النساء والرجال في قاعة واحدة… بينهما حاجز زجاجيّǃ

من الأحداث التي قد يحتفظ بها التاريخ ،على سبيل التندّر، والتذكير بالغباء المستفحل في أمّة العرب والمسلمين ما نقلته بعض الصحف عن لقاء انتظم بفندق “ماريوت” بالرياض حول العنف الأسري.أمّا تاريخيّة الحدث فتبرز في جمعه بين النساء والرجال في قاعة واحدة . وأمّا وجه المهزلة الداعية إلى التندّر فهو إقامة حاجز بلّوري للفصل بين الجنسين من الحضور.

إلى هذا الحدّ قد يبدو الخبر “عاديّا” أو “استثنائيّا”، كما شئت، في بلد عشّش فيه جراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنعت فيه المرأة من قيادة السيّارة وفرض عليها طلب الإذن من فحل عربي أصيل،قد يكون ابنها، حتى تتداوى أو تسافر في أرض اللّه الواسعة. بلد تسيّره إيديولوجيّة دينيّة طهرانيّة زائفة لا تتورّع عن التشكيك في كرويّة الأرض في بعض فتاويها ما دام التنزيل الحكيم يتحدّث عن انبساطها لا دائريّتها.

ليس هنا مربط الفرس و لا لجامه، بل في التبرير الذي يقدّم لمثل هذه الممارسات التي أكل عليها الدهر وشرب إلى أن تجشّأ.

فالخشية، كما قد علمنا (مقال رغدة درغام بـ”الحياة” بتاريخ 09/05/08 حول “حقوق المرأة السعوديّة بين التدرّج والتسرّع”)، أن يكون “الإسراع بوتيرة التغيير سيؤدّي إلى نتائج عكسيّة فيما التدرّجيّة تضمن لها (أي المرأة السعودية) حقوقها بشكل أضمن”(كذا)، لذلك لا بدّ من “التركيز على حاجات المرأة لتحقّقها من دون ضجّة” (أي في غفلة من الأصوليين حتى لكأنّ الحقوق جواهر تسرق وليست حقوقا تسند بلا من ولا سلوى.) أما السبب فهو واضح : “إن البيئة السعوديّة لا تتحمّل سوى التدريجيّة وتحصيل الحقوق خطوة خطوة”(طبعا الخصوصيّة دائما نقيض الكونيّة حين تحتاج الأنظمة الكليانيّة إلى تبرير إخفاقها في أن تكون أنظمة قابلة للاحترام ليبيراليّا على الأقلّ).

ونلمح هنا، في هذا التقابل بين التسرّع والتدرّج، أو يحلو لنا أن نلمح، بعض أعاجيب خطابنا الثقافي العامّ، ومنه الخطاب الإعلامي السائد، وقدرته الفائقة على ابتداع الثنائيات البائسة. وهي، لعلمك، غير التناقض الجدلي (ولو في صورته التي انتهى إليها الكهنوت اللينيني الستاليني الماوي) وهي، لعلمك من جهة أخرى ، غير المفارقة ولو في صيغتها السفسطائية المحرجة المتلاعبة بالألفاظ. إنّها ببساطة أتعس وأحقر.

ففي شأن المرأة السعوديّة، بما أنها منطلق حديثنا، ما معنى أن تظلّ الدولة مخلّة بالتزاماتها الدوليّة وواجباتها بإزاء النساء باسم الخصوصيّة؟ وكيف نفسّر هذا النفاق الصارخ بين الالتزام بالولاية والقوامة وهيمنة جميع مفردات الإيديولوجيّة الدينيّة الداخليّة في أتعس صيغها الوهابيّة والتنازل المحدود أمام الصحافيين الأجانب والقابل للانتكاس في أي لحظة حين تخفت الضغوط الخارجيّة، والغربيّة أساسا؟ إنها معادلة جديدة يكون فيها التسرّع رديفا للتنازل والتدرّج صنوا للرضوخ للوعي الزائف المؤسس للدولة الوهابيّة.

والمُعايَنُ في الفضاء العربي الإسلامي أنّ لهذا السلوك المنافق أخلاقيا والانتهازي سياسيا أشباها ونظائر في ما نسمع ونقرأ ونرى هنا وهناك. إنّه نفاق يستدعي في الذهن أمثلة تمثّل جدولا من المفاهيم والمصطلحات المعتمدة كلما احتاجت الإيديولوجية الرسميّة إلى الإمعان في التنكر لحقائق التاريخ ومتطلباته وتبرير سلوكها الأخرق واللاتاريخيّ بإزاء رعاياها والعمل الدؤوب، ليل نهار، لحرمانهم من أبسط مستلزمات المواطنة و أدناها. وإليك مثالين يصلحان للمقايسة.
فالتمشّي الديمقراطي، أي الديمقراطيّة خطوة خطوة، بما فيه من رصانة وتعقّل وهدوء ووقار يدرّب الشعوب الجاهلة الهمجيّة على تعلّم أصول المواطنة وقواعد المحاورة والمفاوضة. وإن هو، في واقع الأمر، إلا تعبير ملطف عن التنصّل من الواجبات السياسيّة وأخلاقيّات إدارة الصراع السياسيّ.

وحقوق الإنسان عمل يومي متأنّ مستمرّ لترسيخها وتربية المواطنين أو الرعايا، سيّان، حتى يكون المجتمع أصيلا في ممارستها بحسب تعليمات الحزب الحاكم وقوى الفساد وأحيانا بحسب سنّة الله ورسوله الأكرم وإجماع أمته المعصومة من الصواب. وهذا، كما يعلم أهل الحل والعقد في مادّة حقوق الإنسان، كذب مفضوح تكشفه الاختفاءات القسريّة ويعرفه نزلاء السجون علاوة على الناشطين السياسيين والنقابيين والحقوقيين وبقيّة المواطنين.

والطريف المحزن، في آن، أنّ لمنطق التدرّج مقابل التسرّع مبرّرات غير قادرة على إخفاء إخفاقها المتأصّل فيها : الخوف من ردّ فعل التيار المحافظ الأغلبيّ. إنها نفس حجّة عدم صدم الطفل الصغير الذي لم يفطم بعد عن شروط الحداثة ومعايشة العصر بمواصفاته المستجدّة، وعدم استثارة الغول النائم بنصف عين مغمضة حتى لا يغضب فيأكلنا مريئا والحال أنّه يرتع يوميّا طليقا بيننا. حديث خرافة، حقّا، يا أمّ عمرو ǃ

المشكلة أنّ مثل هذا التفكير الرصين جدّا والواقعيّ جدّا لا يؤدّي إلى تحقيق “تقدّم” غير ملحوظ إلاّ عبر الحاجز الزجاجيّ الفاصل بين الرّجال والنساء في قصّة الحال. وهو بداهة تقدّم هشّ يمكن لأي حجر أصوليّ أن يذهب به نثارا يتطاير في جميع الاتجاهات. لهذا فالقرابة بين سياسة الخطوة خطوة والريّ، ريّ مزرعة المدنيّة الحديثة، قطرة قطرة باعتبارها عنوان الرصانة والثبات ونقيض التسرّع وحرق المراحل من جهة والسياسة اللينينية في مجال الاقتصاد المسمّى عبثا بالاشتراكي من جهة أخرى واضحة : كلّما تقدّمنا خطوة تأخرنا خطوات لا خطوتين. والمشكلة الأهم أن التاريخ الآنيّ لا يرحم في حركته الوثّابة السريعة التي تكنس معها الأوراق الجافة والأغصان اليابسة وما نخشاه هو أن تحمل معها الشجرة كلّها بعد أن عجزت عن التغذّي من ماء التاريخ.

أيّة مجتمعات هذه اختصّت في إضاعة الفرص والعجز عن الإصغاء إلى وقع التاريخ؟

أي مصير سيطرحنا أرضا، خارج التاريخ… ولكن على نحو سريع لا تدرّج فيه؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This