في نَقْدِ المُسَلَّمات
صدرت خلال الأيام الأخيرة بفرنسا، مجموعة من المجلاَّت التي تهتم بالثقافـة و الفكر، وهي بَيْنَ المجلاتِ التي دَأَبَتْ على خَوْضِ الأسئلة الطَّارِئَةِ، في مختلف مَجَـالاَتِ المعـرفة. المُثِيـرُ في هذه المجـلاَّت، بمُختلف اهتمـاماتها وتَخَصُّصاتِها، هو إقْدَامُها على مُرَاجعة جُمْلَة من الأفكار والتصوُّرات، التي ظلَّت تُشكِّلُ مضمارَ تفكير الفرنسيين، ومنها ما سيتسرَّبُ إلى الفكـر الأوربي، وإلى جغرافيات ثقافية أخرى، بما فيها الثقافة العربية.
إِقْدَامُ هذه المجَلَّات على وَضْعِ أعداد خاصة، بهذا النوع من المُراجعة، هو نوع من إثارة الاهتمام، والعمل على إِشْعَالِ حَرَائِقِ المعرفة، في مُختلف حُقولها التي أصبحت اليوم، في تَصَوُّر الكثيرين، في حاجـة إلى هذا النوع من الحـرائق، ما دامت الأفكار التي كانت بالأمس، من دعائم الفكر الفرنسي، ومن أُسُسِ الانقلابات الكُبرى التي حَدَثَتْ، في هذا الفكر، وغَيَّرَت مجرى تَوَجُّهاتِهِ، أصبحت اليوم تعيش نوعاً من الاختناق، أو تعرف، بالأحرى رُكُوداً، أو تراجُعاً، في قُدْرَتِها على مُسَايَرَة ما يَحْدُثُ من تحوُّلات، في مُختلف أصْعِدَة الحياة.
خلال الأشهُر الماضية، صدر للناقد الفرنسي تودوروف، كتاب هامّ، بعنوان ” الأدب في خطر “، وهو كتاب له أهمِّيَتُهُ، كون صاحبه أحد مُنَظِّـرِي البنيوية، وهو مُتَرْجِمُ كتاب ” النظرية الأدبية ” للشكلانيين الرُّوس، إلى الفرنسية، بدعوة من جيرار جنيت. وتودوروف، في عمله هذا، بقدر ما يُشيرُ إلى لحظات العَطَبِ التي آلَ إليها الأدب، بقدر ما يعملُ على تشخيص الأسباب التي أدَّتْ إلى هذه الوضعية، وإلى عُزُوف التلاميذ عن اختيار الشعبة الأدبية، في المدارس الثانوية، كَتَوَجُّهٍ دراسي، وانحسار عدد المُسَجَّلِينَ، في هذه الشعبة، قياساً بما كان من قبل.
فإثْقَالُ النص الأدبي، بالمفاهيم و النظريات، والخُطاطات النقدية، واستحالة النقد، إلى مُجَرَّد مفهومات، أدَّى إلى اختفاء النص وانْزِوَائِهِ، وأصبحت الأداة هي مضمارُ القراءة، وليس النص. فـ ” المعنى ” الذي يعمل على إبراز جُملة من القيم المرتبطة بـ ” مضمونه “، وما يمكن أن يَحْدُثَ فيه من تفريعاتٍ، تَجُرُّ القارئ إلى معارف أخرى، مرتبطة بهذا المعنى، أو ما يُفْضِي إليه هذا المعنى ذاته، أصبح مُلْغًى، أو غيـر ذي جـدوى، في نظر مُدَرِّسِي النصوص، وهو ما سَيُفْضِي بالتلاميذ إلى الإحساس بنوع من الضَّجَر مِمَّا يجري، وهذا ما كان تودوروف أشار إليه، بصدد مُواجَهَة ابنته له، في أحد حواراته، بما آلَ إليه وَضْعُ الدراسة الأدبية، وبالواجبات التي أصبحت نوعاً من العقاب للتلاميذ، بدل أن تكون، نوعاً من الاستجابة المعرفية الطبيعية، ما دام التلميذ هو من يختار شُعَبَ دراساتِه.
هذا الوضع، هو ما دفع تودوروف إلى العودة إلى المُربَّع الأول، ليضع يَدَهُ على إحدى كُبْرَيَات المشاكل التي أصبح التعليم الفرنسي يُعانيها اليـوم، خُصـوصاً، ما يتعلق منها بكيفية التعامُل مع الأدب، وكيفية تدريسه، وإخراجه، بالتالي، مما آلَ إليه من حَرَجٍ وعُزُوفٍ.
بناءً على ما أثارهُ تودوروف، في عمله هذا، عَمِلَت و سائل الإعلام، بدورها، على فتح فضاءاتٍ للنقاش في الموضوع، و إلى إشراك الفاعلين في خَوْضِ الأسئلة، و تشخيص حالات العطب،
وما يُمكن أن يكونَ من حُلول ومقترحات، في هذا المجال.
إذا كان كتاب تودوروف، مُحَرِّكاً، أو بمثابة الحجر الذي سَيُحَرِّكُ البِرَكَ الآسِنَةَ، فإنَّ عدد مجلة ” المجلة الأدبية “، في عددها الخاص بـ ” أفكار ماي 68 “، جاءت هي الأخرى، لتضع اليد على أحد الموضوعات المُهِمَّة، المُرتَبِطَة بسياق ما كان تودوروف أثَارَهُ، في كتابه. ففي مقدمة الكتاب، كان تودوروف أشار إلى الحركة الطلابية سنة 1968، و تأثير ذلك، بمساهمة مفكرين و فلاسفة، و أدباء، على الفكر الفرنسي، و على الجامعة، و المنظومة التعليمية بشكل عام.
حين تعمل مجلة، لها وَضْعُها، وقيمتُها الفكرية والأدبية، على وضع عدد خاص حول ما جرى، في هذا التاريخ، وما أعقبَ ذلك من تحوُّلاتٍ، ومن تغيير في الأفكار والتَّوَجُّهاتِ، فهي لم تأتِ لتُمَجِّدَ هذا الماضي القريب، بل لتضعه في نفس سياق، ما كان تودوروف وَضَعَهُ مَوْضِعَ سُؤال. الأمر لا يتعلَّق في المجلة الأدبية، بالمدرسة فقط، بل يَطَالُ تَوَجُّهـات الفكـر بكاملها، ويطالُ ما أصبح اليومَ، من ثوابت الفكر المعاصـر. كُلُّ شيء قابـل للمُراجعـة، هذا ما ستعمل مجلة أخرى، على تخصيص عددين لتأكيده، وهي مجلة ” العلوم الإنسانية “، سواء في عددها العادي، أو الخاص. هذه المرَّة سَيَتِمُّ التَّوَجُّـه نحـو ” الأسئلة الكبرى للفلسفة “، ولما سَتَعْتَبِرُهُ المجلة، حصيلة خمسة قرون من الفكر الفرنسي، خصوصاً لدى مفكرين وفلاسفة كبار، أو رموز الفكر الفرنسي، أولئك الذين غَيَّروا مجرى النهر، أو أحْدَثُوا تلك الانقلابات الكبرى في الفكر الإنساني.
هذا النـوع من المراجعة النقدية، هو نـوع من مُراقَبَـة الصيـرورة، أو هو ما سيجعل الفكرَ لا يتوقَّفُ عند نقطـة ما، بل إنه، و فق هذه المراجعـة، هو ما يتحرَّكُ باستمرار، ويُغَيِّر أمكنة وزوايا نَظَرِهِ دون انقطاع.
يَجُرُّنِي هذا إلى التساؤل حول وَضْعِنا نحن. فإذا كُنَّا، في مُجمل ما نضعه من أفكار، وما نُرَسِّخُهُ من قيم فكرية و ثقافية، وما نعمل على تَرْوِيجِهِ من إصلاحات، في تعليمنا! هو قادمٌ من هذه الجغرافيات بالذّات، وأعني هنا، الغرب بشكل عام، فلماذا، لا نَتَسَلَّمُ من هذا ” الآخر “، إلاَّ الثوابت و المُسلَّمات، أو ما نعملُ نحن على تحويله إلى ثوابت، ومُسلَّمات، ولا نعملُ على تَعَلُّم المُراجَعَة ونقد الذَّات، أو وَضْعِها، بالأحرى، في لحظات الحَرَجِ.. أعني، في سياق المُتَغَيِّرات الكثيرة، التي تَحْدُثُ اليوم في مُخْتَلَف أصْعِدَة الحياة..
إذا كُنَّا عَمِلْنَا، من خلال قراءة ماضينا، على تَرْسِيخِ هذا الماضي و تَقْدِيسِهِ، إلى درجة العَمَـاء، وهـو ما سيتَرَتَّبُ عنه هذا النـوع من التَّوَجُّهـات الفكريـة والعقائدية، التي أصبحت تُفْضِي بنا إلى ما نعيشُـه من أزمات وانتكاسـات، و نعمل على تبرير ذلك، بما يَخُصُّنا، أو بما هو في صُلْبِ هويتنا، وتاريخنا، فبماذا سنُبَرِّرُ إذن، هذه العقائدية المعرفية، التي طالتنا اليوم، خُصوصاً، أنَّ مَنْ أَقْدَمْنَا على استيراد هذا المعارف منهم، هاهُم يُذَكِّـرون النسيان، بتعبير فوكو، أو يعملون على اختبار أراضيهم، هل ما زالت قابلة لنفس العُشْب، أم أنَّ التُّرْبَةَ في حاجة إلى ما يُجَدِّد دَمَها..
أليس غريباً أن نظلَّ نحـن دائماً، أول من يتأثـر بهذه ” المُعتقدات “، الفكرية، أو المعرفية، أو هكذا نتصوَّرُها، حين نُقْبِلُ عليها، و نكون، آخِرَ مَنْ يَنتبـه إلى لا جَدْوَاها، حين تصير غير ذات جدوى، أو عاجزة عن مُسايَرَة الصيرورة…
في أكثر من مكان أكَّدْتُ على مَكَامِنِ عَطَبنا، و أشَرْتُ إلى أنَّ أكبر ما يُعيقُ انقلاباتنا،و قدرتنا على ابْتِدَاع الأفكار و التصوُّرات، هو هذا النوع من الإقامة في المُتاح، واقتناعنا بالمُسلَّمات والثوابت، دون أن نملك الجُرْأةَ في الإقدام على المُغايِـر، أو ما يمكنه أن يكون مُراجَعَـةً، لِمَا نُسَلِّم، عادةً، أنه الحقيقـة، أو ما لا يمكن أن تَحْدُثَ المعرفة بدونه.
