عبد السميع يا راكل….أو ما لا يقوله عمرو موسى

كأغلب المصريين يبدو السيد عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدولة العربية، بالغ السماحة . فبالرغم من كل المشاق التي يلقاها في عمله، لا تفارق الابتسامة محياه، ويوزع النكات والتعليقات يمينا وشمالا حيثما التقى بالعامة. على مستوى مساو من ذلك تبدو آمال الأمين العام وتطلعاته . فهو بعكس ما قال يوما لقناة العربية، يبدو في كل مقابلاته وتصريحاته متفائلا بالمستقبل العربي ، بالرغم من كل بؤسه ( الواقع العربي) حسبما قال الشهيد سمير قصير.

فعن السودان وحاله وإمكانية انفصال القسم الجنوبي منه عنه، يقول موسى :” اشتغلنا شغل كبير أوي، وكانت الجامعة أحد الأطراف الموقعة على الاتفاقية بين الحكومة والمتمردين، وحيكون فيه ثروة نفطية هائلة في الجنوب حتفيد كل الشعب السوداني، وعشان كدا أحنا عقدنا عدة مؤتمرات اقتصادية لدعم المسيرة الاقتصادية هناك من طرقات ومدارس وبنية صحية. وكل دا حيزيد من الالتحام الشعبي حول وحدة السودان” . يقول الأمين العام ذلك عن السودان، في الوقت الذي كاد الصراع على قرية جنوبية واحدة، أن يعيد الحرب الأهلية من جديد، منذ فترة قصيرة . وفي الوقت الذي باتت الحركة الشعبية لتحرير السودان ” أبرز الممثلين السياسيين للمواطنين الجنوبيين” منذ أشهر تتفاوض مع الحكومة المركزية حول عدد من التعيينات، فترضى حينا، وتحرد أحيانا كثيرة . يقول الأمين العام ذلك عن السودان، في الوقت الذي يشهد غربه أقسى حرب عرقية وقبلية، ووسطه موجة جوع ما لها من مثيل .

حول العراق وجهود المصالحة بين “شعوبه”، حيث بات سكان المدينة الواحدة منهم مفصولين بعضهم عن بعض بستائر وأسلاك شائكة، يبدو الأمين العام بالغ التفاؤل، فمؤتمر المصالحة حسبه سيعقد قريبا، وهو ( المؤتمر) الذي يؤجل منذ سنتين بشكل منتظم، وحيث أن نصف أعضائه بات مطلوبا للمحاكم العراقية بتهمة “الإرهاب” والنصف الآخر بات في الجيب الإيراني، والعراق بمجمله عوض نفسه عن نقص شواطئه البحرية، ببحر من الدماء. فوق كل ذلك يقفز الأمين العام ويذهب إلى برلمان إقليم كردستان العراق ليصرح من هناك : ” العراق بأكرده دولة عربية !” وكأنه لا ينقص العراق سوى الاعتراف بهويته السياسية الثقافية وحصرها بالعروبة .

عن الفلسطينيين الذين يسحل بعضهم البعض، وبات لكل عشيرة أو عائلة أو حارة منهم دولة وكيان، يرى لنفسه حق إعلان الحرب أو رفض السلام، يقول الأمين العام : ” أحنا بندعو الجميع لتمتين الكبهة الداخلية في الوضع الحساس هذا” . وعن اللبنانيين الذين يضج العالم بمشرقه ومغربه بقضاياهم وتفاصيلها، برئيسهم المأمول وحكومتهم وتفاصيلها ( حتى أطفال القرى العربية باتوا يتحدثون عن نص زائد واحد والثلث المعطل و10 10 10 أو 13 10 7 و … ) يذهب ويأتي الأمين العام لبيروت مرات ومرات ويدور على عواصم شتى، ثم يخرج خالي الوفاض، ومع ذلك يبدو متفائلا !

ليس الغرض من وراء ذلك الكلام توجيه نقد أو لوم لشخص الأمين العام، بل الكشف عن مدى سطحية وخواء وخيالية الدعوات الإصلاحية العربية في ظل الركود السياسي والمجتمعي للنظام الرسمي العربي، والذي أنتج خلال العقود الثلاث الماضية تخلفا تنمويا وثقافيا، أدخل المجتمعات العربية إلى مأزق ليس له من فكاك منها بالحلول التسطيحية التي تحاول أخفاء جوهر المشكلة . فيُشهد ( وذلك من شهادات أناس عملوا مع الأمين العام فترات طويلة، أو عبر رأي الشارع المصري والعربي ) للأمين العام مصداقيته وإخلاصه ونزاهته ووطنيته . لكن ذلك لا يمنع الأمين من الوقوع في مطب الطبيب الذي يريد علاج السرطان بالمراهم الجلدية .

خلال نصف قرن كامل كانت الجامعة العربية ماهرة في خلق التوازن بين الأنظمة العربية المكونة لها، بل وكانت من أكثر مصادر منح الشرعية السياسية لتلك الأنظمة، لما لها من تأثير على الضمير الشعبي العربي، كفضاء وحيد يمثل حلم التعاضد العربي .

لكن منذ ما يقارب العقد تفكك الحكم المركزي في عدد من الدول العربي، وباتت الشرعيات السياسية متشتتة. فكانت السودان العراق فلسطين ولبنان، أمثلة لبلدان فُقدت فيها السلطة المركزية، ونشأ نوع من التنازع بين المكونات المجتمعية والسياسية لتلك البلدان . وهنا لاقت الجامعة العربية نفسها في حيرة وارتباك من تلك ” الصراعات” الحقيقية، والتي كانت في جانب مهم منها كنتيجة لتغاضي الجامعة عما كان يجري بداخل تلك البلدان من قبل . فهي كمنظمة لم ترع دورها التاريخي منذ عقود، حيث لم تعلن البراءة من ديكتاتور أو طاغية أو قاتل عربي، كما لم تأخذ البؤس العربي المتراكم في الثقافة والسياسية الاقتصاد في حساباتها كطرف ميال ومسؤول عن الشعوب العربية . لذا باتت في نظر المجتمع العربي كفاعل سلبي تجاه أوجاعه وآلامه إلى أن وصل الحال إلى وضع لا يستطيع كل صدق السيد عمرو موسى تجاوزه .

قبل ما يقارب العقد والنصف من الآن لم تستطع الجامعة العربية تحديد موقف من جريمة صدام حسين ضد الشعب الكويتي الأعزل فسمته بالعبارة والوصمة ” الحالة العراقية الكويتية” . حيث بينت الحقائق فيما بعد مدى يأس النظام العربي الرسمي في ضبط المشكلات العربية، بسبب غربته ولا انتمائه إلى الفضاء الشعوري للشعوب العربية . منذ ذلك الحين بان مدى ترهل الجامعة وتبعيتها للنظام العربي لا لشعوبها. فحينما لا يستطيع السيد عمرو موسى الجهر بالأسباب الحقيقية للحالة العربية، والمتمثلة بغياب الحكم الرشيد، ولا ينحاز للشعوب العربية الرازحة تحت الاحتلال الداخلي . ويذهب لنعت الحال بالتي والذين بغية القفز على الحقائق، فأنه لن يجد لنور آماله منفذا . يقال ذلك وفي البال شعبان عبد الرحيم الذي صدح في أغنتها الممنوعة بنسختها الأصلية ” بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى …ǃǃǃ ” .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This