في ذكرى النيسان اللبناني: ما يحزن هو رفض الذاكرة

في ذكرى مرور إثنين وثلاثين عاماً على حرب لبنان الأهلية نشر ملحق نهار الشباب الذي تصدره جريدة النهار اللبنانية أسبوعيا تحقيقا من إعداد ” نمير جبر” ، فيه ، نقرأ شهادات عن تلك الحرب (١٩٧٥-١٩٨٩) يمكن وصفها بالذاكرة النائمة أو القائمة في السبات . ذاك أن الخوف من تلك الحرب التي مزّقت ” البلد الصغير ” سياسياً واجتماعيا واقتصاديا وفتحت الأبواب لقوى غير لبنانية لـ ” الصيد المحرّم ” في البلد ذاته .

تعود تلك الشهادات إلى مجموعة من المقاتلين كانوا ينتمون إلى تنظيمات وحركات سياسية مختلفة في الخارطة السياسية اللبنانية مثل ( أمل والقوات اللبنانية والكتائب والحزب الديمقراطي الاشتراكي وحزب الوطنيين الأحراروالمرابطون )،ونجد فيها ما يشير إلى استحواذ الماضي على الحاضر اللبناني و” السلم الأهلي” المفترض . وفيها أيضاً ، نجد أن الطاقة السردية لأيام القتل والاختطاف وتحويل الشوارع إلى خنادق تفوق الشعور بالندم . كما أن الافتخار بتلك الأيام وحمل السلاح في وجه ” الذات ” لم يترك مجالاً للندم والتسامح، ولا يتجاوز تقييم المقاتلين بالتالي حدود تلك الثقافة السياسية التي كانت تغذي حربهم ” القذرة ”

بين جميع المقاتلين الذين حاورهم الصحفي هناك شخص واحد إسمه “عماد فرج ” من الحزب الاشتراكي الديمقراطي يعلن ندمه على المرحلة التي حمل فيها السلاح في وجه شريكه في الوطن “الحرب كانت خسارة للكل استشهد معي رفاق أعزاء ووالدتي أصيبت وفقدت عينها إثر قذيفة سقطت على منزلها”. أما الآخرون فرغم كل تلك المآسي التي مرّت عليهم لديهم الاستعداد لحمل السلاح مرة أّخرى إن دعت الحاجة ويلاحظ أنهم لم يتحرروا من الخوف بعد ويسيطرعليهم الشّك في” السلم الأهلي ”

ما يلاحظ في شهادات هؤلاء المقاتلين هو الإصرار على فكرة الدفاع عن المبادئ والقناعات السياسية التي كانت تحرّك حربا طائفية أحاطت المجتمع اللبناني بثقافة إلغائية اعتبرها البعض من المثقفين اللبنانيين عهدئذ موتاً للسياسية.إنما كانت في الحقيقة ، إعلانا لسياسة بدائية مُجددة ، يمثل فيها التجرّد من القيم إيقونة رئيسية لفهم التاريخ . كان الجميع ينظر لتاريخه المستقل بأدوات غير تاريخية بطبيعة الحال، وكانت الأفكار تقاس بالتالي وفق مقاسات تلك المساحات والأزقة التي دارت فيهما يوميات القتل.

وقد يدفعنا أي نقاش للأيام اللبنانية تلك إلى سجالات النخب اللبنانية وهوامشها الكثيرة التي وضعها المفكر والمثقف اللبناني مهدي العامل ( اغتيل عام ١٩٨٧في بيروت ) في سياق نقد فكري وسياسي ليوميات الحرب والكتابة حينها. ذاك أن سجالات النخب بقيت في إطار نقد السياسة والاشمئزاز منها دون الولوج في حيثيات البنية التحية لتلك الحرب، أي المجتمع وروافده الغارقة في العقائد والمبادئ المطلقة والمُدرّعة طائفياً.ففيما كانت عمليات القتل والاختطاف وتأصيل التخندق الطائفي تنتج مفاهيمها وأدواتها خلال الحرب ، اقتصرت نقاشات غالبية النخبة المثقفة على نقد البنى الظاهرة المتمثلة في السياسة . وكانت الثقافة والكتابة الإنشائية تالياً تحولان دون الولوج في جوهر المشكلة.

يرفض أحد المقاتلين إسمه عماد حسامي المسؤول العسكري السابق في حركة الناصريين المستقلين “المرابطون” حمل السلاح مجدداً ويقول: ” لن نحمل السلاح ضد أي طرف لبناني ما لم يشهره في وجهنا”. في هذا الكلام شيء من ” الخشية ” وافتقاد الثقة ، وكأن قائله في حالة وقف إطلاق النار إذ تعيد أية طلقة مجهولة إشعال القتال مجدداً . ولو قرأنا غالبية الشهادات (القليلة جداً ) عن تلك الحرب اللبنانية بين طوائفها المتعددة، نلاحظ أن الشطر الثاني من الجملة التي قالها ذلك المقاتل الناصري يطغى على كل شهادة تذكر، ذاك أن قول (ما لم يشهره في وجهنا) وإن لوّح بشكل أو بآخر إلى أقوال أُخرى أدانت واستنكرت الحرب وأيامها، إنما يلوح في الجوهر إلى طغيان عدم الثقة على راهن المجتمع اللبناني ، كما انه يشير إلى افتقاد ” السلم الأهلي ” إلى المصارحة التي تتمثل معانيها لا في استنكار الحرب فحسب إنما في التبرؤ منها أيضاً .

ولكن ما الذي يحول دون التوصل إلى مصارحة حقيقية عن تلك الحرب التي هرب المثقفون اللبنانيون من آليات تشريحها من خلال التعالي عليها ووضعها بالتالي في سياق أوصاف ومصطلحات مثل ( حرب الآخرين في لبنان، الحرب العبثية، حرب السياسيين…إلخ ). سؤال قد يعترض على طرحه اللبنانيون ويعتبرونه سخيفاً وغير مجد مادام اللوم لا يقع إلاّ على السياسة والسياسيين، إنما واقع الحال الثقافي والاجتماعي يوفر ما لا يمكن إخفاؤه في الرمال كما أُخفي القول الصريح عن منطق تلك الحرب. ولا بد من الإشارة قبل أي شيء إلى الصعوبات التي تمنع تناول الإقتتال الطائفي اللبناني ووضعه في سياق البحث التوثيقي، وهي في الغالب صعوبات تتصف بها أي حرب مشابهة للحرب اللبنانية التي لم تكن منظمة وموثقة في أرشيف الدولة والبوليس والجيش . فمن السهل البحث عن أساليب القتل والإبادة إبان العهد البعثي في العراق (١٩٦٨-٢٠٠٣)، أو لدى النظام الستاليني أو النازي الألماني أو ” البول بوتي ” ، أما في لبنان فكانت الفوضى والاستقلال الطائفي والحزبي في اتخاذ القرارات والتكتم على ما يمكن تسميته بــ ” الفاشية الطائفية ” أثناء عمليات القتل والاختطاف والدفن ، وإختفاء الدولة ومؤسساتها وعدم توثيق أسماء القتلى والجرحى في المستشفيات الرسمية ، كل تلك الأشياء حالت دون توثيق حرب الـ(٢٠٠) ألف قتيل .

يذكر في السياق ذاته أن المؤسسات الإعلامية ودور النشر والصحف اللبنانية التي تعتبر رائدة حرية النشر في العالم العربي لم تقترب من خفايا الحرب الأهلية ولم تؤسس لها تاريخاً شفهياً ، أنثروبولوجياً ، ولا سجلاً رسمياً لأسماء الضحايا وتواريخ ولاداتهم .ولم يصل لبنان بالتالي إلى مستوى بلد فقير مثل ” غواتيمالا ” يوجد فيه أهم مركز أنثروبولوجي لدراسة جميع أنواع القتل والتعذيب والضرب التي تعرض لها الضحايا أثناء الحرب الأهلية الطويلة (١٩٦٦-١٩٩٦) . وسبب ذلك يعود أغلب الظن إلى اتفاق لبناني عام في رفض الذاكرة أو إخفائها في رمال (الآنــ) ــية غير الخاضعة سوى للخوف والحذر من تناول الماضي. وهذا التوافق الكلي ضمنياً في رفض الذاكرة وعدم وضعها في سياق تاريخها بكل ما تحمله من المرارة والألم، إنما هو هروب من التاريخ والواقع الاجتماعيين بحجة عدم العودة للحرب .
إذاً ، ما العمل ، هل يمكن الاحتماء بالشعار اللبناني الذي يقول (ما بدّنا نتذكر) ، وهل تذكر ما جرى يعني نبش الماضي والعودة إلى الحرب مجدداً ؟ ليس القصد من طرح هذه الأسئلة، الدعوة إلى الإغراق في الماضي ، وفيه ، والنبش عما يحزن في الذاكرة الجماعية ، إنما هو شيء متعلق بقيمة تلك الذاكرة التي لم تتحرر من الخوف بعد ، إنها تالياً دعوة لتحرير الذاكرة والماضي من ثقل الحزن والخوف والشك و ” الآنــ” ية . وذلك من خلال المصارحة وكشف الحقيقة بين القوى السياسية كفاتحة للمصارحة الاجتماعية الشاملة وإعلان الندم عن الحقبة المظلمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This