حوار مع المفكّر جورج قرم(1/2) : الاعتقاد بأنَّ هناك تضامناً إسلامياً عبر القوميات المختلفة هو ضرب من الخيال – الحضارات ليست كيانات سياسية حتى تتصارع
ينطلق المفكر السياسي والخبير الاقتصادي اللبناني جورج قُرم في مقاربته للظواهر السياسية والثقافية والتاريخية في العالم العربي من نفي مقولة صراع الحضارات، ومن رفضه عزل الدّين عن العوامل السّياسيّة والتّاريخيّة افاعلة فيه، والتي يتمّ من خلالها توظيفه. وهو يؤكّد، خلافا لعدد كبير من المفكرين- أن الشرخ القائم بين الشرق والغرب هو أسطوري الطابع، يُغذّيه السادة السياسيون ومثقفو السلطة…
{{حول المسألة الدينية}}
{{>تؤكد في كتابك الأخير “المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين” أنَّ انهيار الإيديولوجيات العلمانية المكرّس باختفاء الماركسية فتح الباب أمام عودة المفهوم الديني، هل نستطيع القول ـفي هذا الإطارـ إن ظهور نظريات وضعها مفكرون أمثال “فوريه” و”فوكوياما” و”هنتنغتون” اعتمدت النظرة الدينية للعالم وأفرزت مقولات كثيرة كان أبرزها “نهاية التاريخ” و”صراع الحضارات”، تؤكد عودة الدين ومن ثم توظيفه في مقولات إيديولوجية لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية واستراتيجية؟}}
>نعم. لا شك عندي أنَّ مقولة عودة الدين لا تعكس إلا أهدافا ومآرب سياسية، لأنَّها في الأصل سخيفة ، فالدين لم يختفِ من حياة الإنسان منذ بداية الإنسانية ولن يختفي مستقبلاً، لأنَّ حاجة الإنسان إلى تصوُّر ما يحصل بعد الموت يطوِّر العقائد الروحية الدينية المختلفة. فإذاً لا معنى لطرح عودة الدين إذْ لم يختفِ من حياة البشرية ولن يختفيَ مستقبلاً. وهذه المقولة تعتمد على انخفاض مستوى التديُّن أو ممارسة الشعائر الدينية في أوروبا، وهي أصغر قارة في العالم ولا تأخذ في الحسبان استمرار حيوية الممارسة الدينية في كل المناطق الأخرى من العالم، من أميركا الشمالية والجنوبية إلى شرق آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا.
أما ما هو متغيِّر، فهو حياة الأديان نفسها والعقائد الدينية حسب التطور الذي يحصل في المجتمعات المختلفة التي تؤمن بعقيدة دينية ما. فبالرغم من كل الجهود، هناك باستمرار طرق مختلفة ومتغيِّرة في الإيمان والممارسة الشعائرية ضمن الديانة الواحدة.
والديانات، عندما تتأسس في المجتمعات، تمر بمراحل مختلفة وتنشطر إلى مذاهب مختلفة وأحياناً متناقضة أو تتفاعل مع عقائد أخرى. وإذا أخذنا الديانات التوحيدية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وهي ديانات ليس لديها المرونة الكبيرة كما البوذية والهندوسية أو الكنفوشية، لأنَّ التوحيد له نظرة رسولية ومخلِّصية عبر الإيمان بالإله الواحد، فإنَّها تغيَّرت عبر التاريخ وعرفت الانشقاقات، بلْ والحروب والفتن بين أهلها وتغيَّر وجهها كثيراً في السنوات الخمسين الماضية تحت تأثير عوامل سياسية عديدة أعادت وجهاً أصولياً متشدداً إليها بدلاً من الوجه المتسامح الأكثر تقليدياً.
ومن الأسباب التي يمكن أن نذكرها بشكل سريع هنا، وهي التي تقف وراء ظاهرة عودة الدين:
–مكافحة الشيوعية ونفوذ الإتحاد السوفياتي، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وانتشار الشيوعية في العالم الثالث كإيديولوجيا علمانية الطابع. مع ذكر كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة مع كنيسة روما وبعض الدول الإسلامية لتمويل تنامي الجماعات المتشدِّدة دينياً في كلٍّ من الإسلام والمسيحية.
–بروز الحركة الصهيونية وتوظيفها في الهيمنة الإستعمارية البريطانية على المنطقة العربية وكسبها هي هيمنة على اليهودية بعد حصول المحرقة في أوروبا على أيدي النظام النازي، وإقامة دولة إسرائيل كدولة تدّعي تمثيل كل اليهود في العالم والتأثير على مواقفهم السياسية.
–انكسار حركة القومية العربية أمام القوة العسكرية الإسرائيلية واتجاهها نحو نوع من الراديكالية الماركسية الهوى، عبر بروز التنظيمات الفلسطينية المسلَّحة ومن ثم صعود الصحوة الإسلامية برافديْها: العربي ـ الخليجي والفارسي الذي تجسَّد بالثورة الإيرانية وإقامة نظام جديد سُمِّي بولاية الفقيه.
أما المصدر العربي ـ الخليجي، فقد أخذ طابعاً اتنشارياً كبيراً بفضل الأموال النفطية وتراجع الحركة الناصرية وحركة القومية العربية وعمل هذا الإتجاه أيضاً على مكافحة الشيوعية والعلمانية التي أصبحت تعني، ولو بشكلٍ مخالف لطبيعتها، الإلحاد. وقد تم في هذا الإطار تجنيد آلاف من الشبان العرب للقتال في أفغانستان ضد الاحتلال الروسي.
وقد تم أيضاً في نفس الفترة التاريخية إنشاء مؤتمر الدول الإسلامية لتحقيق التضامن الإسلامي في النظام الدولي كبديل للقومية العربية الراديكالية الطابع. وهذا التطور عكس أيضاً تراجعاً كبيراً في نفوذ الجمهوريات العربية وعلى رأسها مصر وصعود نفوذ الملكيات وبشكل خاص المملكة العربية السعودية بإمكانياتها المادية الكبيرة الناتجة عن تصديرها للنفط وزيادة أسعار الطاقة.
هذه لمحة سريعة جداً عن العوامل السياسية الموضوعية والتاريخية التي لا علاقة مباشرة لها بالدين، إنَّما تم توظيف الدين لمآرب سياسية وجيوبوليتيكية.
{{>بما أنك ترفض مصطلح “صراع الحضارات أو الأديان” الذي طرحه هنتنغتون على اعتبار أنّ الصراع هو أساس العلاقة بين الغرب والإسلام، ما سمات “الأصولية المسيحية” التي تعتقد بأنها صاغت هذا المصطلح مبشِّرة بحروب دينية جديدة؟ وهل أنت مع مصطلح “حوار الحضارات” الذي طرحه عدد من المفكّرين كرد على هنتنغتون؟}}
>لقد قلْتُ مراراً وتكراراً وكتبْتُ أنَّ المسألة ليست مسألة حوار حضارات لمنع صدام الحضارات لسببيْن أساسييْن:
أولاً:
الحضارات ليست كيانات سياسية وإرادة موحَّدة عبر دولة و جيش، وذلك على خلاف الدول التي لها لغات وثقافات وأهواء مختلفة، وليس هناك من دولة إسلامية واحدة ولا دولة مسيحية واحدة ولا دولة بوذية واحدة، وإنْ كان يميل الغربفي اتجاه مثل هذا التوحيد عبر الإتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي العسكرية الطابع وخطابه السياسي السخيف الذي أصبح يضع عبارة “قيم يهودية مسيحية” لكيْ يضفي شرعية على سياسة الولايات المتحدة الهجومية تجاه العالم وحبها للسيطرة الإمبريالية الطابع.
مما يساعد على إقناع العالم بأنَّ هناك حضارة مسيحية غربية تقوم حصراً على قيم “يهودية مسيحية”. وهذا أيضاً سخيف للغاية حتى من المنظور الديني إذْ أنَّ المسيحية برزت وانتشرت وولَّدت المؤسسات الدينية الطابع متخطية اليهودية، بلْ مضطهدةً لخصائص هذه الديانة التي زَمَّت بشكل كبير. ولسوء الحظ أنّ بعض الحكومات العربية والمثقفين تحمَّسوا لفكرة مماثلة للفكرة الغربية حول الحضارات، وكأنَّ الحضارة تُختصَر فقط بالديانة، فأصبحوا ينشرون أدبيات حول القيم العربية الإسلامية كنقيض أو كمنظومة مختلفة تماماً عن المنظومة الأخرى.
ثانياً:
إذا قبلنا بمبدأ حوار بين الحضارات لمنع الحرب فهذا يعني أنَّنا نقبل بأنَّ الدين أو الثقافة بمكوِّنها الديني والدنيوي هي سبب الحروب والعنف وهذا أيضاً سخافة نادرة لأنَّ ما يولِّد العنف هو الوجه الشرير للطبيعة الإنسانية الذي يحب التوسع في الهيمنة على أراضي وخيرات ومصير الشعوب، بلْ الديانات في معظم تعاليمها تدعو إلى الانضباط والأخلاق والتسامح وليس الدين بذاته هو مصدر العنف بل توظيف أهل السلطة للعقيدة الدينية وتحريفها في كثير من الأحيان لإثارة الفتن والحروب.
وفي نظري أن الوقوع في فخ حوار الحضارات يحول دون النظر إلى القضايا الموضوعية والدنيوية التي تسبِّب حالة العداء الحالية بين العرب والمحور الأميركي الإسرائيلي الأوروبي، أيْ احتلال الأرض كما في فلسطين والعراق وأفغانستان (وهي دول مسلمة) وقمع الشعوب المحتلَّة والسيطرة على حياتهم اليومية ووصف أعمال المقاومة الشرعية بأنَّها إرهاب.
هذا بالإضافة إلى تطبيق القانون الدولي بمعايير مزدوجة، تماماً عندما يتعلّقَ الأمر بإسرائيل فهي تصبح فوق القانون وعندما يتعلَّق بدول عربية أو دول إسلامية أخرى فهي تطبَّق بانحراف خطير في تفسيرها وباستعمال أبشع الوسائل العسكرية والاقتصادية مثل الحظر الاقتصادي المجرم الذي طُبِّق على الشعب العراقي على مدى 13 سنة وأفقره وجعله في حالة بائسة التي هو فيها تحت الاحتلال الأميركي.
هذه هي القضايا الجوهرية والأساسية التي يجب مناقشتها وليست قضايا تتعلق بالقرآن أو بالإنجيل أو بالتوراة أو بثقافة الحياة وثقافة الموت كما درجت العادة مؤخراً.
{{>يرى البعض في دعوتك إلى استعادة روح الحضارة العربية الإسلامية التي مارست التعددية الدينية والإثنية، ونبذ الصورة التي تقدِّمها الحركات الأصولية عن الإسلام كدين مغلق وغير متسامح، وإنهاء المؤسسات القائمة على توجهات إقليمية أو دينية، وصوغ “إنسانوية” علمانية بديلة لحرب الحضارات، نوعاً من التصور الطوباوي للحل، في حين يرى الآخرون بأنَّك تقدِّم حلاً ناجحاً للمسألة الدينية وإشكالياتها المعاصرة في القرن الحادي والعشرين، ما ردك على ذلك؟}}
> نعم. إنَّ التوجُّه طوبائي الطابع في الظرف الراهن لكن لا بدَّ للإنسان الذي يعي استغلال الدول الغربية للإيديولوجيات الشمولية والأصولية التي تأخذ الطابع الإسلامي أنْ يأخذ الموقف المناسب حمايةً للدين نفسه وحمايةً للمجتمعات العربية. ذلك أنَّ ما سُمِّي بالصحوة الإسلامية لم يملأ بتاتاً الفراغ الذي تركه تراجع الشعور القومي العربي ولم يؤدِّ إلى أي نوع أفضل من الدفاع عن الأمة والتضامن بين الأقطار العربية المختلفة ولا لمزيد من اللحمة داخل المجتمعات القطرية.
بلْ إنَّ مشهد الساحة العربية والتمزق والتوترات وأعمال العنف التي تصيب أقطارا عربية مختلفة باسم الدين: كل ذلك مؤشِّر واضح وموضوعي على أننا سائرون على الطريق الخطأ، خاصة وأنَّ الاعتقاد بأنَّ هناك تضامناً إسلامياً عبر القوميات المختلفة (عربية، إيرانية، تركية، باكستانية، إندونيسية…) لهو ضرب من الخيال التام؛ فتعاطف المسلمين في العالم مع قضية الشعب الفلسطيني وتحرير القدس من الاحتلال الإسرائيلي، لم يؤدِّ بحكومات الدول الموصوفة كإسلامية إلى أي نوع من الوقفة الفعالة ضد الاستعمار والصهيونية.
بلْ نرى في معظم الأحيان أنَّ الحكومات التي تظهر أكبر السهر على الشخصية الإسلامية والقضايا الإسلامية بالكلام هي المتحالفة أساساً مع الولايات المتحدة في السياسة الدولية. وأنا أعتقد أنَّ السكوت على مثل هذا الوضع والرضوخ الفكري لهذا التناقض الصارخ هو موقف مدمِّر في صراعنا كعرب مع المحور الأميركي ـ الإسرائيلي.
أضف إلى ذلك أنَّ وجود مذاهب إسلامية مختلفة وفي حالة تصادم سياسي كما تشهده الساحة العراقية بشكل دموي أو الساحة اللبنانية من حيث التوتر السياسي الكبير والأزمة الدستورية الخانقة التي يتخبط فيها هذا البلد، يفرض علينا تحييد الدين من الصراعات على السلطة، وإقامة أنظمة لا تسمح بزج الدين في الحياة السياسية الداخلية أو مذهب من مذاهب الديانة الإسلامية في الحياة السياسية الداخلية، خاصة لدى الأقطار العربية التي تتعايش فيها مذاهب إسلامية مختلفة.
ويجب أن نصل في العالم العربي إلى حالة من الرقي السياسي بحيث لا يُعْطى أي أهمية إلى الهوية المذهبية للأشخاص الذين يتولون الحكم (فإنَّ الهوية المذهبية أو الدينية في حال وجود طوائف غير إسلامية ليست هي المهمة، بل المهم هو عدالة وصوابية السياسة التي تمشي عليها النخبة الحاكمة أكان في السياسة الخارجية أو في السياسات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية في كل قطر عربي).
