أسطورة التّلفاز أو تقلّبات الصّورة بين دكتاتوريّتين : اللّغة الخشبيّة والثرثرة
كان مشهد خطوات الاٍنسان الأولى على سطح القمر لحظة فارقة أسدلت على العوالم القديمة غلالة كثيفة من الشكّ والنّسيان. لقد كانت خطوات غزاة القمر المترنّحة حينا بفعل تحدّي الجاذبيّة، والرّاقصة حينا آخر جذلا بنشوة “الانتصار” على أسرار الكون، اٍعلانا على هيمنة العلم والتّقنية ، وتأكيدا على تحوّل رغبة في السّيطرة، اٍلى “وهم ” كونيّ آسر وجديد.
ولكنّ ما ميّز هذا الحدث بالنّسبة اٍلى غيره من الأحداث آنذاك هو مشهدته الكونيّة من خلال جهاز التّلفاز. فلقد ارتبط الحدث بمشهدته في لحظة واحدة وعلى مرأى ومسمع ملايين من الحيوات في المدن والأرياف ليغطّي هذا الارتباط الآنيّ صراعات عميقة بين مصالح وايديولوجيّات متنافرة في الظّاهر ولكن تجمع بينها الرّغبة المحمومة في الهيمنة. لقد أخرج الحدث التّلفاز من طفولته بلونيها الأبيض والأسود، أي لوني الخير والشرّ في أساطيرنا الفرديّة والجماعيّة، لينصّبه حارسا دائما على رؤيتنا للواقع رؤية تقوم على انتظار دائم للاٍثارة والتمتّع السّلبيّ بالآنيّ والمتحوّل باستمرار.
لقد كانت صورة التّلفاز بلونيها الأبيض والأسود محاولة علميّة لصياغة “نسخة كربونيّة” للواقع تحاكيه وتحاول مشهدته بلغتها الخاصّة. ولكنّها، وهي تحاكي الواقع، همّشت تدريجيّا لغات أخرى، لغات الفكر والجماليّات والتّربية والدّين واللّعب، وجعلت منها مجرّد غطاء لمظهر الصّورة وسلطتها الاستهلاكيّة. لقد أربكت الصّورة المتلفزة علاقة الاٍنسان المعقّدة باللّغة وغيّرت قدرته على الذّكاء واٍدراك الزّمن.
لقد عشنا طفولتنا وشبابنا في أحضان الصّورة المتلفزة وتربّينا على التمتّع المندهش بلحظات جمّدت الزّمن في أذهاننا وأوهمتنا بأنّها مدخلنا الوحيد للواقع. لحظات الحبّ الرومنسيّ والبطولات والفروسيّة والصّراع بين الخير والشرّ في الأفلام والمسلسلات الورديّة التي جعلت من الحبّ والبطولة والخير والشرّ وغيرها من المفاهيم شأنا متعاليا عن واقعنا الضّحل البائس . ولحظات الاٍنجازات الرّياضيّة الخارقة وتحطيم الأرقام القياسيّة التي كرّست في وعينا رؤية للرّياضة كمجال للتّنافس المجنون ولكسب الرّهانات. ولحظات رواية التّاريخ في برامج ومسلسلات تاريخيّة ودينيّة شوّهت إلى الأبد رؤيتنا للتّاريخ والدّين بخطابها العاطفيّ البليد ولا تاريخيّتها. ولحظات البرامج الحواريّة حول القضايا السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، التي واٍن نجحت أحيانا وحسب ما تسمح به عين الرّقابة العملاقة في مساءلة قضايا السّلطة، فاٍنّها تحوّلت في غالب الأحيان اٍلى استهلاك للنّظريّات والشّطحات الفكريّة المملّة والفوقيّة. ولحظات تأمّل مندهش لاٍنجازات العلوم المتواصلة في برامج وثائقيّة زادت من حيرتنا وضياعنا في اختلافنا بين نسبة هذه الاٍنجازات اٍلى الطّبيعة أو اٍلى القدرة الاٍلهيّة.
ولكنّ الصّورة المتلفزة كانت تدخل علينا كذلك بوجهها المتجهّم لتنتصب كمحاكم التّفتيش تحاسب أمامنا كلّ من تجرّأ على القيام ضدّ السّلطات ومعارضيها. محاكمات على الهواء تتفنّن في اٍذلال المعارضين المهزومين وتنعتهم بصفات من قبيل “الشّرذمة الضالة” و”أعداء الأمّة والوطن” و”الخونة”. لقد ربّانا التّلفاز على الخوف من السّياسة واحتقار من يمارسها وعلى التّسليم بأنّ الدّفاع عن الحرّيات هو طريق مضمونة للهلاك وضياع الفرد خارج الجموع.
لقد كان التّلفاز أحد أدوات المنع والتّرهيب واغتيال اللّغة وفصلها عن الحرّية من خلال قيامه بدور الوسيط، بمشهدة أدوات التّسلّط الاٍداريّة والايديولوجيّة والاجتماعيّة، وخلقه قواعد وفنون اللّغة الخشبيّة. لقد كان التّلفاز فضاء “حياة” تمكّن من خلاله بعض المنظّرين والاٍدارييّن والمثقّفين والمبدعين الخشبييّن من نشر الموت في مجتمعاتنا.
اٍنّ اللّغة الخشبيّة هي الكابوس الذي حكم طفولتنا وشبابنا وعرقل تنمية المجتمعات وعزل كلّ باحث عن لغة مختلفة لوجوده أو احتواه في أمعائه الآسنة.
لقد انتزعت اللّغة الخشبيّة الممشهدة روح اللّغة فانتزعت بذلك روح الاٍنسان. اٍنّها لغة لا تؤمن بالكرامة لذا تخشى كلّ الباحثين عن كرامة اللّغة ولغة الكرامة وتسعى اٍلى تشويه تجاربهم وتهميشها.
بين الوهم والمنع، وهم منح لغة جديدة لمشهدة ممتعة للواقع، ومنع هذه اللغة، تقلّبت الصّورة المتلفزة وبنت أسطورتها المهيمنة على الحيوات. ثمّ برزت الفضائيّات وانفلتت الألوان من عالم الأبيض والأسود فانتقلت الصّورة اٍلى حياة جديدة هي انعكاس لانفلات الواقع وتجزّئه. لقد تضعضعت أدوات الهيمنة التّقليديّة، التي طالما خضع لها التّلفاز وبرّرها، فخرجت الصّورة من “صندوقها الأسود” لتعبّر عن أزمة جديدة /قديمة هي التّردّد بين سيطرة المشهد الاستهلاكيّ المتسلّط ومطالب حرّية التّعبير.
لقد برزت الفضائيّات كلحظة أخرى في حياة الصّورة المتلفزة لتغذّي أملا عابرا في خروج التّلفاز من احتكار السّلطة المحلّيّة للمشهد الاٍعلاميّ. ورغم اللّحظات النّادرة التي تحاول فيها بعض الفضائيّات اٍحياء فضاءات للحوار المجتمعيّ واٍتاحة فرصة للقول المختلف ومتابعة أسئلة الواقع، فاٍنّ وجود الصّورة المتلفزة في عهد الفضائيّات أصبح مرتهنا أكثر من أي وقت مضى لسلطات المال والسّياسة والايديولوجيا. فالفضائيّات التي عوّضت التّلفزيون الحكوميّ البارد والباهت حكمت على الصّورة بدخول عالم الاستهلاك المجزّأ، فخلقت كائنا تحكمه وتبرمجه هذه السّلطات بشكل كامل. اٍنّه الكائن الذي ينتقل بحركات آليّة محمومة بين قناة تلفزيّة و أخرى من خلال أزرار يخال أنّه يتحكّم فيها في حين أنّها تحكمه وتوجّه “متعته”. فالزّابينغ zapping هو العمليّة التي يسلم بواسطتها الاٍنسان مصيره اٍلى لغة الصّورة، وقد بلغت أقصى مراحل التّجزئة والهيمنة، ليقيم في عالم فراغ تصنعه له ثرثرة شركات الدّعاية الاستهلاكيّة والتّرفيهيّة، وخبراء يحلّلون كلّ الأحداث، ودعاة يفتون في كلّ الأفكار والمشاعر، وصنّاع لـ”الخبرالعاجل”.
لقد انضافت اٍلى اللّغة الخشبيّة لغة الثّرثرة التي لها القدرة على التلوّن الدّائم واٍعادة التّشكّل والانبعاث المتجدّد من خلال وفرة القنوات الفضائيّة وتعدّدها الظّاهريّ. هذه اللّغة ، التي تتغذّى من آلام الاٍنسان ورعبه في مواجهة الواقع، تبرّر ولا تحلّل. تبرّر الشّيء ونقيضه وتحوّل المعاني حسب المصلحة الآنيّة لمن ينطق ويسمّي الأشياء. اٍنّها مالكة أسرار العواطف والأفكار، لذلك فهي تحرّك الجموع تجاه حدث ما وتهدّؤها حسب اٍيقاعات تعرف وحدها أدواتها وتكتيكاتها. اٍنّها تعرف لغة العقل ولكنّها تستعملها لتمرير كلّ ما في الواقع من لاعقلانيّة، بل إنّ أخطر سدنتها عقلانيّون لا يشقّ لهم غبار في التّنظير، ولكنّهم في مواجهة الواقع يتحوّلون اٍلى ناطقين عن الغيب : غيب المصالح والأنانيّة وكره الآخر.
اٍنّ لغة الثّرثرة ليست متجمّدة مثل اللّغة الخشبيّة بل أنّ لها بلاغة “مطّاطة” تمتدّ وتضمر حسب الحاجة والأوضاع. فهي ضدّ التّسلّط اٍذا تجاهلتها قوى السّلطة وهي عاشقة للهيمنة حين تلتفت اٍليها السّلطة وتلوّح لها بفتات المنفعة والتّقدير المخادع. اٍنّها لغة متيقّظة على الدّوام، أو هكذا يبدو في الظّاهر على الأقلّ، في مواجهة الحكّام، ولكنّها تتجاهل تسلّط المجتمع وممارساته الأكثر لا اٍنسانيّة. اٍنّها تطالب بحرّية الرّأي والتّعبير وتتغنّى بأهمّية الاٍبداع ولكنّها تصدم بأيّ تعبير غير مألوف وتتّهمه بالكفر والزّندقة.
اٍنّ لغة الثّرثرة المتلفزة هي لغة الاقصاء والتّهميش وهي لغة الاٍنسان المشوّه الذي يقول أمرا واحدا: أنّه لا يقول.
إنّ خروج التّلفاز من طفولته المتردّدة والمتعثّرة ومحاولته نحت مكان له بين وسائل الاٍعلام الأخرى من اٍذاعة وصحافة مكتوبة وبرامج اٍخباريّة تبثّ في قاعات السّينما، كان خروجا تدريجيّا للاٍنسان من طفولة واقعه بكلّ ما يحتمله من غموض وتردّد وتعقّد وتعدّد.
لقد استبدل البحث عن المتعة في الواقع وبالواقع عن طريق وسائط وهم متعدّدة اٍلى برمجة مدروسة للمتعة خارج الواقع وبأداة موحّدة هي التّلفاز وكهنوت المشهد المتحكّم فيه. واستبدل البحث عن اٍقامة تجارب في اللّغة، من خلال وسائط اللّغة المتعدّدة، بلغة واحدة تصاغ في استديوهات يسهر عليها رجال ونساء موظّفون في آلة المشهد المهيمنة. واستبدلت أفراح ثورات الحركات الاجتماعيّة والمعرفيّة والشّعريّة وأسئلتها بعيش ثورات وتجارب بالاٍنابة.
لقد تحوّل هذا الاختراع الباهر اٍلى “قميص مجانين”، strait jacket يسجن حركات الواقع وتاريخيّته في لا تاريخيّة استهلاكيّة مزمنة.
