسريعاً مجرّد خطوة صغيرة في مضمار السباق نحو الآتي. بتلك الروح يصف بودلير الحداثة بأنها: “الانتقاليّ والهارب والطارئ “(2). هي نصف الفن الذي يتمثل نصفه الآخر في الأبديّ والدائم”.(3)

ستؤثّر هذه الرّوح المُتحرّرة المتدفّقة والمنسابة نحو المستقبل والمتفلتة من الماضي والتقاليد على فلسفة هيغل عندما يتحدّث عن الأزمنة الحديثة التي وبقطعها مع الماضي كانت مُضطرَّةً كما يرى هيغل أن تبحث في ذاتها عن ضماناتها الخاصّة. في مؤَلَّفِه عن فينومينولوجيا الروح يصف هيغل الحداثة دائمة التجدّد كما يلي: “ليس من الصعب أن نلاحظ أنّ زمننا هو زمن ولادة وانتقال إلى مرحلة جديدة. لقد أقام الروح قطيعةً مع ما كان عليه العالَم حتى الآن في وجوده وتمثلاته، وهو على وشك ابتلاع كل هذا في الماضي في حين يشتغل على مفهومه. […]سيتوقف هذا التفتُّت مع بزوغ الشمس التي وبسرعة البرق سترسم صرح العالَم الجديد “(4). لدى هيغل أيضاً كما لدى بودلير، تبرز الحداثة جامحةً منطلقة منعتقة من قيود الماضي وتقاليده متقدمة على ما سيأتي ومنفتحة على الجديد. يبرز هذا الانفتاح على المستقبل لدى هيغل بصيغةً أُخرى وذلك في تصوّره لتطوّر مسيرة الروح حيث يتدرج الروح عنده من ماضٍ أدنى إلى مستقبلٍ أرقى أو من حالةٍ أقل تطوّراً إلى حالةٍ أكثر تطوّراً حتى يبلغ المطلق وبألفاظ هيغل نقول من الروح الذاتيّ إلى الروح الموضوعيّ إلى الروح الُمطلق. بهذه الطريقة يبني هيغل جدله “الصاعِد” حيث تُكمل الروح مسيرتها حين تجد معادلها السياسيّ في الدولة وينتهي التاريخ.

ثانياً- الحداثة كما تتجلّى عند ماركس: رُغم قلبه للعديد من الأفكار والمفاهيم الهيغيلية، إلا أنّ روح الانعتاق والتقدُّم والتطور تظلّ حيَّة عند ماركس تلميذ هيغل. في البيان الشيوعيّ يكتب ماركس وانجلز نشيداً احتفالياً قوياً ودفّاقاً حول حركة الحداثة وتسارعها. من أوله إلى آخره والبيان الشيوعيّ يحتفل بسرعة احتراق الحداثة وإحراقها لكل شيءٍ حولها حيث تثور البنى الاجتماعية ويسود الاضطراب وفقدان الأمن من جراء حركة الحداثة المتسارعة والتي تجد في المجتمع البرجوازيّ عوامل غليانها وهيجانها”. فالانقلاب المتواصل في علاقات الإنتاج والتزعزع المستمر لكلّ الأوضاع الاجتماعية والقلق والهيجان الدائمان، كل هذا يميّز عصر البرجوازية عمّا سبقه من عصور. فتنحل كل العلاقات الاجتماعية القارَّة في الصدأ بأفكارها وآرائها المقبولة والمُبجَّلة، ويهرم كل ما يحل محلّها قبل أن يتمكّن من التحجر، وتتبخّر المنظمات والهيئات الحرفية المؤسّسة ويُدنّسُ كل ما كان مقدَّساً ويصبح الناس مُجبرين في النهاية على التفكُّرِ مليَّاً بشروط وجودهم وبعلاقاتهم المُتبادلة”(5). لكن هذا الغليان المتفجر لن يستمرّ إلى أبد الآبدين. مرّة أُخرى يتوقّف ديالكتيك ماركس مثله مثل ديالكتيك هيغل (رغم صورته المقلوبة عنه) عن إنتاج النقائض في مرحلةٍ قادمة تتمثل، حسب الأدبيات الماركسية، في الشيوعية أعلى مراحل الاشتراكية. لا يختلف هذا التصّور للحداثة عند ماركس عنه عند هيغل في بناء جدلٍ “صاعد” ينتقل من مرحلةٍ أقل تطوّراً إلى أُخرى أكثر تقدُّماً من تلك السابقة عليها بقدر ما هي حصيلةٌ منطقيةٌ لها. إن مراحل تطوّر المجتمع عند ماركس تتدرّجُ صعوداً من الماضي الأقل نضجاً إلى المستقبل الأكثر اكتمالاً. لقد احتفل ماركس وهيغل بما سيأتي وباركا الحداثة والتغيير والتحول والتطور وكل ما يحرق الماضي لينضج المستقبل. مع كلا الفيلسوفين هناك قطيعة مع الماضي وإرثه.

ثالثاً- نيتشه والحداثة غير العقلانية: إذا كان هابرماس ينسب نفسه إلى تقاليد التنوير Aufklärung وذلك بتأكيده على العقلانية وعلى أنّ التنوير هو “مشروعٌ لم يكتمل بعد”، فإنّه سيجد نفسه بلا شكّ وجهاً لوجه أمام أولئك الراغبين “بالتشكيك بانتصارات الحداثة” وعلى رأسهم نيتشه. يُلاحظ هابرماس أنه ومع دخول نيتشه إلى خطاب الحداثة تنقلب الأمور رأساً على عقب.

مثله مثل معاصره ماركس، لم يكن نيتشه راضياً عن واقع القرن التاسع عشر البرجوازيّ ولذلك قدَّم نقداً قاسياً للعقلانية الغربية التي أضاعت سحر العالَم. يفتح نيتشه الباب أمام الماضي الديونيزوسيّ على مصراعيه، لا من أجل العودة إليه، بل من أجل الاستنجاد به لينقذ الروح الأوروبية التي أتلفتها العقلانية. هكذا راح نيتشه يبشِّر بعودة ديونيزوس الإله المنتظر الذي سينقذ أوروبا من سيطرة أبولون إله العقل والنظام الذي ساد تاريخ أوروبا منذ سقراط. لقد آن الأوان، كما رأى نيتشه، أن تعود الروح الديونيزوسية من الماضي “بوثبة نمر” الأمر الذي وجد نيتشه الشابّ بوادره في موسيقا ﭬاغنر وفلسفة شوبنهور. إنّ ما يهمنا في الموضوع هو الوعي الحديث بالزمان والذي يأخذ مع نيتشه منحى حادَّاً أيضاً مثلما كان الحال مع هيغل وماركس، وأقصد تلك الاحتفالية بإيقاع ما سيأتي والتفلت السريع نحو القادم الهارب والذي لا يقيم حتى يكاد يختفي. يتجلّى هذا الوعي الراديكالي بمفهوم الزمان لدى نيتشه في إحيائه لفكرة الصيرورة التي أعاد إحياءها اهتداءاً بفلسفة هيرقليطس فيلسوفه المفضل الذي رأى أنه لا يمكن الاستحمام بمياه النهر مرتين. لنلاحظ معاً في الكلمات التالية لنيتشه مدى تشابه وصف الحداثة لديه مع ما وصفه كل من هيغل وماركس: “وحين يتناول هيرقليطس الزمان المتفلت من كل تجربة من هذه الزاوية، فإنه يملك بذلك الرقم الأغنى بالدروس الذي يعطي مفتاح كل ما يعود بشكلٍ عام إلى مجال التمثل الحدسي. إنّ الطريقة التي تصوّر بها الوقت هي طريقة شوبنهور مثلاً، وذلك بالقدر الذي يردِّد هذا الأخير هيرقليطس حين يقول أنّ كل لحظة من لحظات الزمن لا تتحقق إلا بإزالة (أُمها) اللحظة السابقة، وسرعان ما تتعرض هي للزوال، وإن الماضي والمستقبل هما شيئان ضحلان مثلهما مثل أي حلم، كما وأن الحاضر ليس سوى الحد الفاصل بينهما وهو حد لا تماسك له ولا اتساع”(6). ولكن إلى متى سيظل هذا الاحتراق الكوني متقداً وهل يستمر حراك الصيرورة إلى ما لا نهاية؟ يبدو أن العقل البشريّ لا يستطيع تصور اللامتناهيات وهو مجبرٌ في لحظة من اللحظات على إيقاف الحركة لتأمل نفسه وتأمل العالَم. كما لدى هيغل وماركس، يتوقف عند نيتشه أيضاً سيلان الصيرورة ليعيد تكرار ذاته تماماً كما كان وذلك عبر فكرة العود الأبدي (7).

{{هابرماس والحداثة المُرتدَّة:}}

بعد استعراضنا لهذه النماذج الحداثوية الثلاثة التي فهمت الحداثة بوصفها وعياً بالزمان، أي انقتاحاً عل القادم وقطيعة مع الماضي ونفوراً من التقاليد، سنحاول الآن أن نتعرَّف على الكيفية التي يفهم بها هابرماس موضوع الحداثة.
يُكرِّس هابرماس مؤلفيه الاثنين الخطاب الفلسفيّ للحداثة و”الحداثة: مشروع لم يكتمل” ليصفّي حسابه مع الوعي بالزمان بوصفه انفتاحاً على الجديد وقطيعة مع التراث والتقليد ليس فقط في تجلياته عند هيغل وماركس فحسب بل وبشكلٍ خاص مع التيار النيتشوي الذي يهيب بالفن دوراً ثورياً لا يتناسب أبداً مع أفكار هابرماس التصالحية مع الواقع بمعاييره الثابتة نسبياً وبتقاليده المكوِّنة لما يسميه هابرماس بالعالَم المعيوش. ينتقد هابرماس هذا الوعي الجمالي بالزمان بالقول: ” بإعلانها عن نيتها في تحطيم استمرارية التاريخ، تكشف الفوضوية عن القوى الهدّامة لوعيٍّ جماليٍّ يثور ضد الآثار المعيارية للتقاليد التي تستمد قوَّتها من تمرُدها ضد كل المعايير وتُبطِلُ في نفس الوقت الخير الأخلاقي والفائدة العمليّة: هذا الوعي الذي لا يتوقف عن مسرحة جدل السِّر والفضيحة والمأخوذ بهذا الهلع الساحر الصادر عن فعل المُدَنِّس والهارب بنفس الوقت من عواقب أفعاله المبتذلة “(8).

إنّ هذا الوعي الجماليّ بالزمان هو الشبح الذي يحاربه هابرماس أينما وجده سواءً عند نيتشه أو هيدغر أو باتاي أو فوكو أو ليوتار أو ديريدا، بل وحتى عند هوركهايمر وأدورنو. لعل المتابع لفكر مدرسة فرانكفورت سيتساءل عن سبب اختفاء الأبحاث حول علم الجمال والفن في كتابات هابرماس والتي كانت تقع في صلب اهتمامات الجيل الأول للمدرسة. على خلاف أسلافه الفرانكفوتيين لم يكرِّس هابرماس رغم غزارة ما يكتب كتاباً واحداً ليعالج فيه قضية الفن أو المسألة الجمالية بعد أن كان الفن يمثل فعلاً ثورياً وملجأ لآمال هوركهايمر وأدرورنو وماركوز وبنيامبين الروحية (9).

يؤكد هابرماس على التقليد في مقابل الجدّة وعلى القيم والعادات المعطاة في مقابل التغير والتحول. لنقرأ معاً هذا التصريح الهابرماسيّ ولنقارنه مع تصوّرات الحداثة التي أدرجناها أعلاه: “بعدم احترامهم للسُلطة التي تُمثلها المؤسسات القوية والتقاليد الشعبية فإنّ المثقفين يشكلون خطراً على التوازن الهشّ الذي لا بدّ لحداثةٍ مضطربة أن تجده في مجتمع معقلن وفي السلطات الثابتة التي تتجسّد في الدين والدولة القويين “(10). إن نظرية هابرماس عن الفعل التواصليّ تقوم على محاولة إقامة علاقاتٍ اجتماعية تصالحية وديَّة بين أفراد الجماعة الأمر الذي يتطلب نوعاً من الاستقرار الاجتماعيّ والتقاليد الخاصة فهو حين يتحدث عن المتحاورين في فعلٍ تواصلي يصفهم بالقول: ” إنهم ومنذ الآن نتاج التقاليد التي يوجد فيها مجموعات ينتمون إليها وسيرورات اجتماعية قد تكوَّنوا ضمنها […] وبالفعل يجب ضمان استمرار التقاليد الثقافية واندماج المجموعات بحسب معايير وقيم محدَّدة وتنشئة الأجيال الصاعدة تنشئةً اجتماعية “(11).

كيف لفكرٍٍ يبجل التقاليد أن يكون فكراً حداثوياً؟! يُذَكِّرني هابرماس بتلك المشاريع العربية التي أردات بعث الحداثة من خلال التراث. لقد تكشفت تلك المشاريع عن نظرة محافظة ارتدادية خطيرة فبرغبتها بالاستنجاد بالتراث لبعث الحاضر بقيت عالقة في شباك الماضي ووسعت الهوّة بينها وبين الحداثة. لقد وحّد هابرماس بين الحداثة كطريقة في التفكير بما تتضمنه من حركة وانفتاح وانطلاق وبين عصر التنوير الذي برزت فيه الحضارة الأوروبية، وما حديثه عن مشروع حداثة لم يكتمل إلا دعوةً للتمسك بعصر التنوير وبقيمه. إنّ حداثة هابرماس تنظر للخلف ولا تلتفت للأمام بعد أن صارت لديه مجرَّد حقبة زمنية من حقب التاريخ بدل أن تكون وعياً بالزمان وانفتاحاً على الجديد. عندما قامت ثورة الطلاب في عام 1968 تحول هربرت ماركوز إلى ملهم للطلاب الراغبين بالتغيير وتبديل الأوضاع الاجتماعية والتعليمية والسياسية غير المقبولة أما هابرماس فكان يُحاضر (بلا جمهورٍ تقريباً) مذكِّراً بضرورة احترام مؤسسات الدولة (12).

حَدَثٌ أخير أودّ التوقف عنده يمثل موقف هابرماس من إعادة قراءة التاريخ الألماني. في أواسط الثمانينات طالبت مجموعةٌ من المؤرخين الألمان بإعادة قراءة التاريخ الألماني وذلك للتخلص من عبء النازية وأن الجيل الجديد غير مسؤول عن خطيئة وقعتْ في الماضي. عندها يرتفع صوت هابرماس مندَّداً بهذه النظرة التي تريد تجاوز “الماضي الذي لا يمضي” مطالباً وبشكلٍ مازوخي بضرورة الإبقاء على هذا الماضي حيَّاً.

يكتب هابرماس في تلك المناسبة: “هناك حقيقة بسيطة وهي أنّ الأجيال التي جاءت من بعد قد نشأت كذلك ضمن شكلٍ من أشكال الحياة كانت فيه مثل هذه الأشياء ممكنة الحدوث. إنّ حياتنا الخاصة قد ارتهنت بشكل الحياة الذي جعل أوشويتز ممكناً من خلال ظروف جوهريّة وليست عرضية. إنّ شكل حياتنا مرتبط بشكل حياة آبائنا وأجدادنا عبر شبكة من التقاليد العائليّة والمحلية والسياسية والثقافية التي يصعب الفصل بينها. ذلك السياق التاريخي هو ما جعلنا على ما نحن عليه الآن. لا أحد منّا يستطيع أن ينجو من هذا السياق لأنّ هوياتنا كأفراد وكألمان معاً قد حُبكت به بشكلٍ يتعذر فصله.(13)

أتساءل الآن ماذا يبقى من الحداثة إذا رفضت التغيير والحركة ووقرت عادات الماضي وتقاليده؟ وبمعنى آخر ماذا يبقى من الحداثة إذا ما ألغت نفسها؟ أي حداثةٍ تلك التي تقنع بالعيش في ماضيها المثالي؟ ومن هم المفكرون المحافظون أهو هابرماس نفسه أم أولئك الذين قسّمهم في فئات من المحافظين والذين كتب عنهم: ” اسمحوا لي أن أُميِّز باختصار بين النزعة المضادّة للحداثة l’anti-modernisme من المحافظين الشباب ونزعة ما قبل الحداثة pré-modernisme من المحافظين القدامى وبين نزعة ما بعد الحداثة post-modernisme الخاصة بالمحافظين الجدد”(14) . بعد أن صنّف الفلاسفة الفرنسيين الجدد في عداد المحافظين الشباب: ” يمتد هذا الاتجاه في فرنسا من جورج باتاي إلى ديريدا مروراً بفوكو”(15).

كلمة أخيرة لامتحان مقولة هابرماس حول كون الحداثة مشروعا لم يكتمل. لنتخيل معاً مفكِّراً مسيحياً ظهر مع نهاية القرون الوسطى وبداية عصر الحداثة فرفض هذه الظاهرة الجديدة بوصفها نزعة ما بعد قروسطية كاتباً مقالاً بعنوان: “العصور الوسطى: مشروع لم يكتمل” متحدِّثاً فيه عن مخاطر الحداثة مشدِّداً على تلك العلاقة التي يجب الحفاظ عليها بين الفكر المسيحي وروحانية العصور الوسطى (كما يؤكد هابرماس على علاقة الحداثة بعقلانية عصر التنوير). ولنتصوَّر كذلك أن هذا المفكِّر الافتراضيّ قد احتجّ ضد مناصري مشروع الحداثة مُصنِّفاً إياهم في فئاتٍ من المحافظين محذِّراً (على طريقة هابرماس) من أنّ الحداثة ليست في حقيقة الأمر إلا انحرافاً عن مبادئ القرون الوسطى. هل يمكن لنا بعد هذا أن نصنِّف هذا المفكر بوصفه حداثوياً أم محافظاً؟ يا ساداتي إنّ الملك عارٍّ. وهي ليست إلا صرخة طفل أمام صمت البالغين الذين يصفقون لثياب الامبراطور الجديدة كما صوّرها قلم الأديب المبدع هانس كريستيان اندرسن.

الهوامش:

1- تمثلت المرحلة التي اهتم فيها هابرماس بمسألة الحداثة بثلاثة أعمال أساسية: تمثّل العمل الأول بمقالته حول الحداثة التي ألقاها في فرانكفورت عام 1980 بمناسبة استلامه جائزة تيودور أدورنو والتي نُشرت في ألمانيا عام 1981 تحت اسم “الحداثة: مشروع لم يكتمل”. والثاني تجلى في مؤَلَفه الضخم نظرية الفعل التواصلي 1981. أما عمله الثالث فهو كتابه الخطاب الفلسفي للحداثة 1985.

2- قمنا بكتابة بعض العبارات بالخط العريض وذلك للتشديد عليها.

3- Ch. Baudelaire, Le Peintre de la vie moderne, in Œuvres complètes, Paris, p. 1163.

4- G.W.F. Hegel, Préface à la Phénoménologie de l’esprit, trad. J. Hyppolite, Paris, 1966, p. 33. in Habermas, Le Discours Philosophique de la Modernité, trad. Christian Bouchindhomme & Rainer Rochlitz, Gallimard, 1988, p.

5- K. Marx et F. Engels, « Manifeste Communiste », trad. Maximilien Rubel et Louis Evrard, in K. Marx. Œuvre I, t. I, Paris, 1965, p. 164.

6- فريدريك نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، تعريب الدكتور سهيل القش، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1981، ص. 55.

7- يزعم نيتشه أن فكرة العود الأبدي قد جاءته على شكل إلهامٍ مفاجئ أو وحيٍ دفّاق. في الحقيقة إن هذه الفكرة لم تكن غائبة عن فكر نيتشه فهي بالأصل فكرة أستاذه الأول “هيرقليطس” والذي علَّق علها نيتشه في معالجته للفلسفة الإغريقية: ” ولكن عالم الاستقرار هذا سيعيد بناء نفسه بشكلٍ مشابه لما سبقه، وهو يتجدد بدون توقف. من سيكون بإمكانه أن يحرِّركم من لعنة الصيرورة؟” ، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ص. 52.

8- Habermas, « La modernité : un projet inachevé », trad. franç. Gérard Raulet, in Critique, n° 413, « vingt ans de pensée allemande », oct. 1981, p. 953.

9- لا يتسع المجال هنا للحديث ليس فقط عن غياب المسألة الجمالية عن أبحاث هابرماس بل ومعاداته لها والذي قد يكون موضوعاً لحديثٍ آخر.

10- Le Discours Philosophique de la Modernité, p. 69.

11- Le Discours Philosophique de la Modernité, p. 354.

12- « The Role of the Student Movement in Germany, » in Autonomy and Solidarity, ed. Peter Dews (Verso, 1986), p. 231.

13- Jürgen Habermas, « On the Public Use of History, » in Habermas, The New consevatism: Cultural Criticism and the Historian’s Debate, ed and trans. Shierry Weber Nicholsen, with an intro. By Richard Wolin (MIT Press, 1989), p.233.

14- La modernité : un projet inachevé, p. 966.

15- المرجع نفسه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This