العالم الإسلامي وتحديات العولمة والحداثة.

يعتبر مؤلف هذا الكتاب تحدي التجديد الديني من اكبر التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية، ويرصد ما يقارب مئة عنوان في تجديد الخطاب الديني عربيا، فالتجديد الديني قديم يرده البعض إلى المنطلقات الاستشراقية إلا أن أمين الخولي يذهب إلى أن التجديد بدأ منذ القرن الثالث الهجري. وتسود ثلاثة تيارات فكرية إسلامية أولها يرى في القرآن كل الإجابات وثانيها يقول بتاريخية النصوص وضرورة الاجتهاد وثالثها يقول بالفصل بين الدين المقدس والفكر الديني الإنساني. لكن ما طبيعة التجديد الديني الذي نريد؟ وكيف نتعامل مع فوضى الفتاوى؟ وكيف نتعامل مع الفوائد البنكية وقضايا الاستنساخ؟

بحثا عن الجواب يستعرض الباحث بعض القراءات الحداثية ومثالبها وعيوبها، وكان أكثرها فجاجة كتاب “الفرقان الحق” الذي يكشف عن فضيحة تورط مسؤولين أمريكيين في تأليف قرآن “طبيعي” أو مصحف الديانات الثلاث كما يسمى، وهو مكتوب بلغة فصيحة، ومؤلف من سور وآيات، ويحاول تقليد البيان القرآني، ومنسوب للمصري الدكتور أنيس شوروش المعروف بعدائه للإسلام وقد جعل “فرقانه” في سبع وسبعين سورة وجاء باللغتين العربية والإنكليزية!

ويرى الباحث (متفقا مع المفكر المغربي طه عبد الرحمن) إن القراءات الحداثية للقرآن أعادت إنتاج الفعل الحداثي الغربي في تفاعله مع الكنيسة من حيث انه يجب الاشتغال بالإنسان لا بالإله، و انه يجب التوسل بالعقل وترك التوسل بالوحي وانه يجب التعلق بالدنيا وإهمال الآخرة. تتبع هذ القراءات آليات لها أهداف تتبع خططا مثل “خطة التأنيس” وغايتها رفع عائق القدسية ونقل الإلهي إلى البشري (كحذف عبارات التعظيم). كما ترمي إلى رفع عائق الغيبية بكل وسائل النظر التي توفرها النظريات الحديثة (خطة التعقيل) وترمي إلى جعل القرآن نصا مثل أي نص آخر كالاكتفاء من الوحي بجانبه المعنوي أو الشعري، أو بنسب القرآن إلى العقل الأسطوري لا إلى العقل الاستدلالي المنطقي، واعتباره شاهدا تاريخيا على طور من الوعي الإنساني لا بد من تجاوزه. كما إن هناك خطة ثالثة اسمها “خطة التاريخ” وغايتها أبطال مفهوم الحكم وإلغاء أزليته وثبتويته بوسائل منها إدخال التاريخية على آيات الحدود وآيات العبادة وصولا إلى حصر القرآن في أخلاقيات الفرد، ونسف شعائرية الدين، وجعله عنصرا اجتماعيا وتاريخيا.

وينتقد الباحث الخطاب التقليدي السائد الموقوف على التحذير من النار والترغيب في الجنة ويدعو إلى تأهيل علماء واعين أكفاء مبشرين لا منفرين، لبلورة المشروع الاجتماعي والسياسي بما يناسب المشروع لمجتمعي.

ويبحث في تحدي الإصلاح السياسي والمشاريع التي استهدفت إصلاح الوطن العربي سياسيا وفي أوائل 2004 مثل المبادرة الدانمركية التي لم تتجاوز سقف التصريحات، والمبادرة الألمانية التي تجنبت وصف الإسلام بعدم قابلية الحداثة منعا للاستفزاز، والمبادرة الأوربية التي ركزت على مسائل الأمن والحوار وتنظيم ندوات إعلامية لدول الشرق الأوسط، والمبادرة الأميركية التي قدمت مشروع الشرق الأوسط الكبير وحددت أولويات تشجيع الديمقراطية وبناء مجتمع المعرفة وتوسيع الفرص الاقتصادية ومراجعة المناهج الدراسية وتمويل الأحزاب الداعية إلى التحديث. لكن غاية هذه المشاريع لا تتجاوز حماية المصالح الأميركية الأوربية و القيام بتجميلات ليبرالية “لتمدين البرابرة” المسلمين. كما يستعرض الباحث مشاريع استهدفت الأمة الإسلامية مثل مشروع مؤسسة راند المتعالق مع الاستراتيجية الأميركية الساعية لبسط نفوذها، وقد كلفت شيرل بينارد زوجة زلماي خليل زاد بكتابة وثيقة المشروع الداعي إلى تأييد الحداثيين، ووضع العلمانية في اتجاه معاكس للحداثة حتى لا يأتي بالتأثير السلبي على الشباب المسلم ودعم الثقافة المدنية ودعم التقليديين ضد الأصوليين ومنع الطرفين من التقارب ومعارضة الأصوليين والتأييد الانتقائي للعلمانيين. ويرى الباحث إن ثمة مصالح متقاطعة لأميركا وأوربا مع الحركات الإسلامية لا تخلو من مخاوف متبادلة.

مهما يكن فأن الباحث يعتبر إن أسّ المشكلة هو في افتقار القرار العربي إلى المقدمات النظرية الصحيحة والمرجعية الصارمة وعدم معرفة المجتمع ولهذا كان فاسدا في نتائجه أيضا ويؤكد إن الإصلاح السياسي من الداخل ليس سوى مقدمة للإصلاحات الأخرى.

في تحدي التنمية الاقتصادية، يقف الباحث مع تقارير التنمية العربية، مشيرا إلى قول سعد الدين إبراهيم بأن أحداث أيلول أعطت الحافز الاستراتيجي لأميركا للحركة ضد الأنظمة العربية بينما أعطاها تقرير التنمية العربية المبرر المعنوي لهذا التحرك. المشكلة أن منظور التعامل مع مفهوم التنمية هو منظور غربي يتجاهل العامل الإسرائيلي في تأثيره على التنمية سلبا (التقرير الأول 2001)، المفهوم الغربي يتجاهل البعد الغيبي والأخلاقي، من خلال تنمية بعد الإنسان الروحي والوجداني بدلا من تشجيع الاستهلاك والإنتاج.

يرى الباحث أن التقشف هو المخرج لإنقاذ الإنسانية من أزمتها البيئية والاجتماعية والثقافية والبيولوجية وأن جذور الأزمة تكمن في بنية الليبرالية والرأسمالية المشبعة بالروح الفاوستية، فالدين يبني سلطة داخلية ذاتية تربط الإنسان بغايات كبرى تتجاوزه إلى ما بعد الموت. ثم يمضي إلى مفهوم العولمة وتأثيره على التنمية مشيرا إلى أن العولمة الحالية تجازوت امتلاك الموارد إلى التمحور حول الإعلام والمعرفة والاقتصاد اللامادي الذي سحب السجادة من تحت أقدام الدولة الوطنية والحدود الجغرافية فألغت دورها كفاعل في تحديد السياسة الاقتصادية وزادت من التهميش الذي طاول العالم الثالث (البطالة وخفض الدخل المحلي وهجرة العقول وإهمال المرأة والبيئة التي كانت الضحية الكبرى) ويلحظ أنها مهملة في الخطاب الإسلامي كليا، ويشير إلى أخطار مبادرة الشرق أوسطية والتطبيع كشرط لتشبيك مصالح إسرائيل مع مصالح العرب. مواجهة هذا التحدي صعبة، فإمكانات العرب لا تسمح بمواجهة تيار العولمة الجارف ويبقى على المثقفين تنوير الرأي العام بقضايا أمتهم بعدم الانحياز إلى المغالاة في الخوف من العولمة أو تبنيها، والمباشرة بعولمة إسلامية وإنشاء سوق إسلامية مشتركة كونه ضرورة ظرفية وحياتية واقتصادية وسياسية ودينية لما فيها من تحقيق لمصالح المسلمين وتحسين العلاقة بينهم وتعزيز قدرات الأمة بزيادة النمو وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

يبقى تحدي الأقليات الإسلامية في الغرب، بعد أحداث أيلول (شتنبر، في عنوان الكتاب) وتفجيرات لندن والتي تعاني أزمة أعمق من نشاطات العمل العام التي تقوم بها الجمعيات الإسلامية، وهي أزمة تمزق الأقليات الإسلامية بين تحقيق الذات وتأكيد الانتماء والهوية من جهة ومتطلبات الاندماج والتكيف مع بيئة معادية للهوية. ويخشى الكاتب على المسلمين من اتساع دائرة الاسلامو فوبيا والتمييز العرقي عند تطبيق القانون والتسرع في إصدار قوانين مقيدة للحريات، ويطرح نماذج من التحدي الجديد مثل إمامة المرأة الصلاة ( أمت أمينة داود صلاة الجمعة بنيويروك بتاريخ18 آذار 2005 ) ويخلص الباحث إلى إن أهم تحديات الأقليات الإسلامية هي ضربات محتملة إلى مكامن قوة الوجود الإسلامي خاصة في التواصل تنظيما وماليا، ونشر موجة من المخاوف من الوقوع في شبهة الإرهاب لعزل العمل التنظيمي عن المسلمين، ومحاولة الاحتواء وتعزيز التناقضات بين الحكومات الإسلامية والوافدين إلى الغرب. ومحاولة إعاقة تطوير فعالية الوجود الإسلامي بالغرب. التحدي الأخير الذي يبحثه المؤلف هو تحدي الحاضر والمستقبل، فالأمة تعاني من فصام شخصية بين ماض مجيد وحاضر ضعيف ولا بد من تفعيل الاجتهاد الفقهي الجماعي واستغلال هذه الفرصة التاريخية التي لا تتكرر وهي توافر البعدين الداخلي والخارجي للإصلاح والتغيير كما يقول السوري عبد الله تركماني.

{{الكتاب: العالم الإسلامي وتحديات 11 شتنبر. الواقع والمآل}}

{{الكاتب: د . محمد بشاري}}

{{الناشر: دار الفكر . دمشق. 2006}}

{{يقع الكتاب في 197 صفحة من القطع الوسط}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This