المرض بالغرب: التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي
التصدي لعرض كتاب بحجم” المرض بالغرب “لجورج طرابيشي مهمة صعبة لأن هذا الكتاب هو في الأصل أطروحة أكاديمية كان يفترض بجورج أن يقدمها إلى جامعة السوربون لنيل شهادة الدكتوراه. ولكنه آثر ألا يفعل، لأن تقديمها على شكل أطروحة دكتوراه كان يقتضي التخفيف من لهجتها النقدية الجذرية، وهو ما كان يتعارض مع غائيتها بالذات من حيث أن المؤلف قد أرادها التزاماً بمنطق النهضة في مواجهة منطق الردة الذي طغى في الساحة الثقافية العربية.
يعتمد طرابيشي في كتابه” المرض بالغرب” منهج التحليل النفسي، وهو يضع على طاولة التشريح النفسي الخطاب العربي المعاصر ويخضعه لعملية تحليل صارمة. وينطلق من أن الخطاب العربي المعاصر قد تعرض لرضة نفسية أورثته عصابا جماعيا عربيا، أصابت بشكل خاص النخبة المثقفة. والعصاب هو بالتعريف كل خلل أو اضطراب من طبيعة مَرَضية يصيب الشخصية أو قطاعاً منها نتيجة لتمحورها حول عقدة نفسية. فأما الرضة فهي هزيمة حزيران 67 وأما عقدة الخطاب العربي المعاصر كما سيبين لنا طرابيشي فهي “عقدة التثبيت على الماضي في مواجهة حاضر جارح ” .
الصدمة والرضة
يميز التحليل النفسي بين مفهومين قد يبدوان متقاربين ولكنهما في الحقيقة مختلفان اختلافا بينا: مفهوما الصدمة والرضة. وهما يتشابهان من حيث أنهما يأتيان من خارج الأنا ويتركان أثرا تنبيهيا وتغييرا معينا. ولكن الفارق بينهما كبير. فمحمول الصدمة من شحنة التنبيه ضمن طاقة احتمال الجسم المصدوم، وهي بالتالي قابلة للهضم والتمثل وإعادة التوظيف.
والصدمة، بمعناها الإيجابي هي انكشاف الشرق العربي الإسلامي الذي ظل منغلقا مئات من السنين على عالم جديد مختلف تماما عن عالمه. عالم فيه تقدم علمي ومساواة بين البشر وفصل بين الدين والدولة. هذا الانكشاف أتى مع مدافع نابوليون الذي أيقظ الشرق الغافي وأخبره أن ثمة عالما آخر موجودا بإزائه ومختلف عنه. وقد أدت هذه الصدمة، وفق تعبير طرابيشي، إلى “حركة، بقوة دفع مخارج لها، هي التي عُمِّدت في الفكر العربي الحديث وفي الخطاب العربي المعاصر باسم النهضة”.
أما الرضة فقد جاءت بدورها ايضا كنتاج لدوي القصف. ولكنه هذه المرة ليس دوي قصف المدافع النابليونية، بل “دوي قصف الطائرات الإسرائيلية التي أذاقت العرب في حرب حزيران-يونيو 1967 مرارة هزيمة بدا معها حلواً طعم جميع الهزائم التي مني بها الوطن العربي قطرا قطرا وإقليما إقليما في مواجهة المستعمر الغربي، أفرنسياً كان أم انكليزياً أم طليانياً، على امتداد الحقبة الكولونيالية التي بدأت باستعمار الجزائر عام 1830 وانتهت عمليا ـ مع بعض استثناءات طرفية ـ بفوز هذه الأخيرة باستقلالها عام 1962”.
الخطاب العربي المعاصر، بالنسبة لطرابيشي هو من إفراز الرضة الحزيرانية، بينما الخطاب العربي الحديث أو النهضوي هو من إفراز الصدمة النابوليونية، والعلاقة التي تجمع الأول بالثاني ليست علاقة وصل وتكرار، بل علاقة قطع ونكوص.
فما الذي يجعل، وفقا لجورج طرابيشي، لهزيمة 1967 وحدها، دون سائر الهزائم العربية في الحروب مع إسرائيل، وقع الرضّة ومفعول الرضة؟ يجيب المؤلف أن ثمة أربعة عوامل جعلت هذه الحادثة بمثابة رضة نفسية أورثت المثقفين العرب عصابا ارتداديا. وهذه العوامل هي: أولاً، أنها كانت غير متوقعة؛ وثانيا أن الهزيمة اللامتوقعة لم تكن مغطاة ولا قابلة للتغطية من وجهة نظر الدفاع عن التمامية النرجسية. كانت طعنة صماء للمثال الأنوي العربي، ولم يكن لها صمام أمان لتنفيس ضغطها الذي لا يطاق على عزة الذات القومية؛ وثالثاً، لأن الهزيمة اللامتوقعة واللامغطاة كانت هزيمة متجددة وغير قابلة للتصريف؛ وأخيرا، أن التأويل اللاشعوري لهزيمة 1967 كان هو ذاته تأويلاً ذا مفعول رضِّي.
عبد الناصر وجريمة قتل الأب
كان الاكتشاف الرئيس لفرويد في فترة من الفترات هو الدور الذي تلعبه جريمة قتل الأب وما تخلفه تلك الجريمة من عقابيل نفسية كبيرة على مستوى اللاشعور الجمعي. ويرى جورج طرابيشي أن الرضة الحزيرانية ما كان لها أن تترك آثارها المدمرة لولا ارتباطها بجريمة قتل الأب. والأب ههنا هو عبد الناصر، الذي كانت الهزيمة أساسا هزيمة له “ذلك الأب المعبود المؤمثل الذي أخذ على عاتقه ـ وقد فرش مظلة حمايته على أبنائه من المحيط إلى الخليج “.وأن تكون إسرائيل قد اقتدرت على الأب، وهو بمثل قامة عبد الناصر، فإنه لا يبقى أمام الأبناء، في مواجهة عضوها التكنولوجي المزدرع والكلي السمية، سوى أن يلوذوا بحمى أب أكثر تجذرا في الاستمرارية التاريخية وأكثر ثباتاً في ليل العصور؛ وعلى هذا النحو أخذت بالاشتغال آلية النكوص إلى التراث بوصفه أباً رمزياً حامياً. هذا الأب هو التراث.
ولسوف تشتد الحاجة اللاشعورية بعد عبد الناصر إلى أب حام في المنطقة العربية التي باتت بحكم المستباحة منذ خروج عبد الناصر من مسرح الفعل التاريخي في حالة شبه خصاء وثبوت عجزه عن مواجهة إسرائيل.
هذا الأب المنشود سيكون حتما نوعا من رد الفعل على على هزيمة الأب المخصي وموته، وردة فعل على النهج النهضوي الذي تبناه. وطرابيشي، مثله في ذلك مثل كثرة من القوميين العرب، يعتقد أن عبد لناصر امتداد لروح النهضة. ومن هنا فإلى أين سينكص العصابيون العرب لا شعوريا؟ إلى التراث. ومبدئيا تجلى هذا التراث في إحياء صورة لتركيا العثمانية مخالفة للصورة التي جاء بها مفكرو عصر النهضة الذين ارتكبوا جريمة الانفصال عن تركيا.
من التقدم إلى النكوص
يستنتج طرابيشي مما تقدم أن النكوص هو المفهوم المركزي الذي نتعقل على أساسه الردة التي شهدتها الساحة الفكرية العربية في العقود الماضية التي تلت هزيمة حزيران. السؤال: ما الأشكال النوعية التي تتظاهر بها سيرورة النكوص على صعيد الخطاب العربي المعاصر حول التراث؟ وما الانعكاسات الخاصة على صعيد الإيديولوجيا التراثية لاشتغال هذه الآلية الفاعلة أساساً في الحياة النفسية؟
يجيب طرابيشي على هذا السؤال بعدة أشكال وتجليات للنكوص:
أ – النكوص كإضراب عن النمو
تجلى النكوص عند بعض المثقفين العرب في شكل إضراب عن النمو. وهم بذلك ينكصون كما أسلفنا قبل قليل ليس إلى عصر النصة بل يرتدون عن هذا العصر. وهو يستشهد بأقوال بعض المفكرين العرب الذين يعلنون إضرابهم عن النمو، كقول طارق البشري “إذا كان التطور يرفضني كجماعة فلست من أنصار التطور، وإذا كان التقدم ينفيني ويسحقني كجماعة فإني إذاً لمن الراجعين”.
وتمتد حالة النكوص هذه لتصل إلى حسن حنفي وبرهان غليون الذي ينشد أناشيد المديح في التراث ليس حتى بوصفه عامل مقاومة ثقافية، بل باعتباره قوة عطالة ثقافية، وذلك من حيث أنه “يشكل ثقلاً نوعياً يمنع الجماعة من التحول إلى ورقة في مهب الريح والجريان وراء كل بدعة وصرعة…”
ب – النكوص كإلغاء للذاتية واستقالة من الفعل التاريخي
ويقدم طرابيشي أمثلة كثيرة من مفكرين عرب معاصرين، ولكننا سنكتفي هنا بمثال واحد للمفكر الماركسي اليساري منير شفيق الذي تحول إلى مفكر إسلاموي من طراز رفيع. ففي نصوصه الأخيرة يغيب البشر عن صناعة التاريخ ليحل محلهم الإسلام مجردا. يقول: «أثبت الإسلام أنه قادر على النهوض بالأمة المرة تلو المرة بعد كل كبوة أو نكسة أو هزيمة أو انهيار… فمهما كان الخطب شديداً والهزيمة كبيرة والعدو بطاشاً وماكراً، كان الإسلام قادراً على أن يخرج في الأمة من يقودها ويصلح أمرها ويعبؤها… وبهذا شكّل الإسلام تلك القوة الجبارة التي تزود جسد الأمة بعوامل الدفاع والمقاومة والهجوم… فالإسلام هو الذي يقوِّم اعوجاجها حين تعوجّ، ويشفيها من أمراضها حين تُبتلى بالعلل، ويدفعها للجهاد حين يغزوها الأعداء، وينهضها حين تكبو».
على أن أخطر أشكال النكوص قد يكون النكوص كإحياء للمركزية الأنوية. ولم يسبق قط لمنتجي هذا الخطاب، أي المثقفين العرب، أن مارسوا المركزية الأنوية على النحو المكثف الذي اندفعوا يمارسونها به منذ الرضَّة الحزيرانية. ويكاد يكون من المتعذر على محلل الخطاب العربي المعاصر أن يرصد الأعراض/ الأشكال التي تتجلى بها هذه الممارسة. فهناك المركزية الخالصة، المطلقة، التي تكرر بلا هوادة :أن المنطقة العربية هي «قلب العالم وملتقى عدد من قاراته ومعبر طرقه ومواصلاته»، وأنها «نقطة المركز في العالم»، وأنها «في خضم مركز النشاط العالمي وتوازن القوى العالمية… وعقدة تحقيق السيادة العالمية لكل قوة تحمل مشروعاً لسيطرة عالمية». وبما أن الأمة العربية هي، على هذا الأساس المركزي المطلق، «أمة الأمم»، فمن الحتم أن يكون «مقامها في العالم مقام الأمر والنهي لا التبعية والذيلية»، وأن تكون «الحرب الفذة» التي تخوضها هي «حرب القدر والمصير» لا بالنسبة إليها وحدها بل بالنسبة إلى العالم قاطبة «لتكون أقنوماً أكبر لثورة عالمية عظمى تشمل الشرق والغرب على السواء، وتشرع للبشرية من جديد أبواب عصر إنساني أسمى يحل محل هذا العصر الشقي البائس».
النكوص كارتداد فعلي عن عصر النهضة
باختصار، يقود عدد من المفكرين العرب حملة شعواء من أجل الارتداد بالخطاب العربي إلى ما قبل عصر النهضة العربية. ويتبارى مثقفون عرب في تسديد نصالهم لعصر النهضة. فهذا فكتور سحاب يدمغ عصر النهضة بأنه عصر “الهزيمة التاريخية التي واجهناها في صراعنا مع الغرب على مدى القرنين الماضيين” وإلى جواره الشيوعي السابق منير شفيق يدين عصر النهضة باعتباره عصر “إحلال التغريب الفكري والحضاري محل الإسلام،” ويستنتج أنه “ما لم يقتلع فكر النهضة من جذوره باعتباره منذ المنطلق فكراً رجعياً ومضاداً للثورة ومعادياً للشعوب والإنسانية، فلن تكون هنالك إمكانية لخلاص العالم من الحالة الإمبريالية الراهنة التي هي الاستمرار لعصر النهضة”.
من النهضة إلى الردة
يجد طرابيشي أن الخطاب العربي المعاصر العصابي يدعو بقوة إلى التخلي عن منجزات عصر النهضة في أكثر من مجال، ولكنني سوف اركز على ثلاثة منها:
القطيعة مع الثقافة والتعليم:
مثّل التعليم الحديث بمعناه الديمقراطي المعمم واحدا من أهم الانجازات التي تمخض عنها إقرار البشرية المتحضرة بوحدة العقل البشري، ولئن مثل هذا التعليم في الوقت نفسه العلة النهضوية الأولى التي عقد عليها جميع «زعماء الإصلاح في العصر الحديث» بلا استثناء الآمال الكبار في تجسير الهوة بين التأخر والتقدم، والانتقال من حال الانحطاط إلى حال الحضارة، فإن هذا التعليم الحديث ـ الذي لولاه ما كان للنهضة من معنى ـ هو الذي يُتخذ اليوم، في الخطاب العربي المعصوب، هدفاً للطعن والتجريح بحجة أنه ناتج «تغريب» وعامل «تغريب».
ولا يتردد أحد السلفيين المحدثين، طارق البشري، في أن يدين بجرة قلم ليس فقط كل «من تأثروا بالثقافة الغربية من أبناء البعثات أو مدارس التبشير أو المدارس المحلية الحديثة»، بل كذلك، وبالأصل، «نمو التعليم الحديث» الذي لم يؤد إلا إلى «نمو نزعة التوجه الحضاري للغرب، كنزعة فكرية واكبت الزحف الغربي على الوطن العربي».
القطيعة مع الديمقراطية
رغم كل الرواج الذي باتت تحظى به كلمة «الديمقراطية» في الخطاب العربي المعاصر بعد أن استردت الإشكالية الليبرالية بعضاً من اعتبارها، وبعد أن أضحى الفكر السياسي العربي يميل من جديد، تحت وطأة احباطات المرحلة الثورية التي سعت إلى حل الإشكالية الليبرالية بحرقها، إلى تحميل الدكتاتورية ـ أي مرة ثانية الاستبداد ـ وزر ما قد يجوز تسميته بعصر الانحطاط العربي الثاني، لم يتوان المفكرون العرب المعاصرون عن خوض حربهم الشاملة على جبهة «الديمقراطية» أيضاً من خلال العمل على فك الارتباط بينها وبين «الشورى». وعلى هذا النحو، وانطلاقاً من أن «مصطلح الديمقراطية فلسفة متكاملة لها جذورها وانتماءاتها وكلياتها»، يعلن ممثل بارز للسلفية السياسية تأييده للرأي القائل بعدم جواز الخلط «بين كلمة ديمقراطية، وهي كلمة غربية نعرف كلنا أصلها، وبين كلمة الشورى»، ويؤكد أن «الإسلام لا يقبل هذه الإسقاطات، لا تركيبة اشتراكية اجتماعية، ولا تركيبة ديمقراطية ليبرالية فردية. فالإسلام منظومة متكاملة من المبادئ، لكل مبدأ كثافة معينة، وله حجم معين، وله نسبة معينة في بناء الإسلام الكلي، ولا يجوز إطلاقاً أن نسقط على الإسلام لا مفاهيم شرقية ولا مفاهيم غربية».
وربما كان خير من أفصح عن خطاب فك الارتباط هذا هو قاتل السادات عطا طايل ـ وهو بالأصل من مستهلكي هذا الخطاب وليس من منتجيه ـ عندما قال أمام قضاته: «هذه الكلمة [الديمقراطية] ليست من الإسلام في شيء، لأن الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه، فيستطيع مجلس الشعب أن يقر أي قرار توافق عليه الأغلبية دون الرجوع لكتاب الله… فلفظ الديمقراطية هذا مرفوض لدى المسلمين، ولن يكون لنا منهج إلا كتاب الله: ﴿إن الحكم إلا لله﴾».
القطيعة مع العلمانية
إذا كان هذا شأن «الديمقراطية» الموصولة نسباً بشجرة «الشورى»، فماذا يمكن أن يكون إذن شأن مفهوم مثل «العلمانية» بقي، بالنسبة إلى الإصلاحيين النهضويين، مفهوماً خلافياً، ولم يقيض له أن يحظى من مدوَّنة الفكر الإسلامي الموروث بمفهوم يرادفه أو يُشاكله لينزع عنه، بالتالي، صفة «الوفود» و«الاستيراد»؟
يقول طرابيشي ليس في عداد ممارسي الخطاب العربي المعاصر المعصوب من لم يعد يجترئ على مفهوم «العلمانية» تشكيكاً وتجريحاً وإنكاراً وتبرؤاً في مناسبة وغير مناسبة ويتدافع مفكرون “عقلانيون” بالجملة الآن للتبرؤ من “تهمة العلمانية” كما يفعل برهان غليون، الذي يتهم العلمانية بأنها قد تحولت إلى “أداة قمع اجتماعي وسياسي” ومحمد عابد الجابري الذي وإن كان لا يضع العلمانية في موضع التعارض والتنافي مع الإسلام، فإنه يرى فيها شيئا نافلا لا لزوم له. و يعلنان «الإسلام دين ودولة في آن واحد»، وأن «العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة غير ذات موضوع في الإسلام لأنه ليست فيه كنيسة حتى تفصل عن الدولة أو تفصل الدولة عنها»، وأن «مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات”.
الناشر
رابطة العقلانيين العرب
دار بترا للنشر والتوزيع 2005
