عود على “في أهمية ما لا أهمية له” لرجاء بن سلامة – الجمال إذ تصنعه اللمسة الخاطئة أو الناقصة ولا يصنعه الكمال

تثير مقالة “في أهمية ما لا أهمية له” لرجاء بن سلامة، المنشورة في الأوان بتاريخ 15/4/2008، أسئلة متنوعة، منها ما هو فني، ومنها ما هو فلسفي أو نفسي، على أن نأخذ هذا التنوع باتصاله وتشابكاته. ولعل إخضاع المفاهيم السائدة عن الجمال والكمال والانسجام للتمحيص بات ضرورة من ضرورات مقاربة النظام السائد، وقراءته من جهة ما يُقصى أيضاً، وأهمية ما يُقصى في تشكيل النظام ذاته. وبعبارة أخرى تقدّم القراءة التكاملية اقتراحاً بديلاً عن القراءة المضادة التي تسعى إلى تحويل النشاز إلى نظام، أو تحويل المتن إلى هامش وبالعكس، ما يحافظ على الجذر الأبستمولوجي المُراد زحزحته.

من المفيد في هذا الصدد استحضار النحّات العظيم رودان، فقد عُرف عن رودان شغفه بالتشريح وعمق معرفته به ، وكان يذهب إلى المشرحة أو المقابر لشراء الجثث بغاية الدراسة التفصيلية لعضلات الجسد، ومع ذلك تشير دراسة منحوتات رودان إلى خلل تشريحي فيها، وهذا الخلل لا يأتي عن جهل وإنما عن قصدية واعية. هناك لمسة خاطئة يصنعها الفنان، وهو مدرك لأهميتها، مع أن هذه اللمسة لا تُعرف إلا بأثرها غير الملموس، مثلما لا يُعرف النظام إلا بدلالتها. الأثر الذي تتركه اللمسة الخاطئة في مثالنا هو الإحساس بالحركة، فلولا “الخلل” لأصبحت المنحوتة أشبه بجثة؛ النظام التشريحي سيبقي الحجر حجراً، ووحده النشاز “يُنطق” الحجر عبر سريان الزمن فيه.

اللمسة الخاطئة كما نرى لا يمكن إلا أن تكون جزءاً صغيراً من الكلّ، وهذا لا ينقص من قدرها أو أثرها الذي يتجاوز الحجم، لكن ضرورتها هي التي يتم تجاهلها أو التفكر فيها. فـ”القضيبية الفحولية” لا تلغي بالضرورة العناصر الصغيرة، بل تستحوذ عليها، وتخضعها للمفاضلة القيمية “على نحو ما تبيّن رجاء بن سلامة”، ومن هنا فالمطلوب هو إعادة التوازن لا عكس السلّم التفاضلي نفسه. والمقصود هو التوازن الفعّال، التوازن المتحرك، لا التوازن الستاتيكي الذي يقترحه الكمال أو تفرضه الهيمنة المطلقة.

لربما كانت أهم مشكلة تطرحها البنيوية هي في اتخاذها كمنهج يُبنى بدلالته النص، بينما تكمن أهميتها كمنهج لتحليل النصّ، على أن نأخذها كاقتراح لا كمذهب. فالنظام المجرد الذي تستكشفه البنيوية يفرغ النص من “شوائبه” الضرورية، وما يصحّ في تحليل النص لا يصلح كدليل لإبداعه. وعلى سبيل المثال، إذا أخذنا تحليل بارت البنيوي للقصّ، سيقودنا التحليل إلى تخليص النص من كل التأثيرات العائدة إلى فنون أخرى، بغية الوصول أخيراً إلى الجوهر النقي للقصّ. ما لا تقوله البنيوية هو أن هذه التأثيرات الخارجية هي التي تصنع خصوصية كل نص على حدة، وبالتالي سيقود التسليم بالنتائج وحدها إلى كتابة نص نموذجي لا حياة فيه. وهذا أمر يتعلق بكيفية قراءة البنيوية، أو اعتناقها من قبل البعض، وليس من قبيل المصادفة أن تغفل بعض القراءات الجهد البنيوي في تحليل السرديات الصغيرة لينصبّ الاهتمام على السرديات الأكبر. بتمثيل بسيط: يجوز لنا إغفال البهارات عندما نتحدث عن القيمة الغذائية المجردة، لكن لا أحد يعدّ طبقه وفق هذا المعيار، ولا أحد ينكر الدور الحاسم للبهارات في تمايز الأطباق عن بعضها، أو في أهميتها لمذاق كل طبق.

ثمة جذر مشترك للولع بما هو كبير والولع بالنقاء وبالكمال، وهذا الجذر يدفع إلى القراءة الأحادية من أي نوع كان. الخروج من هذه القراءة يقتضي من كل واحد أن يرى نفسه متعدداً، وأن يتصالح مع شوائبه، وألا يسعى إلى الكمال. وإذا استخدمت الجملة الأخيرة، التي تذكّر بالقول الإسلامي “لا كمال إلا للـه”، فبقصد التقليب فيما يعنيه اللـه أيضاً من واحدية وتعددية معاً، منطلقاً من أن قراءة الإنسان للـه هي قراءته لذاته. ما يلفت الانتباه أولاً هو توقف أسماء اللـه عند العدد 99، ولا أعتقد أن العقل البشري عاجز عن إكمال العدد مئة لولا ضرورة النقص من أجل الغموض اللائق بالألوهة. في الأسماء التسعة والتسعين سنجد القهّار والرحمان يتجاوران في واحد، وهذا ينسحب على الصفات المتناقضة الأخرى، وأعتقد أن لكلّ منا نصيبه الخاص، ومزيجه الخاص طبعاً، من الصفات التي أُسبغت على اللـه. ولعل إحدى مفارقات العقل التوحيدي هي أنه أوكل تعدديته إلى اللـه، وبات يسعى إلى الأحادية التي يفترض أنها سمة إلهية! الإقرار بالتعددية يعني الإقرار بالنقص أيضاً، حيث الكمال صنو الأحادية، وما لم يتصالح الواحد مع تعدديته فلن يكون مؤهّلاً للتسامح مع الآخر المغاير، وفي الوقت نفسه سيهدر جزءاً من ذاته في محاولة قهر الجزء الآخر منها، بدلاً من الجدل المستمر بين الأجزاء والذي من شأنه توليد ذات أقل اطمئناناً وأكثر غنى وانفتاحاً.

من الجذر ذاته تتناسل قيمة أخرى هي القوة، فالقوة معادل للكبير والعظيم، والقوة تعني الفحولة بما أن الضعف من نصيب الأنوثة. شدة البأس المطلوبة، بموجب الثقافة السائدة، تتعالى على الضعف الإنساني وتُقصيه بمعايير الجندر، وأكثر من ذلك تربط القوة ضمناً بالعدوان، وتجعل من الأخير شرطاً لامتحانها، ما يضع المرء أمام تحدي امتلاك القوة، أو على الأغلب وهم امتلاكها. بدلاً من شجاعة الاعتراف بالضعف سنرى المكابرة تتعزز باستمرار، ونرى “الضعيف” يتمثّل من هو أقوى منه على أمل التغلب عليه. إن فرض نموذج معياري للقوة سيؤدي دائماً إلى محاولة إخفاء مواطن الهشاشة، مع أن الأخيرة قد تكون هي البؤرة الفعالة في الذات، وما لم يتم الاستسلام للضعف فلن تتم مبارحته، هذا إذا لم نأخذ في الحسبان الحقَّ في الضعف وفي الاستمتاع به أيضاً.

مع الإقرار بالتعدد ضمن الذات لن يكون من باب التفكير الأسطوري أن يكتب الواحد بيدين، وأن تخدش يد ما تشيده اليد الأخرى، بل قد تنبت يد ثالثة لتخدش ثانية ما أنجزته اليدان. وما يؤسف أن هذه الأفكار التي بدأت تلقى بعض الصدى عربياً بقيت إلى حدّ كبير في إطار الأطروحات النظرية، ولم تجد صدى عميقاً في الحقل الإبداعي، فالسائد ما يزال يعلي من شأن السرديات الكبرى، وأغلب النصوص الرائجة يعتمد على مفاهيم البطولة والإيديولوجيات أو الأحداث العامة، بينما تُهمَل النصوص التي تنشغل بـ”الصغائر” على قلّتها. هذا الهوس القضيبيّ لا يقتصر على جنس بعينه، إذ نرى تمثيلاته في الكثير من المساهمات النسائية أيضاً. لذا من المأمول إعادة قراءة المنجز بمعيارية مختلفة لا تقصي الصغير، ولا تنتقم من الكبير بإخصائه، ومثل هذه القراءة تقتضي إعادة النظر بالدلالات اللغوية، حيث اكتسبت الدلالات قيمتها من الإرث المشار إليه. التأنيث، بهذا المعنى، ليس مشروعاً مضاداً، ولا يختص بالنساء وحسب، كما لا يختص بمواضيع بعينها، هو مشروع تكافؤ وتكامل يزحزح أولاً المعيارية اللغوية، فلا يبني انحيازاته عليها.

أعتقد أخيراً أن السعي إلى الجمال والسعي إلى الكمال لا يلتقيان، فالجمال وليد اللامتوقَّع، ومتى خضع كلياً للنظام تبددت الدهشة أمامه، وربما لهذا يرى البعض أن كل جمال يصنع “نظامه” الخاص. ولعل اللمسة الخاطئة، أو الناقصة، هي التي تجعل الإنسان ذاته جميلاً أكثر من الأقنعة التي يستر بها نواقصه.. يبقى عليه هو أن يقتنع بذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This