في التحديث والتنوير على الطريقة الزيتونية
قد يكون ما حدث في ندوة عقدتها جامعة الزيتونة بتونس في منتصف شهر آذار /مارس من السنة الجارية عن” التنوير لدى علماء الزيتونة” أمرا عاديّا في اللقاءات العلميّة .فليحمل إن شئت على السجال الفكري بين تصوّر ” محافظ” وآخر “مجدّد” على ما عهدناه في هذا الفكر العربي المغرم بالثنائيّات التي لا مخرج منها(وتسمّى مع ذلك جدليّات !)
وأصل الحكاية لمن لم يعلم بها أن أحد المحاضرين، وهو من أبناء كليّة الآداب وأساتذة الدراسات الحضاريّة العربيّة،طفق يقارن بين موقفي الشيخ العلاّمة محمّد الطاهر بن عاشور و”حجّة المسيحيّة” العلاّمة توما الإكويني في مسألة الردّة.
لا تهمّ تفاصيل المحاضرة وليس مهمّا ما استنتجه الأستاذ الدكتور المحاضر من تقليديّة الشيخ العلاّمة ابن عاشور (فأنّى له أن يخرج عن إرث فقهيّ ضاغط؟) المهمّ أنّه كشف عن حدود التنوير في فكر صاحب “التحرير والتنوير”في سياق فيض من المحاضرات التي مجّدت جميعا هذا العقل النيّر ربّما لبناء تراث تنويريّ معاصر لجامعة أنيطت بها منذ “تغيير السابع من نوفمبر” مهمّة ” بثّ العلم الصحيح والتحديث والتنوير” على ما نقرأ في موقع وزارة الشؤون الدينيّة بتونس مضيفا إنّها”قطب دينيّ بارز يعمل على غرس مفاهيم الاجتهاد والحوار بين الثقافات والأديان”.
ولكن اللاّفت حقّا هو “الحوار” المتنوّر جدّا الذي ووجه به المحاضر( للتنبيه هو دكتور دولة من كلّية الآداب أشرف عليه زعيم “الإنسلاخسلاميّة” (الانسلاخ عن الإسلام) بعبارة الشيخ محمّد الطالبي متّهما بها عبد المجيد الشرفي!)، وملخّص نقد الزيتونيين دار على سبب اختيار موضوع الردّة (هل توجد مواضيع ممنوعة في البحث العلميّ؟) وعن دواعي المقارنة مع توما الإكوينيّ (أليس الفكر الدينيّ عامة يخشى الانسلاخ وتبديل العقائد؟).أسئلة قد تكون مشروعة لو بقيت في حدود الفضول المعرفي ولم تتجاوزه إلى اتهامات ضمنيّة أحيانا وصريحة أحيانا أخرى : لم أعرضت أيها المحاضر عن الحديث النبوي واكتفيت بالقرآن؟ والتهمة هنا واضحة : هذا الدكتور القادم من كلّية الآداب يشكّك في صحّة الحديث الشريف (على كل حال ليست هذه أوّل قارورة كسرت في الإسلام !).
هذا المشكك في تنوير الشيخ المتنوّر أصلا ويقارنه بالعلم المسيحيّ توما الإكوينيّ أصبح مبشّرا بالمسيحيّة ! ليعلم القارئ فقط تفصيلا صغيرا مفاده أنّ حسن القرواشي، المحاضر المعنيّ بالأمر، قد ناقش منذ سنوات أطروحة دكتورا دولة حول المسيحيّة ويشتغل بهذه القضايا. وهكذا انكشف الحق وزهق الباطل إذ أصبحت المسيحيّة تهدّد عقائد المسلمين في عقر منارة “العلم الصحيح” جامعة الزيتونة الوريثة الشرعيّة لجامع الزيتونة المعمور.
لذلك لم ينقص الطلبة الذين كانوا يصفقون كلّما تدخّل أحد شيوخهم من حملة الألسنة الذائدة عن دين الحق ضدّ المبشّر المتستّر إلاّ أن يرفعوا شعار ” اللّه أكبر” حماسة للإسلام وذودا عن دين الحقّ.
ما أثارني في الحكاية شخصيّا أن صاحب المحاضرة ردّ الفعل برصانة فكريّة وأخرى سيميولوجيّة : فقد ردّ، يوم المحاضرة ،على منتقديه مدافعا عن حقّه في الاجتهاد وأعلن على الملإ الكريم المتنوّر أصلا أنّه مناصر للعقل والتفتّح (يقول الشيوخ قديما إيضاح الواضحات من الفاضحات )، أمّا من الغد فقد لبس الشاشيّة التونسيّة تدليلا منه على أنّ عقله الحداثي لا يتناقض مع أصالة لباسه وأن تفتّحه الفكريّ وإلمامه بأديان الآخرين لا يمنعه من أن يكون متصالحا مع هوّيّته العربيّة الإسلاميّة.
ما لا أعرفه هو أيّ الحجّتين، الفكريّة والسيميولوجيّة، أقنعت المنتقدين. الأرجح أنه ظلّ، عند منتقديه، مبشّرا في جبّة باحث في الأديان … والأديان المقارنة تحديدا.
ولكن من المضحكات المبكيات أنّ مثل ردود الفعل هذه إزاء محاضرة عادية بالنسبة إلى العقليّة الجامعيّة التونسيّة تأتي من قلب الجامعة الزيتونيّة التي طُهّرت أو هكذا شبّه لنا لتفخر الدولة التونسيّة بأنّها حصن ضدّ التطرّف والفكر المنغلق وعنوان “للاعتدال والوسطيّة والتفاهم والحوار” وأرجعت لها مكانتها ” لتحقيق المصالحة بين الشعب وهوّيته وردّ الاعتبار إلى الدين الإسلاميّ الحنيف” على ما نقرأ مرّة أخرى في موقع وزارة الشؤون الدينيّة التونسيّة.
هل نبالغ إذا ما قلنا إنّ ما وقع في ندوة الزيتونة مظهر من مظاهر حدود السياسة الدينيّة التحديثيّة في تونس؟ وهل يمكن تحديث الدين ليواكب العصر بشتات من الأفكار البالية ؟ وماذا فعلت الدولة لتكوين نخب مسلمة تؤدّي وظيفة الإصلاح الدينيّ؟ هل ما وقع نتيجة لمسك العصا من الوسط؟
أليست خاصيّة الدولة التونسيّة منذ تأسيسها وبفضل الشخصيّة الاستثنائيّة لبورقيبة هي المراهنة على التحديث حتّى وإن تصادم ذلك مع الحسّ الدينيّ المشترك والذهنيّة السائدة؟ أيمكنها اليوم أن تستأنف سياستها الجريئة التي صنعت هوّيتها وإشعاعها في محيطها العربيّ الإسلاميّ بمبادرات أخرى كالمساواة في الميراث وتغيير نمط تدريس الدين جذريّا مادام الخصوم الإسلاميون بجميع تلويناتهم وشيوخ الفضائيّات المتشدّدون منهم والمعتدلون (إن وجدوا فالأمر نسبيّ !) لن يروا في تونس إلاّ محاربة الدين والحجاب والنقاب ومنع تعدّد الزوجات؟
