التضاد والتركيب في فكر الكواكبي (1/3)

  عندما لا يستطيع الفكر أن يهاجم المشكلات الراهنة التي تواجهه وأن يفكر فيها تفكيراً مباشراً، فإنه يلجأ إلى التاريخ ويفزع إلى الماضي محاولاً أن يجد من التحليلات التي يركزها على هذا الماضي ما من شأنه أن يكون الكلمة التي يريد أن يقولها حول الحاضر المعاش. وهذا يعني أننا من خلال مناقشة فكر( الكواكبي) والعودة إليه نستطيع أن نقول كلمة حول طبيعة الحاضر من خلال تأملنا في الماضي. ولو لم يكن لدى (الكواكبي)  شيء ما زال محتفظاً بقيمته، لما كنا قادرين على العودة إليه ومشاركته مناقشاتنا الراهنة .
غير أن الحديث عن ( الكواكبي) لا يمكن أن يكون معزولاً عن العصر الذي عاش فيه  الأمر الذي يجعل الحديث عنه مرتبطاً بالحديث عن النهضة، وعما يتصل بها من شجون وشؤون ، الأمر الذي يسمح لنا بأن نحدد ما إن كانت الأسئلة النهضوية التي طرحها أبناء ذلك العصر ما تزال مطروحة تنتظر الإجابة ، أم إن ما قيل فيها يشكل أجوبة شافية وكافية على تلك الأسئلة .

 

وقد قيل الكثير عن أن مدافع الحملة الفرنسية كالتي وصلت إلى مصر في نهاية القرن الثامن عشر بقيادة ( نابليون )، قد أيقظت العرب والمصريين بحيث أظهرت لهم الفارق الكبير الذي أصبح يفصل بين الغرب والشرق ، بين التقدم الأوربي والتخلف العربي والإسلامي ، بين أمم أصبح العقل هو وسيلتها ومنهجها وأداتها وغايتها وبين أمم ما تزال غارقة في الخرافة والأسطورة. وعلى كل حال، فإن إنجازات الثقافة الغربية التي اطلع عليها العرب، ابتداء من الربع الأول من القرن التاسع عشر، أنتجت صدمة حضارية وثقافية سمحت لكل ذي بصر بأن يكتشف هذا الفارق الشاسع بين الطرفين، حتى لكأنه أصبح نوعاً من السد الذي يفصل بين حضارتين وثقافتين وعالمين أيضا.
ولقد أدى الوعي بهذا الفارق الكبير بين أوربا والعرب، أو بين التقدم والتخلف، كما هو معلوم، إلى طرح السؤال الذي لم يجمع المفكرون  العرب والمسلمون حتى اليوم على إجابة واحدة له، وهو: لماذا تقدموا ولماذا تخلفنا ؟ ويبدو أن ما زاد في خلافات المفكرين حول هذه الإجابة وقوف أكثريتهم عند حدود الإجابات الصورية المحضة، مع أن الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال ليست هي الإجابة التي تعبر عن  مستوى معين من مستويات التعبير والكتابة، بل الإجابة الحقيقية هي التي تتمكن من أن تتغلغل في صميم الواقع فتغيره بأن تجبر الواقع على الارتقاء إلى مستوى الفكر، الأمر الذي لا يمكن تلمسه إلا على هيئة إنجازات متحققة في الطبيعة والمجتمع والدولة وشتى مناحي الحياة. أما الإجابات التي تكتفي بأن تظل إجابات على المستوى المنطقي المحض خارج الممارسة الفعلية، فإنها تظل أقرب إلى أن تكون إجابات متكافئة الصحة. بمعنى أن أحداً لا يستطيع أن يبرهن على أن إجابته أكثر صدقاً ما دام الواقع ما يزال على المسافة نفسها من كل الإجابات التي صيغت على المستوى النظري، وما دام الواقع نفسه لم يتم مسه من قبل هذه الإجابة أو تلك. وبهذا المعنى فإن السؤال ما يزال مطروحاً رغم تعدد الإجابات التي قدمت له.

 

ولقد قدمت إجابتان على هذا السؤال مختلفتان كل الاختلاف ومتناقضتان تناقضاً جذرياً. وبعبارة أخرى، إننا بإزاء إجابتين راديكاليتين لم يقيد لفريق ثالث أن يوحد بينهما فيعمل على التركيب فيما بينهما بحيث يتجاوز  التضاد  القائم إلى نوع من التركيب الذي يتجاوز الضدين ويوجد بينهما في حدٍ ثالث ويتجاوزهما في الوقت نفسه .
أما الإجابة الأولى، فقد ذهبت إلى أن سبب التخلف العربي الإسلامي كامن في الذات العربية الإسلامية نفسها. فهذه الذات التي تكونت منذ ما يقرب من أربعة عشر قرناً بمقولاتها  وأفكارها وتصوراتها عن العالم والله والطبيعة والمجتمع والإنسان، هذه الذات ذاتها إنما يكمن الخلل والضعف فيها. وهو يكمن فيها لا بما هي بيولوجيا، ولا بما هي سيكولوجيا، وإنما بما هي مقولات وتصورات وطرائق تفكير لها أن تجيب، أو أن تكون قادرة على الإجابة عن الأسئلة الجديدة التي يطرحها عليها العالم الجديد ..ولكنها لا تجد من ذاتها إلا ترسانة عتيقة من الأفكار والتصورات التي فات أوانها، والتي لم يعد في وسعها أن ترقى بذاتها بحيث تكون قادرة على التصدي للوقائع الجديدة أو للعالم الجديد الذي يحيط بها في هذه اللحظة ذلك أن العالم قد تغير تماماً، بينما الذات ما تزال تراوح مكانها. وحتى نستطيع أن نرتقي بذاتنا المتخلفة إلى مستوى الذات الأوربية المتقدمة، أو حتى نستطيع أن نرقى بذاتنا إلى مستوى العالم الجديد الذي صاغته الذات الأوربية، فإنه يتعين علينا أن نعيد النظر في هذه الذات وفي موروثاتها الفكرية أولاً وقبل كل شيء .

 

وكان من الطبيعي أن تقترن هذه الإجابة بضرب من الشك الجذري تم بموجبه وضع الموروث الروحي بأكمله موضع الشك والارتياب إلى حد الدعوة إلى الإطاحة به والدعوة إلى القطيعة مع الماضي، الأمر الذي فرض على الأذهان التفكير بنوع من النشأة الجديدة للإنسان العربي المسلم. فبفضل هذه النشأة الجديدة وحدها قد تتهيأ السبل والأسباب التي قد تؤدي إلى أن يكتسب هذا الإنسان ذاتاً جديدة وتصورات وأفكارا راهنة مستمدة من العصر الذي نحيا فيه ولعل هذه الجذرية في النظر إلى المسألة هي التي دفعت بالكثيرين إلى وصف أتباع هذه التيار بأنهم مغتربون وتغريبيون عن الأمة وتاريخها وحاضرها وماضيها. وعلى كل حال فقد بدا لدعاة هذا التيار أنه بغير هذه القطيعة الكلية يتعذر علينا إنتاج ذاتية جديدة أي إنتاج الشرط الضروري الذي يمكن الإنسان من العيش في هذا العالم الجديد والحوار معه بقصد تمثله وتعديله والارتقاء به إلى أعلى درجة ممكنة من درجات الرقي والتقدم .
أما الإجابة الثانية، فقد مضى أصحابها إلى القول : ما علينا- إذا أردنا أن نرتقي إلى مستوى الثقافة والتقدم الأوربيين – إلا الاعتصام بمقولاتنا القديمة وأن نظل متمترسين داخلها ومستمسكين بها. وهذا يعني – من وجهة نظر أصحاب هذا الرأي – أن تخليص الذات وتطهيرها مما لحق بها من عناصر غريبة ودخيلة على تفكيرها، بحيث ترتد مرة أخرى إلى نقائها الأول، هو الشرط الضروري الذي تستطيع الذات به أن تواجه الواقع حتى تكون قادرة على إعادة صياغته انطلاقاً من مقولاتها التقليدية والموروثة. وهذا معناه أن العودة إلى الذات العتيقة أو الأصيلة، أي المقولات التقليدية والسلفية، هو وحده القادر على التعامل مع الواقع وإعادة صياغته بسبب التجانس بين هذه المقولات والواقع الذي يخصها، وذلك لأنها ولدت أصلاً وكأن كل واقع مختلف عن غيره اختلافاً تاماً الأمر الذي يعني أن المقولات الحداثية، التي اخترقت الذات العربية الإسلامية من وجهة نظر السلفيين هي المسؤولة عن عجز الذات عن التصدي للوقائع وإعادة صياغتها صياغة ترتقي بها إلى مستوى العصر الذي نعيش فيه. ومن الواضح هنا أننا بإزاء الطريقة السلفية في التفكير التي تنحاز إلى الماضي وإلى التقليد وإلى تسكين الواقع والوقائع عند حدٍ معين من تطورها بحيث لا تتجاوزه. فإن تجاوزته – ولو قيد أنملة – فهذا يعني أنها قد دخلت ميدان المحرم، ميدان الاغتراب، وربما الكفر والفسوق والعصيان أيضاً.

 

ولو أننا فكرنا في الموقع الذي اختاره (الكواكبي) بين هذين التيارين  المتقابلين، لوجدنا أنه يأخذ بنصيب من هاذين التيارين المتناقضين أو المتضادين وهذا هو على الضبط ما  أثار من وجهة نظرنا مسألة البنية الداخلية لفكر (الكواكبي)، وهو ما جعلنا نصفها بأنها عبارة عن علاقة تضاد بين الأفكار تظل مخفقة دائماً في أن تصل إلى مستوى (التركيب) ومن البين أن علاقة (التضاد بين الأفكار) تجعل الأفكار المتقابلة لا تدخل في علاقة منتجة لهوية جديدة ، ذلك لأن العلاقة من هذا النوع بين الأفكار تظل عبارة عن علاقة ( تجاور خارجي ) لا يؤثر أحدهما في الآخر تأثيراً فعالاً ومنتجاً .
وعلى ذلك فإن ما نقصده بـ ( التضاد ) و( التركيب ) هو أن على المفكر – عندما يتخذ لنفسه موقفاً محدداً من جملة المسائل التي يتجه إليها اهتمامه – فينبغي لجملة مواقفه أن تكون منسجمة ومتفقة مع النقطة المركزية التي يبتدئ المفكر نشاطه منها ، هذا النشاط الذي قد يصبح فيما بعد نشاطاً فعلياً وعملياً. إذ أن واحداً من أهم شروط الاتساق داخل الفكر يتمثل في ضرورة تجنب الوقوع في أي تناقض داخلي بين الأفكار التي تتكون منها المنظومة الفكرية لهذا المفكر أو ذاك. فالابتداء من نقطة ما ينبغي أن ينتهي إلى نتيجة لا تكون متناقضة مع المقدمة التي انطلق منها الفكر في خطواته الأولى، وذلك تجنباً للوقوع في التناقض. كما أن التناقض أو التضاد يمكن أن يتخذ صورة أخرى تتمثل في أن ينطلق المفكر ، في آن واحد ومن الجهة نفسها ،من مقدمتين متناقضتين أو متضادتين، الأمر الذي يجعل تقدم الفكر من نقطة إلى أخرى أمراً مستحيلاً فالتناقض الذي يقع فيه المفكر من هذا النوع يشل الفكر ويجمد الحركة، فيتعطل التقدم على مستوى الفكر، كما يتعطل التقدم على مستوى الحركة الفعلية في العالم التاريخي للبشر. ومن البين أن الحالة الثانية ( للتضاد) أو ( التناقض ) هي التي تنطبق على فكر ( الكواكبي ) وكتاباته .
وعلى ذلك ف(التضاد ) في فكر ( الكواكبي ) ناجم عن أنه لا يبتدئ من نقطة ابتداء واحدة أصلاً، بل هو يبتدئ من نقاط متعددة. وبعبارة أخرى، إن ( الكواكبي ) لا يمتلك رؤية واحدة يمحور حولها مواقفه المختلفة، وإنما هو، بدلاً من ذلك، ينطلق من رؤى متعددة متباينة متضاربة ومتناقضة تؤدي إلى أن تكون السمة الأساسية التي تطبع فكره بطابعها هي فكرة ( التضاد). ومن البين أن فكر الكواكبي ظل في مستوى التضاد لأنه لم يستطع أن يصهر نقاط الانطلاق أو الابتداء في نقطة واحدة يشتق منها كل النتائج الكامنة فيها أو المترتبة عليها منطقياً وتاريخياً، كما أن لم يستطع أن يركب بين أزواج القضايا المتضادة التي اتخذ منها نقاط ابتداء على الرغم من تعارضها وتضادها وتناقضها، لم يستطع أن يركب فيما بين القضيتين المتضادتين في حد ثالث يتجاوز الضدين معاً ويشكل في الوقت نفسه بداية جديدة . وعلى كل حال، فما دامت الأضداد متقابلة ومتعارضة، فهذا يعني أن الفكر لا يستطيع أن يتقدم، والسلوك أو الفعل لا يمكن أن يتبلور، لأن الفكر سيظل مشغولا بالتضاد وبمحاولة رفعه والسلوك أو الفعل، سيظل مضمونه الجوهري إنما هو التردد. وهكذا يكون الفكر متردداً بين الضدين، والفعل أو السلوك حائر بينهما أيضاً الأمر الذي ينتهي إلى نوع من السكون أو إلى نوع من رفع الحركة أو تجميدها. ولما كانت حركة (التضاد) هذه هي المتحكمة بحياة الفكر العربي وسلوك الإنسان العربي، فعلى الأرجح أن تكون كثير من مظاهر التقدم العربي في حقيقتها تقدماً في المظهر لا في المخبر والجوهر.

 

وعلى ذلك، فإن مشكلة (التضاد) في فكر الكواكبي  هي ليست مشكلة الكواكبي وحده، وإنما هي مشكلة تخص الفكر العربي ابتداء من عصر النهضة  وحتى يومنا. هذا فلو أننا نظرنا إلى عصر النهضة، بمجمله، فسنجد أن هناك نوعاً من (التضاد) داخل العصر كله بين مجمل الأفكار التي أنتجها ، بحيث أن أحداً لم يستطع أن يستخلص مركباً من جملة الأضداد التي صيغت ابتداء من عصر النهضة في إجابته عن السؤال: لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا ؟
وفي ضوء ما تقدم يعد الكواكبي من هذه الناحية، ابنا شرعياً وممثلاً نموذجياً لهذا العصر وهكذا فإن التضاد في فكر الكواكبي هو أحد التعيينات التي نجمت عن التضاد الذي ما يزال يهيمن على الفكر العربي ابتداء من عصر النهضة وحتى يومنا هذا. وبهذا المعنى فالكواكبي يعكس الحركة الكلية والجوهرية لهذا الفكر في ذلك العصر. ومن ثمة فإننا هنا بإزاء تجسد عيني أو تعين حي لهذا العصر في مفكر واحد هو الكواكبي .

 

ولو أننا نظرنا في مجمل التراث الذي تركه لنا الكواكبي ، لوجدنا أن هذا التراث يتألف من كتابين أساسيين : ” أم القرى ” ، وهو عبارة عن وصف لحاضر العالم الإسلامي كما تبدى للكواكبي في نهاية القرن التاسع عشر. والكواكبي ينحو في هذا الكتاب نحواً إسلامياً صرفاً في الوصف والتشخيص، فضلاً عن سبل الحل التي اقترحها للخروج بالعالم الإسلامي من وهدته التي كان وما يزال يتردى فيها. والكتاب، مع ذلك، في جملته متماسك لأنه ينطلق من مقدمات إسلامية رئيسية ويستنتج منها النتائج المترتبة عليها بالمعنى الدقيق للكلمة .
أما كتابه ” طبائع الاستبداد ” فإن جزءاً منه لا بأس به يتألف من أفكار حداثية، علمانية، ديمقراطية، غربية المنشأ والتوجه وإذا ما قارنا بين هذا الجزء من ” طبائع الاستبداد ” وبين” أم القرى ” فسنجد أن الكتابين يشكلان بنية متناقضة، التضاد شديد الوضوح فيما بين أفكارهما ورؤاهما وتشخيصاتهما ، بحيث أن الكواكبي، في أي من فقراتهما، لم يستطع أن يرفع هذا التضاد البين فيما بينهما .
     ولو نظرنا في كتابه طبائع الاستبداد في ذاته ،وهو الأهم في تراث الكواكبي، لتبين لنا أنه نموذج بين وصارخ على التضاد الذي يمكن أن يحفل به كتاب أو فكر مؤلف من المؤلفين.  فمن يقرأ هذا الكتاب بعناية ودقة سيكتشف أنه يتألف من مجموعة كتب أو على الأقل من كتابين قد جمع المؤلف فيما بينهما جمع تجاور بين دفتي كتاب واحد . وهذا يعني أن الكواكبي ينطلق من نقاط ابتداء متعددة متناقضة ومتضادة ومتنافرة وليس من نقطة ابتداء واحدة ينميها ويستخرج كل ما تنطوي عليه ممكنات منطقية ووجودية وتاريخية. فهذا الكتاب غربي حداثي علماني تنويري وعلاقته بالثورة الفرنسية واضحة بينة: حرية إخاء مساواة، وهذه هي معظم الأفكار الأساسية للتنوير الفرنسي للقرن الثامن عشر التي وصلت إلى الكواكبي متضمنة بصورة أو بأخرى في هذا الكتاب، وهو من هذه الناحية وثيقة غربية بامتياز. وما نعنيه ( بوثيقة غربية) هو أن هذا الكتاب يشهد على التأثر العميق الذي خضع له الكواكبي لأمهات الأفكار الفرنسية التي أنتجها عصر التنوير وقام بنقلها إلى اللغة العربية بعض المثقفين العرب  وبهذا المعنى فإن الكواكبي يكشف لنا هنا عن شخصية منفتحة عقلانية واسعة الإطلاع عندما يترك نفسه على سجيتها تتأثر بهذا التيار الحداثي الوافد إلينا من وراء البحار، أملاً في أن يترجموا العرب عن أنفسهم في دورة حضارية جديدة في ثورة من هذه الحداثة وذلك التنوير.
ولذلك فالكتاب من هذه الناحية يشكل نقداً نافذاً للاستبداد والدين وغياب المواطنة واستئثار الأقلية بالخيرات من دون الأكثرية، وانفراد شخص واحد بالأمر كله من دون الجميع سياسة واقتصاداً ومجتمعاً. ومن ثم فالكتاب بجملته نقد للشرق وللأوضاع الغريبة وللأدوار التي يلعبها في هذا الشرق رجال الدين والساسة ،وهو، قبل كل شيء وبعد كل شيء، نقد لطريقة التفكير التقليدية، وسعي لوضع طريقة مختلفة في التفكير مقابل طريقة التفكير التقليدية التي ما تزال سائدة في كثير من الأوساط  .

 

غير أن طبائع الاستبداد، وفي الوقت نفسه، خاضع لتيار مناقض تماماً هو تيار التقليد والسلفية. ولذلك فهو بالمثل وثيقة شرقية إسلامية عربية تشهد على أن صاحب هذا الكتاب لم تنتصر لديه أفكار التنوير والحداثة والديمقراطية والحرية والإخاء والمساواة والمجتمع المدني والحكومة الديمقراطية بالمعنى الدستوري للكلمة ذلك لأن الكواكبي يستعيد التراث كاملاً في هذا الكتاب بصورة أو بأخرى، وكأننا بإزاء وثيقة متحدرة إلينا من القرن الرابع أو الخامس الهجريين. وبذلك فإن الكواكبي يعيد الكرامة والأهمية لكل العناصر التي بدا أنه ينقدها ويدمرها لصالح إقامة عالم جديد، فإنه إنما يقوم بعملية معاكسة يمكن اعتباره بمقتضاها ينقلب على هذا الجديد مما يفتح الباب مرة أخرى أمام ترسيخ القديم عندما يعيد الاعتبار كاملاً لتلك الذات السلفية مع كل ما من شأنه أن يؤدي بطريقة أو بأخرى إلى التقدم. فهو بذلك يبعث الذات السلفية من رقادها ويؤكد أنها ما تزال متسمة بالشرعية والحيوية والفاعلية .
غير أننا إذا ما نظرنا إلى هذا الكتاب من الزاوية الأولى، فمن الممكن النظر إليه على أنه محاولة لتمهيد السبيل أمام ولادة ذات جديدة حداثية متأثرة بالقيم الجديدة، أي بمنظومة القيم السارية في العالم الجديد .
فالكتاب ينطوي إذاً على ذاتين متضادتين متناقضتين، أو على ذات واحدة ولكنها متمزقة مغتربة إلى الماضي، وهي مغتربة أيضاً في الحاضر والمستقبل في وقت واحد، وبالتالي فهي ذات لا تملك من أمر نفسها شيئاً. إنها ضحية لهذا التضاد الذي لم تستطع الخروج منه، مما جعلها آخر الأمر عاجزةً عن التركيب فيما بين هذه الأضداد مجتمعة. وبذلك ظلت الأضداد كلها حية وماثلة بكل قوة، مما جعل منهج الكتاب يميل إلى عرضها متجاورة لا متفاعلة حتى في الصفحة الواحدة من صفحات الكتاب. ولذلك فهذا الكتاب مرة أخرى وثيقة جديرة بالدراسة العميقة المدققة بقصد التعرف على الأسباب التي فرضت عليه منهج التجاور،  من ناحية، وفرضت على الكواكبي أن يكون عاجزاً  عن التركيب فيما بين هذه الأضداد من ناحية أخرى. ولكن ما معنى أن يكون الكواكبي عاجزاً عن التركيب ؟ ولماذا عجز الفكر العربي عن التركيب طوال عصر النهضة وحتى يوم الناس  هذا ؟ ذلكم هو السؤال الذي لا بد من طرحه على أنفسنا وعلى غيرنا ، بل وعلى الواقع نفسه. فالسؤال عن التركيب – فيما نرى – هو سؤال يتخطى  التساؤل عن الكفر والعقل إلى التساؤل عن الواقع الفعلي وعن المسار الحي الذي سارت فيه الأحداث سيرها الفعلي.ومن ثم يتحول التساؤل المتصل بالعجز عن التركيب من سؤال يتعلق بالعقل والذهن إلى سؤال يتخطى هذه الحدود بحيث يصبح في صيغته الصريحة بعد نقله من صيغته المضمرة : لماذا كان هذا الوقوف أمام الواقع عاجزين عن تغييره، بحيث ظل كل ما نفعله لا يزيد عن كونه حواراًً على مستوى الذهن والفكر من غير أن تكون العقلانية التي ندعيها لأنفسنا قادرةً على التغلغل في صميم الواقع وتغييره ؟

 

وعلى ذلك ينبغي تعديل السؤال بصورة صريحة حتى يصبح على النحو التالي:كيف نصوغ فكراً يكون قادراً على أن يترجم عن نفسه في صميم الواقع فيغيره بدلاً من أن يكون مجرد مرآة تنعكس على صفحاته مجموعة من الأضداد التي تشير إلى شيء واحد هو أن الأضداد المختلفة التي يمتلكها الفكر إنما هي على مسافة واحدة من الوقائع التي يتطلع الفكر إلى تغييرها،الأمر الذي يستدعي وجود ما يدفع بالفكر إلى التحول من مجرد فكر تأملي إلى فكر حي وفاعل.ولن يتم التحول -فيما يبدو- من المستوى الذهني إلى المستوى الواقعي إلا إذا ولدت الإرادة في صميم الفكر نفسه،الأمر الذي يمكن الفكر من التحول من مجرد النهوض بوظيفة ذهنية إلى أداة وظيفة عملية تغييرية عن طريق تحقيق الفكر في قلب الوقائع بوساطة من الإرادة ذاتها.
  ولئن دل هذا التضاد على شيء،فإنما يدل، في الحقيقة، على أن الإرادة لم تستطع أن ترتقي بعد إلى مستوى العقل.غير أن العقل قد قدم البدائل الممكنة، وهو مستعد لأن يقدم بدائل لا نهاية لها في العد.ومن هنا يبدو أن الحد الثالث بالنسبة إلى كل تضاد لا يمكن إلا أن يكون نتاجاً للإرادة وهذا يعني أن الإرادة ما تزال متأخرة عن العقل. فالعقل يمدنا بالأفكار والمعطيات والاقتراحات والبدائل المختلفة.ولكن العقل إن ظل منفصلاً عن الإرادة ومنشقاً عنها، فعندئذ لن يكون في وسع الأفكار العقلية أن تغير الواقع وأن تتم ترجمتها ترجمة فعلية في الواقع الحي للبشر الذين ينتظرون هذه الترجمة. إن الإرادة وحدها هي التي تستطيع أن ترتقي بالفكر وبالفكرة من كونها عقلانية محضة إلى كونها واقعية وحية.
على أن الإرادة لا تستطيع أن ترتقي بالفكرة من مستوى الفكر النظري إلى مستوى التعين الفعلي إلا إذا كانت الفكرة من تجنس الواقع،أي إلا إذا كانت الفكرة قادرة على فض مغاليق هذا الواقع، وعلى أن تحل شيفرته الخاصة، وعلى أن تفك رموز هذا الواقع فتكسر قوقعته التي تجمد الواقع عند حد معين من التطور لا يتجاوزه،وبذلك فقط يمكن لنا أن نستخرج ما في هذه الصدفة من عنصر جوهري بمثل الاتحاد الصميمي بين الفكر والإرادة.وقد يسأل سائل:لماذا لم تستطع الإرادة أن ترتقي إلى مستوى العقل؟والجواب على ذلك هو أن الإرادة ليست شيئا آخر سوى الحرية.وعندما لا يكون المرء حراً، فمن المتعذر عليه أن يكون مريداً.فالحرية هي صميم الإرادة مثلما أن الحرية،في الوقت نفسه،هي التي تخلع القيمة على العقل نفسه. وهذا معناه ببساطة أن اتحاد الفعل والحرية هو وحده الذي يستطيع أن يفض مغاليق الواقع، بل أن يفض شيفرة الغيب.

 

المستكن داخل هذا الواقع نفسه. ولما لم يكن الإنسان العربي حراً، حتى يومنا هذا، فإن تحرر هذا الإنسان وامتلاكه للإرادة يظل مشروطاً بمقدرته على التوحيد بين عقله وحريته. فهو عندما ينجز هذا التوحيد،فإنه – عندئذ وعندئذ فقط –  يصبح ذا إرادة، وعندما يصبح ذا إرادة، تمتلك أفكاره المقدرة على التغلغل في صميم الواقع، مما يجعل تغيير الواقع أمراً ممكناً.
   والواقع إن عصر الكواكبي لم يكن قد أنجز هذه المهمة بعد مثلما أننا في عصرنا الراهن لما ننجز بعد هذه المهمة أيضاً. ولعل هذا الأمر هو ما يفسر لنا لماذا نقف نحن والكواكبي عند حد معين وعند نقطة معينة لا نتجاوزهما، وكأن الكواكبي يعيش عصرنا مثلما أننا نعيش عصره بصورة أو بأخرى. وهذا التقارب، بل هذا التماثل، بيننا وبين الكواكبي، رغم أن قرناً من الزمن يفصل بيننا، يتجسد في أننا نحن والكواكبي لم نتقدم بصورة جدية نحو التركيب، أي أننا ما زلنا في مستوى الفكر القائم على التضاد، وذلك راجع كما قلنا إلى أننا، وبعد مئة عام من الكواكبي، لم نستطع إنجاز التوحيد بين العقل والحرية، الأمر الذي جعل أفكارنا أفكاراً للعقل وحده لا تتغلغل في صميم الواقع بقصد تغييره عن طريق فاعلية الإرادة التي تشهد على أن التعقل والحرية قد اتحدا في فاعلية واحدة لم يعد ينفصل فيها النظر عن العمل.
 ولو أننا عدنا إلى التفاصيل الدقيقة التي ينطوي عليها كتاب الكواكبي الأساسي طبائع الاستبداد – كي نتحقق من صدق افتراضاتنا السابقة بصدد مفكرنا بخاصة، وبصدد عصر النهضة بصفة عامة -لوجدنا أنه ينطلق في فكره الإصلاحي من التسليم بأن الحركة هي جوهر التاريخ أو هي ماهية الحياة التي من خلالها وحدها يتأتى لنا أن نتبين الفروق أو أن نقيس المسافة التي تم قطعها بين حقبتين أو أكثر. وهذه الحركة- في نظر الكواكبي- ليست حركة خطية تسير في اتجاه مستقيم، أو في صورة تقدم مطرد فقط،بل هي حركة تقدم وتراجع، أو حركة ترقي وانحلال لهذا الترقي ذاته. أو أنها – على حد تعبير الكواكبي- “حركة شخوص وهبوط. ذلك أن “الحركة سنة عاملة في الخليقة دائبة بين شخوص وهبوط. فالترقي هو الحركة الحيوية، أي حركة الأشخاص، ويقابلها الهبوط، وهو الحركة إلى الموت أو الانحلال أو الاستحالة أو الانقلاب.وهذه السنة،كما هي عاملة في المادة وأعراضها،عاملة أيضاً في الكيفيات ومركباتها،والقول الشارح لذلك آية:(ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) وحديث:(ما تم أمر إلا وبدا نقصه ).وهذه الحركة الجسمية والنفسية والعقلية لا تقضي السير إلى النهاية شخوصاً أو هبوطاً. بل هي أشبه بميزان الحرارة كل ساعة في شأن، والعبارة في الحكم للوجهة الغالبة، فإذا رأينا في أمة آثار حركة الرقي هي الغالبة على أفرادها، حكمنا لها بالحياة، ومتى رأينا عكس ذلك قضينا عليها بالموت.”   ومن ذلك نستخلص أمرين جوهريين يبدو أنهما يتحكمان أو يهيمنان، بصورة أو بأخرى،على فكر الكواكبي بأجمعه.
أولهما: أنه يسلم بأن كل ظاهرة-سواء أكان الأمر يتعلق بالثقافة أو الحضارة أو الأمة أو أي عنصر آخر، مهما بلغ في رقيه وتقدمه-فهي يوماً إلى انحلال واضمحلال. ولا يبدو أن الكواكبي يستثني من حكمه هذا أياً من مجالات الحياة الإنسانية بما فيها الدين نفسه،بل وحتى الإسلام ذاته.ومن الواضح أن تصور الكواكبي لمبدأ (التقدم)، أو لما يطلق عليه هو اسم(الترقي) يستحق أن يوصف بأنه مبدأ عقلي استفاده الكواكبي من ثقافته الواسعة، وبصورة خاصة من الثقافة الغربية.
وثانيهما:أن الكواكبي يحاول أن يلتمس سنداً إسلامياً لكل حكم أو ظاهرة مستحدثة يناقشها أو يقيم الدليل على صحتها.ولذا نجده يحاول استخلاص مبدأ(التقدم)أو (الترقي)كما يتصوره من آية قرآنية أو من حديث نبوي تعزيزاً لصحة استنتاجه العقلي. وذلك راجع إلى أن القرآن في نظره متضمن لما يصلح لكل زمان وقوم ومكان، عملاً بالآية القائلة:(ما فرطنا في الكتابة من شيء).
ومن ذلك يتضح لنا أن العنصرين المشار إليهما أعلاه،أي العنصر العقلي والعنصر النقلي، يتقابلان في ذهن الكواكبي تقابل التضاد من غير أن يكون قادراً على تغليب أحدهما على الآخر.فلا هو يغلب العنصر العقلي أو الغربي على العنصر النقلي أو الإسلامي، ولا هو قادر على أن يغلب العنصر الإسلامي أو النقل على العنصر الغربي أو العقلي،ومن ثم فإن العنصرين يظلان متقابلين في ذهنه على هيئة أضداد حاضرة باستمرار في كل فكرة من أفكار الكواكبي من غير أن يكون قادراً على تغليب أحدها على الأخرى،أو حذف واحدة منهما لصالح الأخرى.ولربما كان الأهم من ذلك كله هو أن الكواكبي قد ظل عاجزاً عن تحقيق التركيب فيما بينهما في حد ثالث يشهد على اقتدار الفكر على ابتكار الجديد من ناحية، ويشهد،من ناحية أخرى، على أن آفاقاً جديدة للواقع قد انفتحت نتيجة لنجاح المصلح أو المفكر في إنتاج هذا التركيب الجديد،الذي يشهد بدوره على ظهور الإرادة باعتبارها العنصر التركيبي الذي يشهد على اتحاد العقل بالحرية.  

أ.د يوسف سليم سلامة

أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This