المرأة والفعل الثقافي (7) إبداع المرأة المُحتلة: مقاومة الاستعمار الفقهي
قد يوحي ما جاء في مقالات سابقة أن النساء العربيات لا تساهمن كثيرا ولا تكتبن مثل “عدوهن” الرجل بل هن غير مكترثات بالحراك الثقافي والفكري والسياسي. ولكن العكس هو الصحيح تماما. هن مُقلات فعلا لأنهن يكتبن ما قل ودل وكثيرا ما حجب الإسهال الذكوري مساهماتهن القيمة وهي إبداعات حقيقية تم تعويمها في بحر من الخزعبلات الرجالية المخاتلة، المهيمنة. رغم موجة التحريم العارمة، تغني المرأة وترقص وتمثل وترسم وتمارس لعبة كرة القدم وتخرج أفلاما وتقف على ركح المسارح شامخة، ترسل السهام الموجعة صوب مجتمع عابدي القضيب… من له من الرجال صراحة وشجاعة الجزائرية صونيا في مونولوغها ” فاطمة” والمغربية رشيدة خليل في “حياة فاطنة المحلومة”؟ لكن لا تتساوى النساء العربيات في فرص الحرية المتاحة. لا يجمع بين السعودية والتونسية، مثلا، سوى الأنوثة. فالأولى مكفنة في جلباب شرعًا، والثانية طليقة حرة قانونًا.
من الظلم أن نطالب النساء العربيات المساهمة في الإنتاج الثقافي والفكري. فلماذا يساهمن في ثقافة تخنق أنفاسهن ولا تعترف حتى بإنسانيتهن؟ إن كتبن فليس من أجل قول أخبار سارة أو استعطاف الجلاد والبحث عن مبررات لجنونه كما تفعل النساء المستعمرات من طرف ذكورهن الأصوليين، بل لمقاومة طغيان الذكورة الإسلامية.
إذا كان غروشو ماركس يقول عن النساء بأنهن بروليتاريا الرجال. فهن بمثابة العبيد في العالم العربي/الإسلامي. لذلك يكتبن دفاعا عن النفس، دفاعا عن أم القضايا: التحرر من عبودية الرجل المسلم …ألسن في حالة حرب غير متكافئة؟ كيف يمكن لجزائرية أن تكتب الشعر أو الفلسفة كأنها في حالة سلم، قبل أن تتحرر من قبضة الدين و رجاله؟
يوم الجمعة 30 مايو 2008 قال الشيخ وهو فرح بما يقول أن المرأة التي تمتنع عن تلبية رغبات زوجها الجنسية يغضب عليها الله و تلعنها الملائكة إلى يوم الدين، نسمع و نشاهد هذا القبح على شاشة تلفزيون الجزائر، تلك الدولة التي كادت أن تموت بالإسلام إدمانا. كيف يحلو للجزائرية التي لم تُؤسلم بعدُ أن تكتب قصيدة حب وهيام بعد هذا الكلام الديني الجارح لكرامتها والمعتدي على حرمة جسدها؟ لم تستسلم المثقفات في الوطن العربي للبداوة الدينية المعادية للمرأة بل أشهرت القلم دوما و يعلم من نُصِّبوا رقباء على النشر مدى الجرائم التي ارتكبوا في حق النصوص النسوية المنتفضة.
كم من قلم طرد من العربية إلى الفرنسية والإنجليزية وغيرهما من اللغات الأوروبية؟ هل ينشر كتاب ‘سلطانة’ في بلد عربي وباللغة العربية؟ ذلك الكتاب الذي تصفع فيه شابة سعودية من الأسرة الحاكمة نفاق وعنف قبيلة آل بَرميل.
ماذا كان سيكون مصير “اللوزة” نص المغربية الحميمي نجمة (اسم مستعار) ؟ هل يسمح بنشر كتاب تحكي فيه امرأة من المغرب العربي تجربتها الجنسية وتدلي باعترافات صريحة عن الجنس والهوى كما فعلت؟ هل كان يكتب لهذه الصرخة الغاضبة ضد ثقافة المجتمع أن تصل إلى أسماعنا لو لم تُطلق باللغة الفرنسية؟
ومن كان يدري بما يحدث وبالتفصيل من جرائم في حق النساء بفلسطين تحت ستار ما يسمى جريمة “الشرف” لو لا شهادة سعاد (اسم مستعار أيضا) في كتابها ” أَحرقوني وأنا حية” ؟ وشهادة ليلى (اسم مستعار أيضا) المعنونة ” زوجوني رغم أنفي”؟ والقائمة طويلة جدا إذ تغص المكتبات الغربية بنصوص العربيات والمسلمات اللائي يقاومن التأسلم تحت أسماء مستعارة فضلا عن أخريات كثيرات قدمن نصوصا في غاية الذكاء الأدبي مثل أحلام مستغانمي في “ذاكرة الجسد”، التي ملأت صدور بعض الأدباء غيرة إلى حد شككوا في كتابتها للنص ونسبوه بكل خساسة إلى واحد من بني ذكورتهم. أما الكاتبة فضيلة الفاروق المقيمة في لبنان فهي جزائرية أخرى لاقت من النقد أتفهه من أبناء جلدتها الجزائريين، لم يهضم القوم ما كتبت في “تاء الخجل” و” مزاج مراهقة ” و” لحظة لاختلاس الحب” و” اكتشاف الشهوة” حيث نقرأ: “حين تزوجت كنت أظن أن كل مشاكلي انتهت و لكني اكتشفت أني دخلت سجنا فيه كل أنواع العذاب. أنا “باني بسطانجي” التي منعت طيلة حياتها حتى مجرد أن تفكر في ذكر، بين ليلة و ضحاها أصبح المطلوب مني أن أكون عاهرة في الفراش، أن أمارس كما يمارس هو،، أن أسمعه كل القذارات، أن أمنحه مؤخرتي ليخترقها بعضوه…” لا يحبذ الرجال أدبا يفضح ورعهم الكاذب ولا علاقة لأغلب نقدهم بمعايير الأدب وشهوة القراءة.
تعيش المرأة العربية ظروفا قاسية ومع ذلك أبدعت في كل المجالات الثقافية و لئن كانت الإبداعات “قليلة” مقارنة بما يعطسه الرجال، فهي متميزة وحاسمة. أعتبرها وصفات من أجل إبراء مجتمعهن المريض برجاله. و هل للكتابة، اليوم، من معنى غير هذا؟
يقولون في الغرب إن المرأة هي مستقبل الرجل وحري بنا نحن العرب أن نقول أن الرجل العربي المسلم هو ماضي المرأة العربية، فإن كتب للعرب أن يخرجوا في يوم من الأيام من الإقامة الدينية في التاريخ، فلن يتأتي لهم ذلك إلا على يد النساء، و ذلك لسبب بسيط كونهن أكثر تضررا من الرجل في هذه الإقامة القابعة خارج منطق العصر.
