لماذا لا يتفلسف العرب؟
عندما التقيتُ العام الماضي في السوربون بإكسل هونيث رئيس مدرسة فرانكفورت حالياً ومساعد هابرماس سابقاً وأبرز أبناء الجيل الثالث من تلك المدرسة، سألني عن وضع الفلسفة في العالَم العربيّ حالياً فقلتُ له: لا شكّ أنّ لدينا فلسفة عربية مُعاصرة وفلاسفة أيضاً، لكننا لا نُنتج خطاباً فلسفياً على غِرار الخطاب الفلسفيّ الأوروبيّ فواقع العالَم العربيّ يطرحُ علينا اليوم أسئلةً من طبيعةٍ مُختلفة عن تلك التي يُفرزها الواقع الغربيّ إذ لا تزال مسائل العلمانية والديمقراطية وحريات الإنسان والحداثة والتنوير الخ… من المُشكلات التي لمّا نستطِع أن نجد لها حلاًّ بعد.
لقد اكتفيتُ حينها بإعطاء صورة مُتفائلة عن واقع الفلسفة في العالَم العربي مُبعِداً بذلك الشُبهة التي صارت تُطارِدُنا كاللعنة والتي تُصوِّرُنا على أننا إرهابيون لا نُنتج إلا الأصوليات والاستبداد والبربرية.
أمّا الآن وعلى ضوء أحداث غزَّة أتساءل: كيف يُمكن لنا أن نتفلسف ونحن نمشي بين الجُثث؟ وكيف لنا نحن العرب أن نُفكِّر ونتأمّل ونحن نمتلئ غضباً وحقداً؟ كيف يُمكن لنا أن نمتلك العقل في رُعب اللامعقول الذي نعيشه؟ وكيف لنا أن نتحدّث عن الأنطولوجيا والجمال وإسرائيل تهتك أعراضنا يومياً وتشرب من دماء أطفالنا؟
كيف يُمكن لشخصٍ أن يتفلسف وهو فاقدٌ لكرامته وشاعرٌ بالخزي والعار من هذا الواقع العربيّ الصدئ الرطب المُتعفِّن؟ كيف يُمكن لنا أن نكتب ونحن مقموعون مخصيّون عاجزون ومقعدون؟ كيف لنا أن نتحدّث عن مُشكلة الهُويّة مثلاً ونحن نعيش في الشتات والاغتراب حتى مع عائلاتنا وفي “أوطاننا” التي قد تُصبح أوطانهم بعد قليل؟ كيف لنا أن نتحدّث عن حقوق الإنسان ونحن لا نمتلك حتى حقوق الحيوانات التي تُعامل في الغرب أفضل منا؟ كيف يمكن لنا أن نتفلسف حول الديمقراطية ونحن مُجرَّد زبانية لدى حكامٍ مُستبدّين باعوا بلدانهم وتحالفوا مع القاتل ضدّ الضحية؟ وكيف لنا أن نتحدّث عن “سلامٍ دائمٍ” على طريقة كنط ونحن ضحايا رُعبٍ يوميّ يكسر أقلامنا ويغتال أحلامنا؟
إذا لم تستطع الفلسفة أن توقظ الضمائر وتُحرِّر العقول فلنحرق كُتبها الآن حالاً، وإذا لم يستطع القلم أن يتحدّى السيف فلنضعه في مؤخِّراتنا إذن وإذا لم يكن المُفكِّر جسوراً شُجاعاً فليدرك أنه مُجرَّد عبدٍ مخصيٍّ موظّفٍ في بلاط الحاكم.
أُدرك تماماً أنّ خطابي هذا لا يندرج في إطار الخطاب الفلسفيّ الهادئ المُتّزن والعميق، بل هو أقرب إلى الخطاب النزق الثائر التعبوي الشعبويّ، ولكن إذا كان هذا ما يطرحه الواقع علينا الآن فلتكن فلسفتنا إذن فلسفة عتقٍ وتحرير ودعوة إلى أن نصرخ في عالمٍ يريد أن يكمّم أفواهنا ويصادر صرخاتنا.
