الإنجيل برواية القرآن:
مفهوم المسيح في العهد الجديد

من عرضنا السابق للأفكار التأسيسية لمفهوم المسيح في الثقافة التي نشأ فيها يسوع ومؤلّفو الأناجيل ، خرجنا بعدّة مظاهر لهذا المفهوم وهي :
1- الملك الذي مسحه الرب لحكم مملكة إسرائيل .
2-المسيح الداودي السياسي الذي يرسله الرب لجمع شتات المنفيين من آل إسرائيل ، ويعيـد أمجاد دولتهم القديمة ، وينتقم من أعدائهم .
3- المسيح الكهنوتي الذي يُبعث في آخر الأزمنة ليصلح الدين وينشر تقوى الرب مجدداً .
4- المسيح المتألم ، عبد يهوه ، الذي يحمل خطايا الناس و يخلصهم من آثامهم .
فأي من هذه المظاهر كان غالباً على تفكير مؤلّفي الأناجيل ؟ و كيف حاولوا أن يثبتوا أن يسوع هو المسيح ؟ و ما هو موقف يسوع من هذا اللقب ؟ .
في قصص الميلاد لدى كلٍّ من متّى و لوقا تظهر صورة خافتة للمسيح الداودي مـن خـلال توكيد المؤلفين على ابتكار سلسلة نسب تعود بيسوع  إلى الملك داود ، و من خلال توكيدهم على ولادة يسوع في بيت لحم تحقيقاً للنبوءات الكتابية القديمة التي تقول بان المسيح يولد في هذه المدينة لا غيرها ( ميخا 5 : 2 ) ،وقصة الميلاد العذري التي تـعـيد إنـتـاج مـقـطع إشعيا المشـهور ” هـا الـعـذراء تحبل و تلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل. ” ( إشعيا 7 : 14 ). وتبدو صورة هذا المسيح الداودي أكثر وضوحاً لدى لوقا،عندما يضع على لسان الملاك الذي جاء بالبشارة إلى مريم قوله :” ها أنتِ ستحبلين و تلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعـى ويـعـطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد،ولا يكون لملكه نهـاية . ” ( لوقا 1 : 31 – 33 ) .و متّى بدوره يفتتح إنجيله بـالقول:”كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود”، معتبراً النسب الداودي ليسوع مسألة مفروغاً منها منذ البداية.
إلى جانب هذه الشهادات الذي تقدم بها الإنجيلـون أنفسهم بخصوص المسيح الداودي ، فـقد عـمدوا إلى وضع اللقب على لسان الآخرين . ففيما كان يسوع مجتازا ً ” تبعه أعميان يصرخان ويقولان يا ابن داود ارحمنا…حينئذٍ لمس أعينهما …فانفتحت أعينهما ، فانتهرهما يسوع قائلا ً : انظرا. لا يعلم أحد . ” ( متّى 9 : 27 – 30 ) . ” حينئذٍ أُحضر إليه مجنون أعمى وأخرس، فشفاه حتى أن الأعمى تكلم وأبصر . فبُهت كل الجمـوع وقالوا : لعل هذا هو ابن داود . ” ( متّى 12 : 22 – 23 ) . ” ثم خرج يسوع من هنالـك و انصرف إلى نواحي صور وصيدا ، و إذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التـخـوم صـرخـت إليه قائلة : ارحمني يا سيد يا ابن داود ، إن ابنتي مجنونة جداً ” ( متّى 15 : 12 ) . ” و إذا أعميان جالسان على الطريق . فلما سمعا أن يسوع مجتاز صرخا قائلين : ارحمنا يا سيد يـا ابن داود . ” .” و لما اقترب من أريحا كان أعمى جالساً على الطريق يستعطي ، فأخـبروه أن يسوع الناصري مجتاز . فصرخ قائلا ً : يا يسوع يا ابن داود ارحمني . ” ( لوقـا : 18 : 38 – 39 ).
و عندما دخل يسوع إلى أورشليم هتفت له الجماهير على أنه ابن داود : ” والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق ، و آخرون قطعوا أغصـاناً مـن الـشجـر و فـرشوها ، و الجموع الذين تقدموا و الذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين : أوصنّا  ( أوصنَّا أو هوشعنَّا، هتاف للتحية والتمجيد ) لابن داود ، مبارك الآتـي باسم الرب . ” ( متّى 21 : 8 – 9 ) . وفي هذا الموضع يضيف مرقس : ” مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب . ” ( مرقس 11 : 10 ) . أما يوحنّا فيقول : ” مـبـارك الآتــي باسم الرب ، ملك إسرائيل . ” ( يوحنّا 12 : 13 ) .
ويقترن لقب المسيح بلقب ((ملك اليهود)) و ((ملك إسرائيل))، حـيـث يـتـخـذ لـقــب ((ملك اليهود)) طابعاً سياسياً ، و((ملك إسرائيل)) طابعاً دينياً.  و قد استخدم خـصـوم يسوع لقب ((الملك)) أو((ملك اليهود)) بالمعنى السياسي المرافق له. فعندما ألـقى اليهود القبض على يسوع و أتوا به إلى الحاكم الروماني اشتكوا عليه قائلين : ” إننا وجـدنا هـذا يُـفسـد الأمـة ويمنع أن تُعطى الجزية لقيصر قائلاً إنه هو مسيحٌ ملكٌ. فـسأله بيلاطـس قائلاً :أنت ملك اليهود؟ ” ( لوقا 23 : 1 – 3 ) .وعندما صرخ اليهود مطالبين أن يطلق لهم بيلاطس محكوماً بمناسبة العيد . قال لهم :” أتريدون أن أطلق لـكـم مـلـك الـيـهـود ؟ ” ( مرقس 15 : 8 – 9 ) . وعندما سيق إلى الصلب ” كانوا يجثون قدامه ويسـتـهـزئـون به قائلين : السلام يا ملك اليهود.” ( متّى 27 : 29 ) . و عندما رُفع على الصليـب ، كــتـب بيلاطس رقعة و وضعها على الصليب مكتوب عليها يسوع الناصري ملك اليهود.فـقال لـه رؤساء الكهنة : لا تكتب ملك اليهود، بل ذاك قـال أنـا مـلـك الـيـهود . فأجاب بيلاطـس مــا كتبت قد كتبت  ( يوحنّا 19 : 19 – 21 ) . أمـا لـقـب ((مـلك إسرائيل)) فقد استـخدمــه أتباع يسوع بالمعنى الديني المرافق له. قال له التلميذ نثنائيل :” يا معلم أنت ابـن الله،أنــت ملك إسرائيل .” ( يوحنّا 1 : 49 ).
على أن الـسياق الـعام للأناجيـل الأربعة لا يدل على أن يسوع كان ذا مطمع سياسي ، أو أنه كان مطالباً بعرش داود، أو أنه كان يعد لثورة ضد الـحكم الروماني. فعندما حاول قوم من الفريســيين أن يوقعوا به فقالوا له : ” أيجوز أن نعطي جـزية لـقـيصر أم لا؟. فقال لهم : إيتوني بدينار لأنظره ،  فأتوا به. فقال لهم : لمن هذه الصورة و الكتـابـة ؟ فــقـالـوا لقيصر. فـأجاب وقال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر ومـا لله لله.” (  مـرقـس : 12 : 13 – 17 ). وبــعد معجزة تكثير الخبز و السمك : ” قالوا إن هـذا هـو بالـحقيقة النبي الآتي إلى العالم . و أما يسوع فإذا علم أنهم مزمعون أن يأتوا و يختطفوه ليجعلوه مـلـكـاً انصرف إلى الجـبل وحده .” ( يوحنا 6 : 14 – 15 ).
وقد اتسم موقف يسوع من قبول لقب المسيح بالتردد و عدم الـوضـوح ، خـصـوصــاً في الأناجيل الإزائية الثلاثة . فقد كان يُخرس الشياطين الـتي يـخــرجــهــا مــن أجـســــاد الممسوسين عندما كانت تتعرف عليه على أنه المسيح ولا يدعهـا تـتـكـلــم : ” و أخــــرج شياطين كثيرة، ولم يدع الشياطين يتكلمــون لأنـهـم عــرفــوه . “( مرقس 1 :  34 ). “وكانت شياطين أيضاً تخرج من كثيرين و هي تصرخ و تقول : أنـت الـمسيح ابن الله. فانتهرهم و لم يدعهم يتكلمون لأنهم عرفوه أنه المسيح.” ( لوقا 4 : 41 ) . و عندما قـال له بطرس أنت المسيح لم يجبه بنعم أو لا و إنما نهى تـلامـيـذه أن يـقـولـوا لأحد أنه المسـيح : ” و في الطريق سأل تلاميذه قائلا ً لهم : مـن يـقـول الـنـاس أنـي أنـا ؟ فأجابوه يوحنـا المعمدان ، وآخرون إيليا،وآخرون واحد من الأنبياء . فقال لهم وأنـتم من تقولون أني أنا . فأجاب بطرس وقال له : أنت المسيح. فانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه. وابتدأ يعلّمهـم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً ويُـرفض من الشـيوخ ورؤساء الكـهنة و الكتبة و يُقتل ، و بعد ثلاثة أيام يقوم . و قال القول علانية . فأخذه بطرس إليـه و ابـتـدأ ينتهره . فالتفت و أبصر تلاميذه ، فانتهر بطرس قائلا : إذهب عني يا شيطان،لأنــك لا تهتم بما لله، لكن بما للناس.” ( مرقس 8 : 27 – 33 ). إن عتاب بطرس ليسوع هنا ناجم عن سببين ، الأول عدم اعتراف يسوع صراحة بأنه المسيح اليهودي المنـتـظر ، وهي الصورة التي كانت في ذهـنـه تـمـامـاً عندما وصـفـه بالمسيح ؛ و الثاني عدم قبول بطرس لاستبدال فكرة المسيح المنتظر المنتصر بفكرة المسيح المتألم الذي يُرفض من الناس ثم يُقتل . ولـهـذا ثـارت ثـائرة يـسـوع واتـهـمـه بـعـدم الـفـهم وبـأنه يماشي عامة الناس في تصوراتهم عن المسيح .
فإذا انتقلنا إلى إنجيل لوقا في روايته للحادثة نفسها نجد روايته قريبة من رواية مرقس مع حذف اعتراض بطرس: “فقال لهم : وأنتم من تقولون أني أنا؟ فأجاب بطرس وقـال: مسيح الله.  فانتهرهم وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد ، قائلا ً إنه ينبغي أن ابن الإنسـان يتألم كثيراً ، ويُـرفـض من الـشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ، ويُقتل ، وفي اليوم الـثالث يقوم . ”  ( لوقا 9 : 20 – 22 ) . أما متّى فيستبدل المشادة التي حـصلت بين يسوع وبطرس بمديح مطول يوجهه يسوع إلى بطرس بعد اعترافه بـأنـه الـمـسـيـح : ” فـأجاب سمعان بطرس وقال : أنت هو المسيح ابن الله الحي . فأجاب يسوع وقـال لـه : طـوبـى لك يا سمعان بن يونا . إن لحماً ودماً لم يعلن لك ،  لكن أبي الذي فـي الـسـماوات،وأنـا أقول لك أيضاً … إلخ .. حينئذٍ أوصى يسوع تلاميذه أن لا يقولوا لأحد عنـه أنـه يـسـوع المسيح. ” ( متّى 16 : 13 – 20 ). ونحن هنا أمام تناقض واضح لا يمكن تفسيره إلا بأن مقطع المديح هنا هو مداخلة لاحقة من شأنها التخفيف من صدمة القـارئ مـن عـدم رغبة يسوع في توكيد أنه المسيح.
وحده إنجيل يوحنا يضع على لسان يسوع إجابة مباشرة تـفيد قبوله للقب المسيح دون تردد. ففي حواره مع المرأة السامرية عندما طلب منها شربة ماء عند البئر قالت لـه : ” أعلم أن مسِيَّا الذي يقال له المسيح يأتي. فـقـال لها المسيح: أنا الذي أكلمـك هو.” ( يوحنا 4 : 25 – 26 ). وعندما كان يتمشى في رواق الهيكل أحاط به اليهود وقالوا له : ” إلى متى تُعلِّق أنفسنا ؟ إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً .” فقـال لـهـم : ” إنـي قلت لكم ولكنكم لا تؤمنون.” ( يوحنا 10 : 22 – 25 ). ومسيحانية يسوع عند يوحنـا كانت بادية لمن له عينان للنظر . فقد تعرف عليه يوحنا المعمدان عندما نظـره مـقـبلا ً إليه فقال : ” و أنا رأيت و شهدت أن هذا هو ابن الله . ” (يوحنا 1 : 34 ) .  والتلـمـيـذ اندراوس تعرف على يسوع منذ أول لقاء و مضى إلى أخيه سمعان بطـرس وقال لــه: ” لقد وجدنا مَسِيًّا ، الذي تفسيره المسيح . ” وقالت له مرتا أخت لعازر الذي أقامه مـن الموت : ” أنا قد آمنت أنك المسيح ابن الله الآتي إلى العالم . ” ( يوحنا 11 : 27 ).
وفي يوم المحاكمة، عندما كان الكاهن الأعلى أو الحاكم الروماني يسأل يسوع: أأنت المسيح؟ أو:أأنت ملك اليهود؟ كان يتقدم بإجابة غامضـة. وغالـبـاً مـا يـقـول :أنـت تقول ذلك ، أو أنت قلت . نقرأ عند لوقا : ” و لما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب و رؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إلى مجمعهم قائلين : إن كنت أنت المسيح فـقـل لــنـا . فقال لهم : إن قلت لكم لا تصدقون ، و إن سألت لا تجيبوني ولا تطـلـقـونـي . منـذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله . فقال الجميع : أفـأنـت ابن الله ؟ فقال لـهم: أنتم تقولون أني هو.” ( لوقا 22 : 66 – 70 ) . و عند متّى:”فقام رئـيس الكـهنـة و قال له : أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟ فقال له يسوع: أنـت قلت. وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً على يمـيـن الـقـوة وآتــيـاً على سحاب السماء . ” (متّى 26 : 62 – 64 ) . مرقس وحده بين الإزائــين جـعــل يسوع يجيب رئيس الكهنة إجابة مباشرة: ” فسأله رئيس الكهنة أيضاً وقـال له : أأنــت المسيح ابن المبارك ؟ فقال له يسوع : أنا هو . و سوف تبصرون ابن الإنسان جالسـاً عن يمين القوة و آتياً في سحاب السماء.” ( لوقا 14 : 61 ). على أننا هنا يجـب لا أن نقلل من قيمة شهادات مخطوطات قديمة لإنجيل مرقس تضع على لـسـان يـســوع الإجابة الغامضة : ” أنت تقول ذلك ” . الأمر الذي يدل على وجود لمسـة تحـريرية لاحقة على إنجيل مرقس في هذا الموضع.
بعد استجواب يسوع في دار رئيس الكهنة واتهامه بالتجديف ، يجري تقييده وسوقـه إلـى الـحـاكـم الـروماني بـيـلاطُـس . وفـي دار الـولايـة يـجري الـحـوار نـفـسـه بـيـن بيلاطس ويـسـوع . نقرأ في إنجيل متّى : “فوقف يسوع أمام الوالي، فـسـأله الوالـي قائلاً:أأنت ملك اليهود؟ فقال له يسوع : أنت تـقـول.” ( متّى 27 : 11 ). ونـقـرأ في إنجيل مرقس:”فسأله بيلاطس : أأنت ملك اليهود ؟ فقال له يسوع :  أنت تقول” ( مرقس 15 : 2 ). ونـقـرأ فـي إنـجيـل لوقا : ” فقام كل جمهورهم و جاؤوا به إلى بيلاطس قائلين: إننا وجدنا هذا يُفسد الأمة ويمنع أن تعطى جزية لقيصر قائـلا ً إنـه هـو مـسـيـحٌ ملكٌ . فسأله بيلاطس قائلاً: أنت ملك اليهود ؟ فأجابه وقال : أنت تقول ذلك.” ( لوقا 32 : 1 – 3 ) . في إنجيل يوحنّا يعطي يسوع إجابة أكـثـر تـفصيلاً: ” ثم دخل بيلاطس إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له : أنت ملك اليـهـود ؟أجـابــه يسوع : أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني ؟ أجابـه بـيـلاطـس ألـعـلّـي أنـا يهودي ؟ أمتك ورؤسـاء الكـهـنة أسلموك إلي . ماذا فعلتَ ؟ أجاب يسوع : ممـلكتي ليست من هذا العالم .لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خـدامـي يجـاهدون لـكــي لا أسلم لليهود . ولكن الآن مملكتي ليست من هذا العالم . فقال له بيلاطـس : أفـأنـت إذاً ملك ؟ أجاب يسوع : أنت تقول إني ملك . لهـذا ولـدت أنا ، ولهذا قد أتـيت إلـــى الـعـالم لأشـهد لـلحق . كل من هو من الحق يسمع صوتي . فقال له بيلاطس : ما هو الحق . ولـمـا قـال هـذا خرج إلى اليهود وقال لهم :  أنا لست أجد فيه علة واحدة . ” ( يوحنّا 18 : 33 – 40 ).
نلاحظ من قول بيلاطس ، قي المقتبس الأخير من يوحنَّا ، لليهود ” أنا لست أجد فـيـه علّة”، أن إجابة يسوع عن سؤال الآخرين عما إذا كان المسيح أو ملك اليهود بقولــه : ” أنت تقول ذلك”، لا تتضمن معنى الموافقة بأي حال من الأحوال ، لأن بـيـلاطـس خرج من جلسة الاستجواب و قال لليهود: ” لست أجد فيه علّة ” ، والحقيقة هي أن بيلاطس لو استشف الموافقة من يسوع و قبوله للقب المسيح أو ملك اليهود لاتـهـمه بيلاطس بالشغب السياسي وعـدم الولاء للامبراطور .  ولكن مجرى سير المحاكمة وهـزالة الأدلة التي قدمها اليهود على قيام يسوع بالتحريض السياسي ، قد أوضحت عدم وجود أساس لهذه التهمة . فلا الأدلة كانت كافية لإدانتـه ،  ولا إجـابـاتـه عـلـى أسئلة الكاهن الأعلى والحاكم الروماني كانت كافية أيضاً . فإجابته المقتضبة ” أنـت تقول ذلك ” إنما تضمر جملة أخرى بعدها هي ” لا أنا ” . وهـذا مـا دعـى بيلاطس إلى التعاطف معه ومـحـاولـة إخـلاء سبيله . ففي روايات الأناجيل الإزائية الثلاثة ،  إلى جانب رواية يوحنا ، ، يقول بيلاطس أنه لم يجد في الأدلة ما يستوجـب الحـكـم على يسوع .  يقول لوقا : ” فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب وقــال لهم : قد قدمتم إلي هذا الإنسان كمن يفسد الشعب . و ها أنا قد فحصت قدامكم ولــم أجد في هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه . ” ( لـوقا : 23 : 13 – 14 ) . ويـقـول مرقس : ”  فقال لهم بيلاطس : وأي شـر عمل ؟ فازدادوا جداً صراخاً : اصلبه. ” ( مرقس 15 : 14 ) . ويقول متّى:”فقال لهم بيلاطس : فماذا أفعل بيسوع الـذي يُدعى المسيح ؟ قال له الجميع :  لُيُصلب . فقال الوالي : وأي شـر عَـمـل ؟ فـكانوا يزدادون صراخاً قائلين :  ليُصلب . فلما رأى بيـلاطـس أنـه لا يـنـفـع شـيـئـاً ، بل بالحري يحدث شغباً ، أخذ ماءً و غسل يديه قدام الجميع قائلا ً : إني بريء من دم هذا البار، أبصروا أنتم . فأجاب جميع الشعب وقالوا : دمه علينا وعلى أولادنا .” ( متّى 27 : 22 – 25 ).
والآن. كيف نفسِّر تردُّد يسوع في قبول لقب المسيح، وما هي مضامين هذا اللقب بالنسبة إليه؟ هذا ما سوف نبحثه في الحلقة القادمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This