طابو البكارة، اليوم وفي ديارنا نحن (4) أو “لزوم ما لا يلزم” من الألم

هناك ممنوعات أو محرّمات لا يمكن أن يستقيم مجتمع بشريّ بدونها، أهمّها ممنوع نكاح الأقارب أو “الرّهق”، فقد اعتبره لفي ستروس إحدى المؤسّسات الضّروريّة لقيام الثّقافة، إضافة إلى اللّغة. ويبيّن التّحليل النّفسيّ العياديّ منذ فرويد مؤسّسه إلى اليوم معاناة الأفراد الذين يكونون ضحيّة انتهاك لهذا الممنوع، أي ضحيّة اعتداء جنسيّ من طرف أقاربهم، لا سيّما عندما يكون القريب أبا أو من هو بمثابة الأب، أو أمّا أو من هي بمثابة الأمّ، كما تشهد بذلك الكثير من حالات المعاناة المعروضة إلى اليوم.

وما عدا هذا المحرّم الكونيّ والأساسيّ، فإنّ بقيّة المحرّمات والموانع خاضعة إلى الاختلاف الثّقافيّ والتّحوّل التّاريخيّ. ولو ركّزنا حديثنا عن الطّابوهات والموانع المتعلّقة بالجنسانيّة، لقلنا إنّها تندرج في إطار القانون الذي ينظّم المتعة ويحدّ منها، وهو قانون لا يخلو منه مجتمع بشريّ، إلاّ أنّ طرق تنظيم هذه المتعة ثقافيّة ونسبيّة هي الأخرى، أي أنّها خاضعة إلى التّطوّر، ويمكن أن نخضعها دائما إلى الفهم والتأويل والتّقييم، حسب لحظات ثلاث :

–لحظة البحث المعرفيّ

–لحظة التّفكير السّياسيّ والقانونيّ، وهو تفكير مستند بالضّرورة إلى قيم وتصوّرات إيطيقيّة

–لحظة الحكم الإيطيقيّ على الحالة المطروحة، وهي لحظة مفتوحة على المستقبل، وعلى تأثير التّطوّرات الطّبّيّة والتّقنيّة الحديثة في حياة البشر.

واللّحظات المختلفة متعالقة، كلّ منها قد يمثّل مكوّنا من الآخر. ذلك أنّ الحياد المعرفيّ غير ممكن، ما دام الباحث ذاتا تنطلق من زمن تتموقع فيه ومن موقع تأويليّ ترى منه الأشياء. ولزوم الباحث الرّصانة المعرفيّة لا يعني تخلّصه من كلّ حكم أو موقف، بل يعني إرجاءه الموقف، أو جعله الموقف مكوّنا غير طاغ على البحث والنّظر. دليلنا على ذلك أنّ فرويد نفسه، في المقال المطوّل الذي كتبه سنة 1918، تحت عنوان “طابو البكارة”، بحث في أسباب هذا الطّابو في المجتمعات التي وصفها بـ”البدائيّة”، واستفاد من الدّراسات الأتنولوجيّة المتوفّرة في عصره، ولكنّه لم يستنكف من البحث في رواسب هذا الطّابو في عصره وفي مجتمعه في أوّل المقال وآخره. فقد افتتح مقاله بالاستغراب من أهمّيّة طابو البكارة، ومن تعبيره عن نوازع السّيطرة لدى الرّجل : “عندما نفرض على الفتاة التي تتزوّج برجل أن لا تأتي معها بذكريات علاقات جنسيّة ربّما أقامتها مع رجل آخر، فإنّ ما نفعله لا يعدو منطقيّا أن يكون توسيعا لحقّ الملكيّة الحصريّة للمرأة، وهي ملكيّة تمثّل أساس الزّواج الأحاديّ، وبسطا لهذا الاحتكار على الماضي.”

ودون ادّعاء الاستقصاء (وهو غير ممكن في مساحة هذا المقال)، سنحاول اتّباع هذه المحطّات المختلفة لمقاربة قضيّة البكاة انطلاقا من حاضرنا ومتطلّباته.

والسّؤال الذي يمكن أن نطرحه أوّلا هو عين السّؤال الذي طرحه فرويد، انطلاقا من الفرضيّة التّالية : فـ”حيث ما وضع البدائيّ طابو، يوجد خطر يرتاب منه”. فالطّابو تعبير اجتماعيّ مقنّن عن مخاوف دفينة يعيشها الفرد وتعيشها المجموعة. ومن هذه المخاوف ما هو عابر للمجتمعات وللأزمنة، ولذلك فإنّ فرويد لا يميّز بين المجتمعات “البدائيّة” والمجتمعات “المتحضّرة” في الكثير من المعطيات التي يقدّمها، ولا يعتبر الثّانية في قطيعة مع الأولى. فالخوف من المرأة في حدّ ذاته متأصّل في النّفوس إلى اليوم. المرأة باعتبارها كائنا مختلفا، غامضا : إنّها “تبدو غامضة مليئة بالأسرار، وإذن فمعادية للرّجل”. والمرأة كائن مخصيّ أكثر من الرّجل بما أنّها لا تمتلك العضو. فالرّجل “يخاف أن تضعفه المراة وأن تنتقل إليه عدوى أنوثتها فيصبح عاجزا”. وهذا ما يجعل المرأة كلّها طابو كما يقول فرويد، ويظهر ذلك جليّا في المجتمعات التّقليديّة التي تفصل بين النّساء والرّجال، وترتاب من دم الحيض، وتحرّم النّطق باسم المرأة، أو تحيط النّطق بكلمة “امرأة” بأسلوب من أساليب التّعوّذ… ومن هذه المخاوف أيضا الخوف من العلاقة الجنسيّة، ومن غرابتها، والتباس النّشوة فيها بالموت والتّلاشي.

نضيف إلى هذه المخاوف العابرة للأزمنة موقف المرأة نفسها، باعتبارها مساهمة في هذا الطّابو. فالدّراسات التّحليليّة المختصّة في المراهقة تبيّن عسر انتقال الفتاة من “الجنسانيّة المتعدّدة الأشكال”، ومنها الاستمناء المرتبط بالبظر، إلى الجنسانيّة المكتملة التي تعيشها مع الرّجل، وذلك بقطع النّظر عن المعتقدات الاجتماعيّة التي تفرض البكارة على الفتاة أو لا تفرضها.

إلاّ أنّنا يمكن أن نغامر بالفرضيّة التّالية، ومفادها وجود ثلاث مراحل مرّ بها طابو البكارة، بحسب وجوهه المختلفة والمخاوف الأساسيّة التي يعكسها. لا شكّ أنّ المخاوف القديمة اللاشعوريّة باقية في كلّ العصور، إنّما يتعلّق الأمر بغلبة وهيمنة وجه على آخر، نتيجة التّحوّلات الاجتماعيّة السيّاسيّة التي عرفتها المجتمعات البشريّة :

{{1. مرحلة إحيائيّة}} تعكسها مجتمعات وصفها علماء الأتنولوجيا والأنتروبولوجيا، ويغلب عليها تجنّب الزّوج افتضاض بكارة زوجته بنفسه، بحيث توكل العمليّة إلى عجوز أو شخص محترف أو كاهن، أو توكل إلى الأب أو إلى مجموعة من فتيان القبيلة، ويتمّ الافتضاض بالأصبع أو بآلة أو بعمليّة جنسيّة. وقد وصف فرويد كلّ هذه الحالات، وبيّن أنّها تعكس الخوف من الدّم، نظرا إلى انّه مقرّ الحياة حسب التّصوّرات العتيقة، ونظرا إلى أنّه مرتبط بالقتل وبالتّصوّرات السّاديّة. وهناك خوف آخر بيّنه فرويد وغيره هو القلق من أوائل الأمور، وهو ما يستدعي طقوس عبور من شأنها أن تخفّف من هذا القلق. (انظر في هذا الصّدد مقال الأستاذ عبد الصمد الدّيالميّ)

{{2. مرحلة توحيديّة}}، يغلب فيها حسب رأيي خوف من نوع آخر، لم يذكره فرويد، هو الخوف من اختلاط الأنساب. فمعلوم أنّ الأديان التّوحيديّة أعلت من شأن الأب والنّسب الأبويّ، وطوّرت أجهزة الرّقابة على جسد المرأة. ويظهر ذلك جليّا في الإسلام، إذا اعتبرنا عوامل مختلفة منها فرضه الحجاب على النّساء الحرائر، وإبطاله أشكالا من الزّواج ذي الطّابع الأموميّ، ومنها إقراره حقّ اللّعان (اتّهام الزّوج زوجته بالزّنا وتنصّله من الطّفل الذي أنجبته)، ومنها منعه التّبنّي، ومنها تأكيده على عدّة المطلّقة والأرملة وتقنينه الدّقيق لها.

{{3. مرحلة حداثيّة فردانيّة}}، تتغلّب فيها هواجس الفرد ورغبته في محو آثار الآخر من المرأة التي يقبل على زواجها، وفي احتكار حاضرها وماضيها وذاكرتها، فالغيرة الفرديّة تتغلّب في رأيي على هذه المرحلة، ولذلك يمكن أن نعتبرها ذات طبيعة “بارانويّة”، باعتبار أنّ الغيرة من “الغير”، ومحاصرته وإسقاط العداء عليه من أهمّ مظاهر البارانويا.
ولنركّز الحديث عن المرحلة الفردانيّة الحداثيّة. ففي هذه المرحلة تضاءلت طقوس العبور، ولم يعد للخوف من الدّم وقعه البدائيّ النّاتج عن التّصوّرات الإحيائيّة، ولم يعد للخوف من اختلاط الأنساب الوقع نفسه، لتطوّر المعارف الطّبّيّة، ولأسباب أخرى سنحاول عرضها بإيجاز.

فمما تتّسم به الحضارة الحديثة هو أنّ الحياة الجنسيّة لم تعد فحسب مجال تأثّم وطقوس تطهيريّة، بل أصبحت مجال مطالبة بالحقّ. ولذلك انفصلت الجنسانيّة عن الإنجاب، وانفصلت أيضا عن الزّواج، بل وعن نموذج التّغاير الجنسيّ نفسه. وارتبط هذا التّحوّل بالثّورة الطّبّيّة التي مكّنت من وسائل منع الحمل والإجهاض، وارتبط أيضا بخروج النّساء إلى الحياة العامّة ومطالبتهنّ في المساهمة في الإنتاج لا في الإنجاب فحسب. وتطوّرت مؤسّسة الزّواج عموما من نظام ملكيّة الزّوج لزوجته إلى نظام التّعاشر بين فردين متساويين في الحقوق والواجبات. ولا يهمّ ما نلاحظه من مقاومة في المجتمعات شبه التّقليديّة لهذه التّطوّرات، فالمسارّ الذي تتّجه نحوه البشريّة واحد.

فليس من باب المصادرة على المطلوب أن نقول إنّ كلّ هذه التّطوّرات الحاصلة تحكمها مبادئ حقوق الإنسان، وهي لأوّل مرّة في التّاريخ منظومة إيطيقيّة وقانونيّة كونيّة من حيث شموليّتها، ومن حيث مصدرها وأدوات تفعيلها. إنّ الأساس الذي تنطلق منه هذه المنظومة ويذكره الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان منذ الدّيباجة هو الحرّيّة والمساواة بين البشر، وبين النّساء والرّجال. والقانون حسب الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان ليس همّه فرض النّظام، كما في منظومات سابقة، بل همّه ومقصده الأساسيّ حماية الأفراد. وتفيدنا الكتابات القانونيّة الفلسفيّة الحديثة بأنّ التّرجمة العمليّة لحماية الأفراد يمكن التّعبير عنها بتجنّب “الألم غير المشروع” la souffrance illégitime، أي تجنّب الوضعيّات والصّدمات التي تتسبّب في العنف وفي تفكيك الذّوات.

ولكي نعود إلى موضوع طابو البكارة، يمكن أن نقول إنّ هذه التّطوّرات الإيطيقيّة والقانونيّة والسّياسيّة والطّبّيّة والطّبّيّة-الصّناعيّة لا تعني أنّ المخاوف القديمة التي كانت وراء طابو البكارة قد زالت، ولا تعني أن الإنسان قد تصالح مع جسده وجنسانيّته، وانّ الرّجل لم يعد يرى في المرأة كائنا غريبا باعثا على الوحشة، بل إنّ هذه المخاوف لم تعد مجال تنظيم اجتماعيّ، وتقعيد قانونيّ أو طقوسيّ عامّ، بل أصبح مجالها الحياة الحميميّة للفرد وهواماته وأعراضه الخاصّة التي لا يمكن للقانون أن يتدخّل فيها إلاّ لدرء العنف.

دليلنا على ذلك نصّ البيان الذي أصدرته رابطة حقوق الإنسان بفرنسا، إثر قضيّة محكمة ليل، وهو في رأينا من أهمّ ردود الفعل على القضيّة، فهو لا يعترض على تمسّك الرّجل ببكارة زوجته، بل يعترض على نقل هذه الرّغبة إلى الفضاء العامّ وإلى القانون، رغم ما تنبني عليه من تمييز ضدّ النّساء. يقول هذا البيان الصّادر يوم 30/5/2008، والحامل عنوان “البكارة لا يمكن أن تكون مجال العدالة” :

“أصدرت العدالة قرارا تمييزيّا بإبطالها الزّواج إثر طلب الزّوج لأنّ زوجته ليست عذراء.

مهما تكن رغبة الأزواج، فلا القانون ولا القضاء يمكن لهما أن يكرّسا هذا الأمر الذي يرمز إلى الهيمنة الذّكوريّة.
بقطع النّظر عن التّأويلات القانونيّة، وبقطع النّظر عن الاعتناق الشّخصيّ لأيّ عقيدة أو فلسفة، ليس من شأن الجمهوريّة أن تكرّس هذا المسّ بمبدإ المساواة بين الرّجال والنّساء.”

ويمكن الآن أن نخلص إلى الحكم على طابو البكارة كما يمارس اليوم، لنقول إنّه يتسبّب في ألم غير مشروع، شأنه شأن التّعذيب و سائر ما يعبّر عنه في أدبيّات حقوق الإنسان بالمعاملات المسيئة والمهينة، وذلك للأسباب التّالية :

{{1.}} انفتاح أفق المساواة بين الجنسين، بحيث لم تعد المرأة قابلة بمبدأ “الجسد هو المصير”، وأصبحت تقارن نفسها بالرّجل، فلا معنى بالنّسبة إليها لمطالبة المرأة بالبكارة دون الرّجل. ولم تعد المرأة تقبل بملكيّة الرّجل لجسدها، وحقّه في الوصاية على حاضرها وماضيها.

{{2.}} تأخّر سنّ الزّواج، فهو في بلدان المغرب الكبير مثلا يتجاوز 31 سنة بالنّسبة للمرأة، وبقاء المرأة بدون حياة جنسيّة مكتملة إلى هذا السّنّ يسبّب آلاما وأعراضا عصابيّة كثيرة.
3. تسبّب عدم البكارة، أو عدم سيلان الدّم في عنف تكون ضحيّته المرأة، ويتمثّل في التّطليق والطّرد والتّهميش الاجتماعيّ.

{{4.}} وجود وسائل رتق البكارة، وانفتاح إمكانيّات اعتماد البكارة المصطنعة. وهذه الممارسات التي يتيحها تطوّر الصّناعة الطّبّيّة هي بدورها مصدر ألم وتأثّم للمرأة، لأنّها تضطرّها إلى الغشّ والكذب، ومصدر ألم للرّجل لأنّها تجعله عرضة إلى الخداع وإلى المزيد من الشّكّ والرّيبة في المرأة.

إنّ التّنظيم الحديث للمتعة كما تعكسه منظومة حقوق الإنسان، ليس تنظيما همّه مراقبة جسد المرأة كما هو الحال في المنظومات الدّينيّة التّوحيديّة والأبويّة عموما، بل همّه حماية الأفراد وإقرار الحرّيّة والمساواة. ولذلك لم تعد البكارة مجال تقنين في المجتمعات المعتمدة للمنظومة الحقوقيّة، ولم يعد الزّنا في حدّ ذاته مجال منع، بل اتّجه المنع إلى أفعال أخرى يرى فيها الشّارع إنتاجا للعنف وللألم غير المشروع، وهي أساسا : الاغتصاب والتّحرّش، والاعتداء على القاصرين.

فالٌإقرار بأنّ البكارة ليست صفة أساسيّة للمرأة، أو بأنّ الاحتفاظ بها من رواسب اللاّمساواة بين الجنسين، ليس من باب الدّعوة إلى الإباحيّة الجنسيّة، بل هو من باب الانتباه إلى التّحوّلات الحديثة التي أنتجت تنظيما آخر للمتعة، من المؤكّد أنّه أكثر إنسانيّة من التّنظيمات السّابقة، وأقلّ عنفا في التّعامل مع المختلفين والمهمّشين السّابقين.

لم يعد الوعي الإيطيقيّ الحديث يحتمل هذا الطّابو، ولم تعد القوانين الحديثة تحتمل أخذه بعين الاعتبار. إنّه أصبح نوعا من “لزوم ما لا يلزم” من الألم والغبن والقمع الجنسيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This