فرويد: الدّين عصاب جماعيٌّ
الدّين عصاب جماعيٌّ … وهكذا فأنا في تناقض معكم عندما تقولون إنَّ الإنسان لا يستطيع بصفة مطلقة أن يستغني عن العزاء الَّذي يقدّمه له الوهم الدّيني، وإنَّه بدونه لا يستطيع تحمُّل ثقل الحياة والواقع الفظّ.
نعم، ذلك صحيح بالنّسبة لرجل طبعتم في ذهنه منذ الطفولة هذا السُّمَّ الحلو أو السُّمَّ الحلو والمرَّ. لكن ما شأن الآخر، ذاك الَّذي تربَّى في الاعتدال والرَّصانة؟ ربَّما لن يكون ذاك الَّذي لا يعاني من أيّ عصاب في حاجة إلى السُّكر حتَّى ينسى ذلك. دون شكّ إذن، سيجد هذا الرَّجل نفسه في وضعيَّة صعبة، سيجد نفسه مجبرا على الاعتراف لنفسه بكلّ ضيق بضآلته في مجموع الكون، لن يكون كما كان مركز الخلق موضوع الاهتمام الحنون لعناية إلهيَّة مجانيَّة. سيجد نفسه في وضعيَّة طفل غادر بيت الوالدين، أين كان يحسُّ نفسه في رغد وأين كان يشعر بالدّفء.
ولكن أليست الصبيانيَّة مرحلة مُقدَّر تجاوزها؟ فالإنسان لا يستطيع أن يبقى طفلا بصفة دائمة، إذ يجب عليه أن يغامر أخيرا في كون عدوانيّ. ويمكن أن نسمّي ذلك «التَّربية في اتّجاه الواقع» ولن أكون في حاجة لأقول لكم أنَّ هدفي الوحيد من كتابة هذه الدّراسة هو أن ألفت الانتباه إلى الضَّرورة الَّتي تفرض تحقيق هذا التَّطور.
المصدر: فرويد «مستقبل وهم»، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطَّليعة، بيروت، الطبعة الرَّابعة 1998.
