اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةُ أهل الجحيم
أكّد اختبار “بيزا” PISA الدوليّ الهامّ لتقييم المعارف والمكتسبات العلمية للأطفال في سنّ الخامسة عشرة المنظّم كلّ ثلاثة أعوام من طرف منظّمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية OCDE جميع التحذيرات التي أطلقها الباحثون في مجالات التنمية البشريّة من التردّي الخطير لمستوى التعليم وتراجعه في مدارس العالم العربيّ وجامعاته. ولئن حظيت نتائج هذا الاختبار العالمي الهامّ بعناية الرأي العامّ في البلدان المتقدّمة فإنّنا لم نسمع في حدود علمنا، إلاّ فيما ندر، وبعد مرور أشهر على نشر نتائج الاختبارات صوتا لنوّاب الأمّة دعْ عنك وزراء التربية والتعليم والمعارف في عالمنا العربيّ لشرح عوامل هذا الإخفاق المريع وتفسير أسبابه.
” بيزا ” مؤسسة دوليّة متفرّعة عن منظّمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية ومقرّها في باريس. من مناشطها قياس درجة التعلّم لمن هم في سنّ 15 عاما في البلدان المشاركة في الاختبار من خلال مجالات العلوم والقراءة والرياضيات.
في تقريرها عن آخر دورة من دوراتها التي تنعقد كلّ ثلاث سنوات ( 2006 )، أفادت ” بيزا” أن مشاركة الطلاّب من 57 دولة بلغت 400 ألف طالب.
في كفاية العلوم حصلت فنلندا على أعلى درجات تتبعها كندا واليابان وزيلندا الجديدة وهونغ كونغ وتايباي. وفي حين حصلت إسرائيل على المرتبة 39 كان من نصيب الأردن الرتبة 44 أمّا تونس فكانت في المرتبة 54 وليس خلفها في آخر القائمة إلا ثلاث دول وهي على التوالي أذريبدجان ( 55 ) وقطر ( 56 ) وكيرغيزستان ( 57 ).
في كفاية القراءة، كانت كوريا الجنوبيّة الأعلى كفاءة تليها فنلندا وهونغ كونغ. وكانت مرتبة إسرائيل ( 40 ) والأردن ( 46 ) وتونس ( 52 ) وقطر ( 55 ).
في كفاية الرياضيات تصدّرت فنلندا وكوريا الجنوبيّة وتايباي وهونغ كونغ القائمة. وحافظت إسرائيل على الرتبة ( 40 ) فيما تأخّر الأردن إلى المرتبة ( 51 ) وتونس ( 55 ) وقطر ( 56 ) وفي آخر القائمة كيرغيزستان ( 57 ).
إذا كانت التقارير الدوليّة تؤكّد في كلّ حين على التخلّف الشامل، تقريبا، الذي تعيشه بعض شعوب العالم ومنها شعوب العالم العربيّ، فإنّنا مازلنا نسمع في كلّ وقت من يعتقد أن العالم ليس له من همّ إلاّ التآمر عليه والتفكير في إزاحته من طريقه، لأنّه ببساطة ينتمي إلى خير أمّة أُخرجت للناس. كيف لوضعيّات كارثيّة في المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية أن تتعمّق وتتعقّد أكثر في ظلّ سياسات تعليميّة مرتجلة أو في ظلّ من قنع بحلّ في الماضي أو بمن غرس رأسه في الرمل حالما بالبعوث والغزوات والفتوح والطير الأبابيل ديدنُه المخالفة لأنّ الصلاحَ كلّه في مخالفة أهل الجحيم ولو في تفوّقهم العلميّ !
قال شيخنا ابن تيميه في كتابه ” اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةُ أهل الجحيم”: “كان السلف… يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عُبّادنا ففيه شبه من النصارى”، ودعا صراحة إلى مخالفة أهل الكتاب: ” وخالفوهم، فالمخالفة تنافي الموافقة في بعض الأشياء أو في أكثرها (..) وإن المخالفة لهم [ اليهود والنصارى] فيها منفعة وصلاح لنا في كلّ أمورنا، حتّى ما هُمْ عليه من إتقان أمور دنياهم قد يكون مضرّاً بآخرتنا، أو بما هو أهمّ منه في أمور دنيانا. فالمخالفة فيها صلاح لنا “.
هل يأتي حين من الدهر لا تجد فيه هذه الأمّة العربية الواحدة مَنْ يقرأ لها رسالتها الخالدة؟
– لمزيد الاطّلاع ينظر: http://www.pisa.oecd.org
