فتنة، نظرة للعالم بعين واحدة

لا يمكن اعتباره فيلما بالمعنى الفني أو التقني للكلمة، بل إنه عبارة عن شريط مجمّع من عدة مقاطع موجودة هنا وهناك، قام المخرج أو صاحب الشريط، بدمجها معا، لتشكل وجهة نظره في الإسلام.

وإن كان له كل الحق في تقديم وجهة نظره بالطريقة التي يراها مناسبة، فإن للجميع أيضا الحق في تقييم رؤيته ومعالجته للقضية التي تهمه. وهي مستقبل أوربا ، أو حسب رأيه ، الخوف من أسلمة أوروبا .


سأتناول الشريط الذي بثته العديد من المواقع الالكترونية، من وجهتيْ نظر: الأولى فنية، والثانية فكرية.


من الناحية الجمالية للكاميرا ـ والسينما مهما كان موضوعها ، لا بد أن تحمل بعدا بصريا جماليا ـ فالفيلم يعتبر صفرا … صحيح إنه يعالج موضوعا حساسا ، ولكن مهما كانت قسوة الفيلم ، فالضرورة الفنية ، تتطلب عناء ما من صناع السينما .  فعلى سبيل المثال ، يعتبر فيلم “آلام المسيح” فيلما قاسيا ، أنا شخصيا ، لا أستطيع مشاهدته لمرة ثانية ، وقد أجبرت نفسي على مشاهدته مرة أولى ، ولكنه يعتبر فيلما بكل معنى الكلمة ، كتعريف تقني وفني للفيلم ، ومع قسوته ، ومشاهد التعذيب وآثار الدم وانغراز الأشواك في رأس المسيح … إلا أن الفيلم لم يتنازل عن الجمال لصالح قسوة الفكرة ، ثمة معالجات بصرية جمالية للكاميرا ، أما صاحبنا ، السيد جيرت فيلدرز رئيس حزب الحرية اليميني في هولندا ،  فهو لم يرهق مخيلته ، سوى بتجميع مشاهد جاهزة ، وفبركة مشاهد أخرى لا تتسم بأي قيمة فنية . ولو أنه استشار أولي الأمر ، أي أبناء صناعة السينما ، ربما لكان لتأثير فيلمه الجمالي ، دور في توصيل فكرته. .                                                                                                             
لم يستطع الشريط تجاوز مهنية قناة الجزيرة في تأطير الفكرة ، والاشتغال على المركزية ذاتها ، وإهمال كل الأطراف الأخرى التي تغني الفكرة ذاتها .
فالشريط أخذ وجهة نظر واحدة في الإسلام والمسلمين، و تناسى عمدا، الفئات الأخرى من المسلمين، التي تشكل أغلبية المسلمين الحاليين. فليس كل من هو مسلم ،  ناسخا لصورة ابن لادن أو الزرقاوي ، ثمة مسلمون يعانون من إسلامهم ، وثمة مسلمون يشككون في الإسلام ، وثمة علمانيون ، مجبرون على حمل ” هلال ” الإسلام كهوية مفروضة عليهم من الآخر ، مسلمون معتدلون ، أكاديميون ومتعقلون  ، وثمة مسلمون بسيطون ، يصلون ويصومون ، بهناءة وسلام ، دون أن يزعجوا الآخرين …

بالتأكيد أنا لا أدافع عن الإسلام ، ولا أتبناه ، ولكني لا أدفن رأسي في التراب ، نعم ثمة تحريض على العنف في مواقع عديدة من النصوص ، وخاصة تلك التي اقتطعها ، باستنسابية موفقة ، صانع فيلم فتنة . ولكن جوهر الإسلام كدين سماوي، يختلف عن المسلمين المسيطرين على الإسلام، وإصرارهم على السعي به نحو مواقف التطرف، وفرض إسلامهم على العالم.


قد أتفق مع جيرت فيلدرز على الدعوة لوقف أسلمة أوربا ، بل والعالم ، ولكن طريقة طرحه الاستفزازية ، اللاغية للآخر ، والواضعة لكل ما هو مسلم ، في سلة  واحدة ، هي طريقة عاجزة فكريا ، ولن تخلق سوى الضرر والانتقام ، أما لو تنازل عن إقصائه للآخر ، متبعا الطريقة نفسها التي يستخدمها من يحاربهم ، ويطالب باجتثاثهم ، ولو أنه أشرك في عمله بعض الوجوه الإيجابية من المسلمين … ربما لكان عمله أكثر انفتاحا على الآخر ، وأكثر قابلية للحوار. لكان قد أثار بعض الأسئلة، وفتح بوابات النقاش وإعادة النظر برصانة، لا بفوضى لا تخلو من العنف.


لا شك أن ثمة ضرورات كبرى لمواجهة التطرف الديني، وأن ثمة الكثير من النصوص التي ينبغي إعادة ترجمتها ضمن متطلبات الواقع الحديث، كما تفعل تركيا حاليا، وثمة قضايا يجب التصدي لها دون تردد، كقضايا القتل. لا شيء يبرر قتل إنسان بسبب اختياراته ، ولكننا لا يجب أن نصور مستقبل العالم ، برؤوس مقطوعة ، ووجوه مشوهة ، وأجساد معلقة … إن هذه النظرة هي احتقار للعالم ، والطاقات الإنسانية  الدؤوبة على التغيير ، التغيير بأناقة ورقي ، لا بهمجية . وهذا ما حمله الفيلم، همجية في الرؤية، تعادل همجية المتطرفين أنفسهم، فكان كلا الطرفين يدور في الحلقة ذاتها: الإسلام المتطرف الداعي للقتل واستئصال الآخر، والمخرج المتطرف الداعي لقتل هذا الإسلام، واستئصاله. فهل ينجح أحدهما في استعمال الوسيلة ذاتها ؟


المشكلة أن الطرفين معا ، المسلمين المتطرفين ، ومنتقد هذا الإسلام ، قد أوغلوا في السياسة على حساب الفن ، وعلى حساب الفكر ، فإذا كان المسلمون قد آذوا الإسلام بفصله عن الاجتهاد والتجديد الفكري ، ووقفوا في عصر الرسول ، فإن الكثير من السياسيين المتطرفين ، قد فصلوا السياسة عن الفكر ، وسمحوا لأنفسهم بزج الفن في حظيرة السياسة .


لا يمكن القبول بنصوص تشريع القتل واستئصال الآخر ، ولكن ، في الوقت نفسه ، لا يمكن القبول ، بقتل الفن على معبد السياسة البراغماتي .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This