الصحوة الإسلامية : تدين أم إدمان ديني؟
تشهد كل المجتمعات العربية تفكّكات اجتماعية وانسدادات ثقافية ومهازل علمية، نتيجة تسيير كارثي اقترفته سلطات احترفت الديماغوجيا سياسة والتأسلم الانتهازي وسيلة في إدارة شؤون خلق الله. أمّا النخب فلم تكف عن التنازل حتى وجدت نفسها في قبضة حليفين لا يرحمان الحرية أبدا: بطش سلطة مطلقة بدائية من جهة، وانغلاق مؤسسة دينية في غاية التخلف. وهكذا وصل المجتمع إلى حيث كان مسطرا له أن يصل. لقد سقط بأسره تحت نير الأصولية الإسلامية القروسطية. وفي انتظار انقضاضها الرسمي على الدولة والشروع المباشر في تطبيق الشريعة، دون وسيط،- كما يحصل في معظم بلدان المسلمين اليوم- تستمر قوى الإسلام اللاعقلانية في بسط هيمنتها على العقول بغلق الأبواب والنوافذ، شاهرة، في المحاكم، تهمة التكفير والتغريب في وجه دعاة الحداثة والعقلانية، ومهددة بالخناجر والبنادق والفؤوس كل من يقف أمامها في الميدان.
يتدحرج هذا العالم رويدا رويدا ويوما بعد يوم نحو الهاوية، نحو انفجاره النهائي. ما أشرقت شمس إلا وغرق في فقر ماديّ وأخلاقيّ أدهى وأمرّ. “لماذا أمضي شبابي بائسا وثروات بلادي لا تعد ولا تحصى”، تصرخ أغنية آتية من المغرب العربي. في دعابة دالة على الغمّ، يعارض شباب من الجزائر بيتا لزهير: “سئمت تكاليف الحياة ومن يعش عشرين حولا في الجزائر يسأم”. ” لو يعود الاحتلال يوما سأخبره بما فعل الاستقلال!” يقول آخرون بلغوا أعلى درجات المرارة. نموت في اليّم خير لنا من الموت بالغمّ، يقول المغامرون نحو أوروبا سرا. وهذا ليس حال الجزائر وحدها بل هو حال معظم أخواتها العربيات المسلمات. أوقع جشع المسؤولين وانتهازيتهم وصمت ما تبقى من الطبقة الوسطى عالم العروبة والإسلام في حالة يرثى لها من التكلّس الفكري والتسيّب الحضاري. حالة انتكاس مستدامة تتجلى في انعدام الحريات وفي اكتساب المعرفة الهزيل وفي وضع معظم النساء اللاإنساني”(1).
يلاحظ كل من عاش في مجتمع إسلامي ذلك المزج العجيب بين الثقافة والعبادة، بين المعرفة والإيمان، بين الأخرويات والدنيويات، بين التاريخ والنوستالجيا. انقضّ الفكر الديني عبر هذه الفوضى الإبستمولوجية العارمة على كل جوانب الحياة، فطبعها بطابع لاعقلاني، أصبح من الصعب تطهيرها منه على المدى القريب.. كل هذا، لم يثر انتباه ندوة مركز دراسات الوحدة العربية المنعقدة في شهر ابريل 2001.
وقد نشرت أعمال الندوة في 1150 صفحة، كانت كلها تدور حول نفسها دون أن تشير بصرامة إلى عائق الدين في بلوغ أهداف التنمية الشاملة. في تقريرعام 2004، يضع خبراء المنظمة العربية للثقافة والعلوم اليد على كل معيقات التنمية الثقافية في العالم العربي ما عدا أهمها على الإطلاق ألا وهو الحضور المهيمن للدين في المجتمع العربي. أما التقرير الثاني للتنمية البشرية فيؤكد بادئ ذي بدء، وفي ديباجته، على أن الدين الحقيقي، أي الإسلام، يشجع على اكتساب المعارف بشكل مميز(2) . ويضيف كاتبو التقرير، غير مبالين بما يحدث على أرض الواقع، أن ” تطوير نموذج عربي متسامح ومستنير للمعرفة مرهون بتحرير الدين من الاستغلال السياسي، وكذا احترام استقلالية البحث”. ألا يحسن بنا أن نفكر في تحرير البحث العلمي من الدين قبل كل شيء؟ ألم يحن الوقت بعد للكف عن المزايدة بالدين؟ ألا ينبغي أن يقف المثقف ضد أسلمة المجتمع، تلك الجريمة الشنعاء، التي تقترفها سلط المشايخ والعسكر وأمراء المؤمنين في وضح النهار؟ يبدو أنه ليس هناك من مهمة ملِّحة غير بناء المساجد والمصليات والحسينيات وما شابهها. فرغم التزايد الهستيري لعدد المساجد في دولة كالكويت مثلا، لا تجرؤ السلطات رفض أي طلب جديد للبناء. لو استمرت هستيريا زرع الجوامع على نفس هذه الوتيرة، سيأكل الإسمنت وجه الأرض العربية الصالحة للزراعة.
تظهر المساجد العشوائية والنظامية كفطر الخريف بينما يمنع حتى ترميم كنيسة عتيقة أو أي معبد آخر ويعترض ذلك ترسانة من القوانين الظالمة. يلاحظ عالم الفيزياء الأحمدي وصاحب جائزة نوبل، عبد السلام، أن المسلمين من أقل البشر اهتماما بالعلم على وجه البسيطة. لا وجود لجامعة عربية ما بين الـ 1500 جامعة المصنفة الأحسن في العالم. أيعقل أن تتفوق على الجامعات الجزائرية جامعات موجودة في دول إفريقية فقيرة جدا؟ ألا يضع الباحث السوسيولوجي مصطفى ماضي يده على حقيقة الجامعة في الجزائر حينما يصفها بدار الحضانة للكبار؟(الخبر 12/03/2008) أما الباحثة خولة الإبراهيمي فتتساءل عن مدى بقاء جامعة في الجزائر أصلا؟ “المدرسة الجزائرية منكوبة”،قال الرئيس محمد بوضياف وقد تمت تصفيته بيد خريج من خريجي تلك المدرسة التي هي اليوم في حالة احتضار.
عبر نافذة الجهل والتجهيل خُلقت شروط معنوية وتعبئة نفسية ضخمة لمحاربة الحس السليم. وهكذا غزت الظلامية كل القطاعات المجتمعية وتسللت حتى مخدع المؤسسات الرسمية وأصبحت العقل المدبر في كثير من البلدان. يحبذ البشر أحيانا الابتعاد عن هموم الأرض، فيتجهون نحو رحابة السماء لتعويض ما خسروه في الأرض. أما في البلدان الإسلامية فالخطب أعظم، فالسماء طاحونة أوهام والدين أضمن وسيلة لحرمان الناس من حرياتهم.
لم يستغل سماسرة الغيب تديّن الناس الطيبين كتلقيح ضد تطور المجتمع نحو الفصل بين الديني والدنيوي فحسب، وإنما ضد كل بعد روحي حقيقي.. “سأطفئ نار جهنم وأوصد أبواب الجنة كي لا يعبد الناس الله اليوم طمعا في النجاة ولا خوفا من العقاب”، تقول رابعة العدوية في القرن الثامن وتقول الكاتبة الجزائرية فاطمة بخاي في بداية الألفية الثالثة:” أصبح الدين أبهة، يفعل الناس الخير ويذهبون إلى المساجد، ليكبروا في أعين الآخرين”(3). مازالت هذه المجتمعات المبتلية بداء اللاعقلانية تنزع بقوة نحو التأسلم الشامل وما انفك المتأسلمون يحتلون فيها المواقع الأمامية. وهكذا تخنق الدروشة العقل فينتكس الفعل المعرفي ويصبح الإيمان الأعمى معرفة بل المعرفة كلها. وتغدو العقلانية قطرة في محيط من اليقين ويتراجع التأمل العقلي أمام سلطة البلاغة.
في بقية بقاع الأرض، يؤثر العقل في الدين، بطريقة أو بأخرى، أما في العالم العربي الإسلامي فإن الدين هو المتحكم أساسا في العقل.
ومن البداهة أنه إذا لم تُقيّد الدين قَيّدك. وهو ما يحصل في معظم الدول العربية حيث نلاحظ تَديّنا بدون فضائل. إذا كانت “النظافة من الإيمان” و”الدين المعاملة”،و”نحن خير أمة أخرجت للناس”… فلماذا تسبح أرصفتنا وشوارعنا في أوساخها وإداراتنا في رشوتها؟ لماذا نتحرش بالنساء، نقسو على الأطفال، نمارس رياضة البصاق على الأرض، نتبول على الجدران، نحتقر الفقراء وننحني أمام الأغنياء و…؟ هل تجوز صلاة من يرمي فضلاته وقاذوراته في أي مكان؟ لو استغل الناس الوقت الذي يقضونه رُكّعا سُجّدا في تنظيف محيطهم والحفاظ على بيئتهم لرضي الله عنهم أجمعين.
يستطيع كل مستنير ومستنيرة رؤية الدين وهو يمتد إلى الشأن العام أو ما بقي حتى الآن بعيدا عن مخالب المتأسلمين ومن والاهم. يتذكر ناشط جَمعوي من وهران بمرارة: ” في السبعينات ، كنا نستطيع أن نفطر في رمضان جهارا نهارا، وهو أمر يبدو اليوم مستحيلا، حتى في الحلم” (4). مع تزايد عدد المصلين وتعاظم شأن الأصولية وشبه انهزام العقل وتقلص عدد أنصار الحداثة أصبح يُخيّل للإمام أنه الناطق الرسمي باسم الله. في كل مسألة له باع شرعي، يتدخل في كل كبيرة وصغيرة. فلا تكاد وسيلة إعلام واحدة تفلت من خدماته الفقهية والإرشادية. يجيب هنا عن أسئلة القراء حول صلاة الاستسقاء، وهناك يردد على مسامع المستمعين فوائد صوم الدهر ووجوب طاعة أولي الأمر منهم. في كل مسألة يُخرج من تحت عباءته رأيا فقهيا جاهزا، وهكذا يجد المؤمنون في جعبة “الشيخ” حلولا لمشاكلهم الدنيوية والأخروية، الآنية منها والمستقبلية. لا تطرح الحياة أمرا جديدا إلا وأفتى فيه. فكأنه يتلقى الـرسائل الهاتفية القصيرة والرسائل الإلكترونية من العناية الإلهية رأسا.. ولم تتعظ الأنظمة العربية إذ ما زالت متمادية في أسلمة المجتمع ونشر ثقافة إسلامية معادية للحداثة يحتل من خلالها السلفيون الرأي العام احتلالا نهائيا.
ألم تكن تلك الثقافة الإسلامية المزعومة رشوة مقدمة إلى القوى الأصولية أهلتها أن تكون كولونيالية جديدة تعبث بمصير العالم العربي؟ إلى متى يستمر السعي بين الجهل العملي والجهل الخالص؟ متى نستعمل مَلكة الحكم؟
الهوامش :
[1]
www.unesco.org
[2]
RAAH 2003,Vers une société du savoir ,programme des nations unies pour
le développement ,PNUD
[3]
Le Monde du 22-23 Octobre 2006
[4]
نفس المرجع
