لا تركل الدلو بقدمك
قال هذا إدوارد بيرمنت ظهيرة أحد ومات، كانت عيناه مغلقتين وقلبه مفتوحاً والسماء صافية.
هذه مقدمة الفيلم الأمريكي “قائمة الدلو”
أفيش الفيلم صورة للبطلين ادوراد وكارتر يتضاحكان.
أما ادوارد صاحب الثراء الفاحش، فإن ذلك حدث حين كان في اجتماع للطاقم الطبي للمشفى الذي يملكه. كان يتذوق شراباً نادراً ويقطع كلام المجتمعين كل حين من أجل أن يطرح أمراً يجدونه بعيداً كل البعد عن أهدافهم، بينما هو يظن أن كل كلامهم بلا معنى. قدّم لأحد المجتمعين كأساً يحتوي شرابه النادر ثم سأله: هل تعرف أين تقع فلسطين؟
أثناء لهوه مع المجتمعين الذين بدؤوا يتذمرون من مقاطعاته، أصيب بسعال شديد ونقل إلى العناية.
تصادف وكارتر في غرفة علاج واحدة.
على سريرَي العلاج الكيماوي شديد الوطأة ومع خبر الشهور القليلة المتبقية لكليهما، كارتر وادوراد، حدثت تلك الصداقة النادرة والبسيطة. كارتر مع استسلامه وقبوله الهادئ لأمر الموت القريب، وادوارد مع تعنته وإنكاره وتذمره الطفولي، كانت صحبة عميقة قال عنها إدوارد إنها تعادل عشرات السنين السابقة.
بعد إحدى النوبات الشديدة التي أصابت ادوارد، نظر إلى كارتر وسأله:
ـ هل تفكر بالانتحار؟
استهجن كارتر:
ـ أنا؟ لا أبداً.
استأنف ادوراد:
ـ ربما لأنك مازلت في مرحلة الإنكار.
المراحل التي يعيشها الإنسان بعد تلقي خبر شهوره القليلة في الحياة: الإنكار، الغضب، الاكتئاب ثم القبول.
ضحك كارتر قائلاً:
ـ وأنت في أي مرحلة؟
كانت زوجة كارتر تلازمه طوال النهار، وتثرثر وتكتم دموعها.
سأل كارتر حين رأى رفيقه وحيداً:
ـ ادوارد، هل أنت متزوج؟
أجاب ادوارد:
ـ أحب أن أكون متزوجاً، وأحب أن أكون عازباً. ولا أعرف كيف أحقق الاثنين.
أجابه كارتر:
ـ لا عليك، أنا متزوج عن كلينا.
أن أساعد شخصا غريباً عني.
أن أضحك حتى البكاء.
أن أقود سيارة شيفرليه.
أخذ ادوارد الورقة منه قائلاً إن أمانيك ضعيفة جداً، وأضاف أمنياته:
أن أقفز من الطائرة بالمظلة
أن أحصل على وشم على جسمي
أن أشاهد أكثر منظر في الكون سحراً
أن أقبل أجمل فتاة في العالم
قررّا أن يسافرا معاً بغية تحقيق الأمنيات.
غضبت زوجة كارتر، فهي تحبه ولا تريد أن تفقده حياً. لكن كارتر مضى مع رفيقه إلى تحقيق أول أمنية وهي القفز بالمظلة. ربط كل منهما نفسه مع مظلي متمرس، وطلب ادوارد من المظلييَن أن يؤجلا فتح المظلة كي يعيشا صدمة السقوط أطول وقت ممكن. وكان ذلك مترافقاً مع صياح الرعب اللذيذ.
ثم تسابقا بأحدث سيارتي شيفرليه. وفرح كارتر كطفل حين فاز على رفيقه ادوارد.
مضى ادوارد ليحقق أمنيته الثانية، إحداث وشم على جسمه.
وجلس بجانبه صديقه كارتر يثرثران، ويخططان للرحلة القادمة في مشوار الحياة القصيرة.
قرّرا أن أجمل منظر شاهداه هو مشهد الهرم، كان صوت الأذان المسلم منبعثاً من القاهرة.
كانا في الطائرة التي يملكها ادوارد، محلقين فوق القطب، قال كارتر متأملاً صفاء الليل، من علٍ:
ـ النجوم إحدى هبات الرب الجميلة.
ـ هل تعتقد أن كائناً صنع هذا؟
ـ ألا تعتقد أنت؟
ـ أتعني أن أنظر إلى السماء وأعدّ هذا وذاك؟ لا بالطبع.
ثم أضاف ادوارد:
ـ إذا علّمتنني الحياة شيئاً، فهو أن خمساً وتسعين بالمئة من الناس هم على خطأ.
ـ ألا يمكن أن تكون أنت على خطأ؟
ـ حين أكون مخطئاً، أفوز.
قال كارتر محدثاً نفسه:
ـ هذا الرجل ينجح بهذه الطريقة.
حاول ادوارد أن يجعل كارتر يجرب الحب مع امرأة غير زوجته، وأرسل له سمراء حاولت أن تغويه بذكاء ودعته إلى سريرها، لكن كارتر المحب لزوجته شكر الفتاة واعتذر لها رغم سحرها، ورجع غاضباً من ادوارد.
في اليوم التالي رجعا إلى الوطن.
في اليوم الأول لعودة كارتر إلى بيته، أعدَت له زوجته عشاء فاخراً وسط الأولاد والأحفاد، ووعدته بليلة نادرة كالتي كانا يعيشانها أيام الصبا، لكن كارتر لم يلحق أن يسعد بهذا، ونقل إلى المشفى.
ودع كارتر زوجته، وطلب أن يودع ادوارد، قال له ادوراد: هذه القائمة لرجلين، وهي لم تنته بعد، أجابه كارتر:
ـ أخشى أني مضطر.
ودخل كارتر إلى غرفة العمليات، ولم يرجع. وبعد حين لحق به صديقه.
دفن رماد الصديقين في كبسولتين على جبل ثلجي بعيد، وراء جدار حجري صغير لا يلفت انتباه أحد، وكان ذلك “ضد القانون”، الأمر الوحيد الذي ارتكباه مخالفاً للقانون، أن طلبا أن يدفن رمادهما في هذا الجبل الثلجي.
أما حين تمنى ادوراد قبل موته أن يقبّل أجمل فتاة في العالم، فقد توقعت أيضاً أنه سيجرّب قبلات كثيرات مع نساء عديدات قبل أن يقرّر من هي أجملهن، وبالفعل خرجت إحدى الجميلات من مقصورته في الطائرة، لكنه كان المشهد الوحيد الذي يشير إلى تعدد علاقاته، ولم يبد كأنه انتصار تحقق، المفاجأة، أن القبلة كانت لحفيدته التي لا تتجاوز السابعة من عمرها، واعتبر أن هذه القبلة هي لأجمل فتاة في العالم.
يستحق الفيلم أن يُشاهد، و بشغف.
