في ماهيَّة الحقيقة مارتن هيدجر
يتعلَّق الأمر هنا بماهيَّة الحقيقة. إنَّ التَّساؤل حول ماهيَّة الحقيقة، لا يعني الاهتمام بمعرفة ما إذا كانت الحقيقة هي حقيقة التَّجربة العمليَّة في الحياة، أو حقيقة الظَّرفيَّة في مجال الاقتصاد، أو حقيقة التَّفكير التَّقنيّ أو الحكمة السياسيَّة، ولا يعني وبصفة خاصَّة، حقيقة البحث العلميّ، أو الإبداع الفنّي، ولا حتَّى التَّأمل الفلسفيّ أو الاعتقاد الدّينيّ. أن نتساءل حول الماهيَّة معناه أن نبتعد عن كلّ ذلك فنوجه نظرنا إلى هذا الَّذي يميّز وحده كلَّ “حقيقة” من حيث هي كذلك. ولكن، ألا تجعلنا مسألة الماهيَّة هذه نتيه في خواء شموليَّة مجرَّدة تقطع نفس كلّ تفكير؟ ألا يُظهر لنا بحث “متسيّب” كهذا أنّ أية فلسفة لا تملك سندا في الواقع؟ فالتَّفكير المتجذر في الواقع، والملتفت إليه، يجب أن يتَّجه أولا، ودون أي التواء، نحو تشييد الحقيقة الواقعيَّة الَّتي تقدم لنا اليوم، بمقاومتها لالتباس الظنون والحسابات، مقياسا ومرتكزا، وما فائدة مسألة ماهيَّة الحقيقة في محنتنا الواقعيَّة من حيث أنَّها تبتعد عن الواقع؟ أليس سؤال الماهيَّة من المسائل الأقلّ قيمة والأكثر مجانيَّة الَّتي يمكن طرحها؟ لا أحد يستطيع أن يرفض البداهة اليقينيَّة لهذه الاعتراضات. كما لا يستطيع أحد بالمثل أن ينكر إلحاحيتها وخطورتها. ولكن من الَّذي يتحدَّث من خلال هذه الاعتراضات؟ إنَّه “الحسُّ المشترك” فقط وهذا الأخير يتعنت في دعمه لمتطلبات ما هو نافع مباشرة، ويقف ضدَّ المعرفة المتعلقة بماهيَّة الموجود، تلك المعرفة الأساسيَّة الَّتي حملت، منذ مدَّة طويلة، اسم “الفلسفة”.
إنَّ للحسي المشترك ضرورته الخاصَّة: فهو يدافع عن حقّه مستخدما السّلاح الوحيد الَّذي هو بحوزته. فهو يعلن انتماءه لـ“بداهة” ادعاءاته وانتقاداته. والفلسفة من جهتها لا يمكنها أن تفند الحسّ المشترك لأنَّه لا يفهم لغتنا. بل أكثر من ذلك، لا يمكنها حتَّى أن تنوي تفنيده لأنَّه يظلُّ أعمى عن كلّ ما تقترح عليه النَّظر فيه كشيء أساسي. وفضلا عن ذلك، فإنَّنا نحن أنفسنا نبقى في مستوى فهم الحسّ المشترك ما دمنا نعتقد أنَّنا آمنون وسط هذه “الحقائق” المختلفة الَّتي تقدمها لنا تجربة الحياة، والعمل والبحث العلميّ، والإبداع الفنّي، والإيمان، وبذلك نساهم نحن أنفسنا، في تمرّد الحسّ المشترك على كلّ ما يلزم وضعه موضع سؤال. ومع ذلك، إذا كان لابدّ من البحث عن الحقيقة فإنَّنا نأمل أن يبيّن لنا الجواب أين نحن من ذلك. نريد أن نعرف اليوم شيئا عن أنفسنا.
إنَّنا نطالب بمعرفة الهدف الَّذي يجب على الإنسان تبنيه في إطار تطوره التَّاريخي ومن أجل هذا التَّطور ذاته. نريد “الحقيقة الواقعيَّة”. وبذلك فإنَّ همنا على كلّ حال هو الحقيقة. ومع ذلك، فعندما نطالب بـ“الحقيقة” الواقعيَّة فإنَّه يتعيَّن أن تكون لدينا من قبل معرفة بما هي الحقيقة من حيث هي كذلك. أليست معرفتنا بها سوى معرفة “ملتبسة” و“عامَّة”؟ ولكن، أو ليست هذه المعرفة “التَّقريبيَّة”، وهذه اللاَّمبالاة هما، في العمق، أكثر إثارة للشَّفقة من الجهل المحض بماهيَّة الحقيقة؟ I المفهوم المتداول للحقيقة: ما الَّذي نعنيه عادة بـ“الحقيقة”؟ هذه الكلمة النبيلة، لكن المنهكة من كثرة الاستعمال لدرجة أنَّها أصبحت فارغة من المعنى، تعني ما يجعل من الحقيقي حقيقيًّا. ماذا يعني كون الشيء حقيقيًّا؟ نقول مثلا: “إنَّها فرحة حقيقيَّة أن يساهم المرء في إنجاح هذه المهمَّة”، ونريد أن نقول من خلال ذلك أنَّها فرحة خالصة وواقعيَّة. فالحقيقي إذن هو الواقعي. وبهذا المعنى نتحدَّث عن الذَّهب الحقيقيّ بتمييزنا له عن الذَّهب المزيَّف.
فالذَّهب المزيَّف ليس واقعيًّا وفعليًّا، ما يظهر أنَّه هو. فهو ليس سوى مظهر، ولذلك فهو غير واقعيّ. واللاَّواقعي يؤخذ عادة على أنَّه عكس الواقعيّ. لكن النّحاس المذهب هو، على أيَّة حال، شيء واقعي. لذلك سنقول بوضوح: الذَّهب الواقعيّ هو الذَّهب الأصلي. ولكنَّهما معا واقيان: فليس الذَّهب الأصيل أكثر أو أقلَّ واقعيَّة من النُّحاس المذهب. ومن هذا المنظور لا يمكن لحقيقة الذَّهب الأصيل أن تجد ضمانها في واقعيته. وهنا يبرز من جديد السُّؤال: ماذا يعني هنا كون الشيء “أصيلا” وكونه “حقيقيًّا”؟ فالذَّهب الأصيل هو هذا الواقع الَّذي تتَّفق واقعيتهن حالا ودوما، مع ما نتصوّره “بالضبط” عندما نفكر في الذَّهب.
المصدر: في ماهيّة الحقيقة مارتن هيدجر، ترجمة د. محمد سبيلا.
