مسؤولية المُثقف و”زبونية” المُثقفاتي…

بعد كل ما حدث داخل عالمنا العربي على مرّ العقود الماضية، وصلنا مرحلة تغيرت فيها مراتب القيم، فتقدمت الانتهازية والفردانية والاستهلاك، حتى أصبح لها منظّرُوها ومشرّعوها الذين صنعتهم أنساق وآلات سُلطوية جديدة. وإن تقدم هذه المعايير، التي تحكم سلوك أفراد وهياكل ومؤسسات لم ينف بشكل قاطع جميع القيم الأخرى ولكنها غطتها بظلها وخلقت حولها، وبجوارها، ظواهر من لوازمها كالعنف والرشوة والمحسوبية… وأصبحت الزبونية آلية تحرك العلاقات وتنظمها.

وبحجة التغيرات الدولية والحركة داخل المجتمعات، هناك من ينفى مسؤولية السياسيين وأهل الحكم في كل ما حدث ويحدث، أو على الأقل يحدون منها ويُغلفونها بمنطق مهزوز. يقولون أزمة فكر وأزمة مجتمع، ومقتضيات العصر. ويُعولمون.

ما من سبيل لتحميل المسؤولية لجهة واحدة لأنّّ في درجاتها تفاوتا. فأنظمة الحكم، في العالم العربي، أحكمت قبضتها على كل المؤسسات ووجهتها بما يخدم بقاءها، لا بما يخدم بناء مجتمعات متقدمة، ولم تول الإنسان قيمة إلا بشروط نفعه لها. وحاربت كل فكر يمكن أن يعصف بسلطتها (أو يحد منها) لصالح الشعوب، وكل حركة تحديثية تعمل على الرفع من درجة الوعي وتغيير حالته في اتجاه حداثي يؤسس للمواطنة والمشاركة ويصبغ على التعدد التعددية.

بهذا تم “إفراغ” القيم الأساسية من مضامينها وأصبحت ظواهر لفظية و”شعارتية” تستعمل من باب “التّقوّل” لا أكثر. كما أن تقنيي الخطاب من “الخدم الأكاديمي” و”التكنوقراطي” سحبوا من حركات الرفض كل خطابها فجاء على لسان الساسة ليخرج من باب المطالبة وتسقط الحجج.

لقد تراجع الرهان في التغيير على المثقف الذي أصبح موظفا ينفذ برامج تقدم إليه، مما أضعف مكانته وغير وظيفته وتراجعت صفته الاعتبارية فلم يعد مرجعا داخل المجتمع، وعند عامة الناس. ولم تسحب منه مكانته أو يتغير دوره لعدم الحاجة إليه ولكن لقبوله وضعه الجديد، في إطار “الزبونية”. مع هذا، يبقى الأمل معلقا في المثقفين والنخب عامّة، التي إن تحركت يمكن دائما أن تؤثر في تحديد وجهة القادم.

إن المسؤولية مشتركة بين صُناع هذا الوضع المباشرين وهم القائمون على الدول حُكما، والرافضون المُتكاسلون الذين يُشاهدون، وبعضهم يتقاعس فيرسم، بدلا لسبل الإنقاذ، صورا سوداوية تماما للواقع ويشرّع لانتظارية لا فرق بينها وفعل من يتجه للسماء طلبا للفرج من سلطة غيبية “غائبة” يمكن أن تغيّر الأوضاع أو “تهدي” القائمين على مصالح الشعوب فيُغيّرون.

ولأن الفراغ لا يكون، فقد خلق تخلي المثقفين، القادرين على التغيير عن أدوارهم صنفين ملئا الفضاءات كلها. واحدا من المتسلقين و”الأشباه” وحاملي الشعارات والهاتفين بلا فكر ولا آليات ولا مشاريع. وآخر من صناعة المؤسسات الرسمية يُزكون بـ”مقابل” مالي أو بوظائف فيستثمرون معارفهم لمنهجة وتقنين الرجعية وكل أسباب القمع والتعتيم والتعمية والانفراد بالقرار.

لقد حلّ “المُثقفاتي” بديلا عن المثقف وهو يشرع لجعل المواطنين منتسبين إلى الوطن أو مُشتركين ومنخرطين يمكن أن يسحب منهم الانخراط بـ”قانون”. فأصبحوا “حالات مدنية” لا أكثر، أي أنهم مسجلون وتمنح لهم بطاقات هوية وجوازات سفر ووظائف فيذهبون لعملهم ويعودون ليلا، ويدخلون بالآلاف ملاعب كرة القدم والأسواق، ويتذمرون من أحوالهم بكل همس مُحترم حتى يضمن الواحد منهم صفة “المواطن الصالح” فلا تحبّر أي كلمة تدينه على بطاقته الأمنية.

ولا شك أن أنظمة الحكم، في الوطن العربي، ليس فيها نظام يحمل رؤية “وطنية” لأي مجال، وليس لها أعداء حقيقيون، فأعداؤها كل من ليس معها، وكل من قد “يُفسد” الناس فينتبهون إلى إنسانيتهم ويحاولون صناعة معنى لوجودهم. وهي تعمل بـ”تقنياتها” على جعل لهاثهم الدائم وراء خبزهم فترهنهم بيوم الانتخاب والانتماء لأحزابها الكبرى و”الصراط المستقيم”.

كما أن السلطة، في أقطارنا، مع الاشتراكيين إذا ما امتد الإسلاميون، وضدهم إذا ما شكلوا خطرا عليها، وهي اشتراكية أكثر من الجميع وأكثر إيمانا وارتيادا لبيوت الله من كل أهل اللحي وصاحبات النقاب…

وإن شاءت فهي في آن، ضد الرجعية ، وتحارب أهل الكفر الذين يخالفون التعاليم.

فعلى من يمكن المراهنة؟ ولنسلخ الإجابة الركيكة: “مؤمنون بالتاريخ” عن جلدتها التي فاحت منها رائحة العجز و”سبحانية” مُعقلنة ومُعلمنة زورا وبلا فائدة…

إننا لا ندعو المثقفين للانخراط في العمل السياسي بمعناه الحزبي والانتخابي والجماهيري العام، فهم فاعلون سياسيون في كل الأحوال، ومتى عبروا عن الواقع وفسروا أسباب ترديه، و بينوا أسباب الخروج من الدوائر المُعيقة، وسُبل التطور، وطرق استثمار ما في مجتمعاتنا من ثراء وتنوع، فإنهم يكونون قد تحملوا مسؤولياتهم كاملة.

إن الرهان يجب أن يكون على المثقفين حاملي المعارف والمؤمنين بدورهم في المجتمع، وهم عماد النخب. ولم يعد ممكنا الرهان على الأنظمة ولا حتى التجارب الحزبية الحالية التي كثرت عللها وأمراضها وظل منتسبوها يلوكون نداءات الاستغاثة من قمع الأنظمة وغياب حقوقهم. وظلوا يدورون في حلقات مفرغة. وإن كان لا غنى عن هذا المكون (الحزبي) في أي مجمع فإن حاله سيصلح حين يعود صاحب المعرفة إلى الريادة. أي إننا سنحصل مع الأجيال القادمة، بحكم الإصلاح المعرفي ومراكمة النصوص الأساسية على هياكل أكثر فاعلية ومُساهمة في النماء والتقدم.

وفي الغالب، لا يدخل المثقف الفاعل في مواجهات مباشرة مع أنظمة الحكم والقوى الرجعية، ولكنه يُوفر أسباب المواجهة للمواطنين. ولا يعني هذا اشتراط عدم انتمائه الحزبي، ولكن يجب أن يكون متحليا بالموضوعية، حريصا على المحافظة على مسافة تمكنه من النظر إلى المشهد العام بعيدا عن كل مصلحة ضيقة.وكلما دخل “المثقف” دوائر المصالح حاد عن دوره الأساسي وفقد إمكانيات لعب الدور الموكول له وأصبح تحت رحمة أهل السياسة الذين سيعملون على استثماره واستغلال وجوده “عندهم”.

يكون التغيير بالمراكمة على مستوى الحركة من خلال الهيئات الشعبية والتنظيمات الأهلية، وهي ليست بديلا عن الأحزاب، ولكن مجتمعاتنا تحتاج إلى بدائل اجتماعية حتى يقع التسريع في الحراك الاجتماعي.

وهذه المراكمة يجب أن تسبقها، ثم تسايرها مراكمة على مستوي النصوص، وللمثقفين مكانة ودور في كلا المستويين. والنصوص من مشمولاتهم، وبدونها يكون كل فعل ارتجالا، فبدون رؤية واضحة للقادم لا يمكن وضع آليات عمل وبرامج قابلة للتنفيذ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This