هنرييت عبودي والفردوس المفقود قراءة في رواية: كيمياء البشر (دراسة نقدية)
هذا الخطأ المقصود في ذكر العنوان يهدف إلى تلخيص الرواية بكلمات معدودات لمن لم يقرأها حتى الآن. الكاتبة تحشد في فندق متواضع يدعى “بانسيون العائلات” مجموعة من الأزواج وبعض العزاب أيضا، ثم تصور شبكة العلاقات التي تنشأ فيما بينهم. وكذلك تتحدث عن حياتهم السابقة وجراحاتهم. فهذه مطلقة، وذلك أرمل، والثالث لم يحظ بإنجاب الأطفال، والرابع بخيل، والخامس ثرثار، والسادس يبحث عن زواج متعذر، والسابع ريفي غشيم، الخ..ثم تتلاعب بهم الكاتبة على هواها وتوجه مصائرهم كما تشتهي وتريد ولكن بشكل مقنع في معظم الأحيان وإلا لفشلت الرواية.
“كانت زوجته تشتكي من بخله حتى في الكلام! والحال أنه يقتصد فيه فحسب كما يقتصد في كل شيء”. وهذا يذكرني بقول ابن الرومي عن بخيل في عصره يدعى عيسى:
يقتر عيسى على نفسه….وليس بباق ولا خالد
فلو استطاع لتقتيره…تنفس من منخر واحد!
بمعنى من المعاني يمكن اعتبار الرواية كلها بمثابة نقد مبطن أو غير مباشر للعادات الاجتماعية السورية أو اللبنانية. وهنا يكمن جانب آخر مهم من جوانب الرواية.
لكن لنواصل قراءتنا فالمقطع لم ينته فصولا بعد: “لم تكن قبيحة، لا، كانت عادية لا تلفت النظر لا سلبا ولا إيجابا”.
لاحظ هذه الكلمة الاعتراضية “لا” ما أخبثها وما أنجحها في ذات الوقت!
وإذن فقد فات سامي بحري هذا قطار الزواج. ولكن على الرغم من كل تعاسته في هذا المجال لم استطع أن أحزن عليه بل كدت أشمت به وأتلذذ بفشله المتواصل. فلماذا لا يتزوج سلمى فخري التي يبدو انه يحبها؟ وماذا ينتظر هذا الحمار؟ هنا أيضا تنفجر في وجهنا مشكلة جديدة: وهي أنها مطلقة! فالمجتمع السوري لا يحب المطلقات أو قل إن الرجل العربي ترعبه كلمة: امرأة مطلقة….نعم هناك رعب من المرأة المطلقة في سوريا في حين أنها جذابة جدا هنا في فرنسا.
مرة أخرى تثبت هنرييت عبودي أنها بارعة في فن السخرية والتهكم ولكن على البارد دائما..وقد أشبعت ميولها هذه بنوع من السادية تقريبا من خلال تقديمها للنماذج البشرية المختلفة التي تضج بها الرواية: وبخاصة زاهي البستاني المشهور بالبخل والشح، أو غازي غانم الثرثار، أو صالح المرشد القروي وبالتالي الغبي والخجول بالضرورة، الخ..والواقع أن السخرية المرة أو الحلوة هي ملح الرواية بالإضافة إلى الشاعرية الفياضة والنوستالجيا أو الحنين الجارف إلى شيء مضى ولن يعود..وأحيانا تنتقل الكاتبة من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق: أي من السخرية والتهكم إلى الحنين واللطافة..
“أما تأكدت بأم عينك من منزلة رفاقه الرفيعة؟ لقد سهرنا بالأمس يا أمينة مع ابنة زهير بك ماضي، وفخري بك سكر، ومع نجل وزير المالية سابقا، فوزي الطرابلسي، اجل، الشاب الذي يدعى أيهم هو ابن الوزير الأسبق! أما الذي لم يكف عن الرقص، أعني الشاب المربوع الذي يدعى وسيم، فهو ابن شقيقة رجل الأعمال الشهير عثمان الدباغ”..
مرة أخرى تثبت هنرييت عبودي أنها قادرة على خلق عالم روائي لا تصنع فيه ولا افتعال في معظم الأحيان. ومعلوم أن هاتين الصفتين هما اللتان قتلتا الرواية العربية أو قسما كبيرا منها. المؤلفة قادرة على خلق جو دافئ حميمي مليء بالشخصيات المختلفة والهموم المتشابكة أو المتقاطعة والمتعارضة في آن. انه عالم حي يوازي عالم الواقع ويختلط به وينفصل عنه أحيانا لكي يحلق سرياليا: أي شاعريا.
أحيانا تنجح بعض المقاطع في التصوير إلى درجة انه يمكن إدراجها في صفحات مختارات من الأدب العربي كما ذكرت سابقا. لنستمع إلى هذا المقطع الذي يتحدث عن “حاكم” صاحب الفندق على النحو التالي: “وضحك حاكم، ضحك بصوت عال، فاستأهل نظرة متفحصة ومندهشة من أمينة التي دلفت لحظتها إلى بهو الفندق، قادمة من المطبخ. واستبق السؤال الذي كانت زوجته ستطرحه عليه لا محالة بأن سارع يقول: “تذكرت نكتة حكاها لي أحدهم”. وأضاف بلهجة مرحة، بل مغتبطة: “جاءنا نزيل جديد…ربما يتناول عشاءه في الفندق، فاحسبي له حسابا”. فأجابت أمينة بنبرة زاجرة: “وماذا تعني بكلمة ربما؟” وإزاء الصمت الذي لزمه زوجها تابعت تقول: “تريدني أن أعد وجبة إضافية هكذا، لوجه الله؟! لماذا لم يعطك جوابا صريحا؟””لأني لم اطرح عليه السؤال”، رد حاكم وهو يحك قمة رأسه، بحثا عن بقية من شعر هجرها من زمان.ص14.15.
