كتاب “شهوة السلطة”: سيرة حياة ساركوزي
في الواقع أن قراءة الكتاب أصبحت ضرورية لمعرفة من هو هذا الشخص الذي استطاع أن يتغلب على كل خصومه ومنافسيه يمينا ويسارا حتى وصل إلى قمة السلطة الفرنسية. نلاحظ أن المؤلفة تقارن بينه وبين نابليون بونابرت أحيانا، دون أن يعني ذلك بالطبع أن ساركوزي أصبح في مستوى الإمبراطور الشهير. فهذا أبعد ما يكون عن الصحة. ولكن هناك بعض التشابهات الظاهرية التي تلفت الانتباه. فساركوزي، مثل نابليون، ذو أصول أجنبية أو بالأحرى هنغارية، مثلما كان نابليون ذا أصول أجنبية، كورسيكية. كلاهما اقتحم فرنسا من الخارج إذا جاز التعبير وأصبح زعيمها. فمن كان يتوقع أن يتوصل ابن بال ساركوزي الهنغاري الذي وصل إلى فرنسا عام 1948 هاربا من الحكم الشيوعي والذي لن يتجنس بالجنسية الفرنسية إلا مؤخرا… أقول من كان يتوقع أن يتوصل ابنه إلى منصب رئاسة جمهورية فرنسا؟ شيء يشبه الكذب أو يتجاوز الخيال. شيء يدوخ العقل وأولا عقل والده نفسه الذي لا يزال حيا والذي يعيش الآن نوعا من حكايات الف ليلة وليلة. فقد وصل بال ساركوزي هذا إلى فرنسا في ليلة ما فيها ضوء وليس في جيبه فلس واحد كما اعترف بذلك لاحقا. ومع ذلك فهذا هو ابنه يقفز بعد جيل واحد فقط، أي جيله هو بالذات، على عرش فرنسا…
لكن القصة أكثر تعقيدا من ذلك وأكثر إيلاما. فالرئيس المقبل لفرنسا يعترف للمؤلفة التي قابلته أكثر من مرة إثناء تأليف الكتاب بان طفولته كانت حزينة وربما أكثر من حزينة. ولهذا السبب تتوقف كاترين ني مطولا عند طفولة نيكولا ساركوزي وعلاقته الإشكاليه بأبيه أو بالأحرى عدم علاقته. ذلك أن بال ساركوزي لم يكن يعرف أن ابنه الأوسط سوف يصبح رئيسا لجمهورية فرنسا بعد أن أنجبه بخمسين سنة فقط أو أكثر قليلا. وربما لو عرف ذلك لما طلق زوجته وتخلى عن أولاده وذهب لكي يتزوج بامرأة أخرى ويتنكر لأطفاله بل وينسى حتى وجودهم ..هنا يكمن الجرح الكبير لنيكولا ساركوزي، جرح لم يقم منه إلا بعد سنوات طويلة وبعد أن أصبح رجلا هاما يشار إليه بالبنان. وربما لم يقم منه حتى الآن… لا، لم يغفر نيكولا ساركوزي لوالده أنه أدار ظهره لعائلته وأطفاله وهم صغار في سن الرابعة أو حتى أقل بالنسبة للولد الأصغر.
والواقع أن والده كان كما تقول كاترين ني مغامرا من الطراز الأول وجذابا ساحرا للنساء. فما أن يتعرف على امرأة حتى يمل منها بسرعة ويحاول مغازلة صديقاتها وهكذا كثرت فتوحاته الغرامية إلى درجة أنه ما كان عنده وقت لكي يتطلع إلى الخلف ويهتم بالآثار الناتجة عن هذه المغامرات بالذات. نعم كان بال ساركوزي مزواجا مطلاقا ومغامرا أفاقا لا يستقر على حال ولا ينظر أبدا إلى الوراء. ولم يكتشف إن عنده أولاد إلا بعد أن سمع بأنهم نجحوا في الحياة وأصبحوا شخصيات هامة في المجتمع بل وان احدهم يوشك أن يصبح وزيرا…
قبل ذلك ما كان يذكر لأصدقائه المقربين أبدا بان عنده أولادا .كانوا غير موجودين. كان مجرد ذكر اسمهم يشكل عالة عليه أو يشعره بالخطيئة والذنب على فرض أن عنده ضمير..يعترف نيكولا ساركوزي بأنه عانى كثيرا من هذا الغياب: أي غياب والده عن البيت وإهماله لهم إلى أقصى حد ممكن. صحيح انه كان يستقبلهم من حين إلى آخر في احد المقاهي بعد خروجهم من المدرسة ولكنه سرعان ما كان يتركهم بعدئذ ويذهب إلى عند زوجته الجديدة. لطالما لام ساركوزي والده وحقد عليه حقدا شديدا. نقول ذلك وبخاصة أنه لم يكن الأقرب إلى قلبه. كان يفضل عليه أخاه الأكبر أو الأصغر لأنهما يشبهانه أكثر ولأنهما طويلان مثله. وهنا نصل إلى نقطة هامة ولا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام، وهي أن نيكولا ساركوزي على عكس والده وأخويه شخص قصير القامة بشكل ملفت للانتباه. إن قطعته صغيرة كما يقال. وقد شكل له ذلك عقدة في طفولته وطالما عيروه بها وعقدوه بسببها. وغداً عندما يذهب لاستلام مفاتيح قصر الاليزيه سوف يفاجأ الناس بمدى الفرق بين العملاق شيراك والقزم ساركوزي اللهم إلا إذا حاول التلفزيون أن يموه الوضع ولو قليلا…
نعم لقد كان نيكولا ساركوزي معقدا من صغره أو قصر قامته. ولكن أليست هذه العقدة بالذات هي التي دفعته لكي يتجاوز الآخرين عن طريق العمل الدؤوب؟ أليست هي التي نخزته نخزا كالإبرة ودفعته لان يبزهم جميعا، لأن يتفوق عليهم بأي شكل، لكي يحظى بالاعتراف الاجتماعي؟ هنا تكمن عقدة ساركوزي الأساسية. وهذا هو سبب تفوقه باعتبار أن كل ذي عاهة جبار. فإخوته ما كانوا بحاجة إلى كل هذا التفوق الصارخ لكي يثبتوا وجودهم لأنهم أناس طبيعيون لا يشكون من شيء. لقد أثبت الطفل ساركوزي أنه قادر على تجاوز عقدة النقص هذه. ولكن ما كان أحد يتوقع أن يبلغ في التجاوز كل هذا الحد الذي وصل إليه… إن التحليل النفسي الذي اتبعته كاترين ني للكشف عن النوابض العميقة التي تتحكم بشخصية ساركوزي شئ يستحق الإعجاب. وهنا أيضا توجد نقطة تشابه بينه وبين نابليون بونابرت. فنابليون أيضا كان قصير القامة ومع ذلك فقد كانت تهابه الرجال الكواسر..كل جنرالات فرنسا كانوا يرتجفون أمامه خوفا إذا ما ثبتهم بنظراته الثاقبة وهو يستعرضهم الواحد بعد الآخر على الرغم من أنهم كانوا أحيانا عمالقة من حيث الشكل واكبر منه بكثير.
هناك نقطة ثالثة تجمع بين ساركوزي وبونابرت هو أن كليهما خانته زوجته وأذلته على رؤوس الأشهاد… وهنا تتوقف المؤلفة طويلا عند قصة سيسيليا والمحنة الكبرى التي عاشها ساركوزي قبل عامين وكادت أن تودي به. فكما أن جوزفين أذلت نابليون وركعته فان سيسيليا أذلت ساركوزي الذي لم يستطع حتى جاك شيراك أن يكسر شوكته. ذلك أن الحب يعمي ويصم ، الحب يذل. وقد ذاق ساركوزي طعم الذل حتى الثمالة عام 2005. وكادت هذه المرأة المغناج التي يحبها أن تقضي على مستقبله السياسي ولكنه نجا من المحنة بأعجوبة وخرج كالأسد الجريح. خرج كأقوى ما يكون وانطبق عليه المثل القائل: المشكلة التي لا تقتلني تقويني. ثم اعترف بعدئذ بأنه تغير رأسا على عقب بعد هذه الضربة. وقال بأنها جعلته أكثر إنسانية بكثير أو قل كشفت عن البعد الإنساني الذي كان مخبوءا في داخله ولا يحس به على الإطلاق. كان ينبغي أن يتعذب إلى أقصى حدود العذاب، أن يرى نجوم الظهر عشر مرات في اليوم لكي يصبح إنسانا، لكي يعرف معنى العذاب.
وأنا أصدقه في الواقع على الرغم من أني لا أحبه ولا أزال حتى الآن مفجوعا بهزيمة تلك الشمس الساطعة: سيغولين رويال. بل ولا أستطيع أن أشاهد التلفزيون منذ بضعة أيام. وبالتالي فانا في حالة حداد الآن. ويشهد الله أني شبه مريض منذ أربعة أيام وأتنفس بصعوبة هواء باريس واشعر بالإحباط. لقد اسودت الدنيا في عيني لأني أكره اليمين العنجهي المتعصب عربيا كان أم فرنسيا. ولا أستطيع أن أعيش في ظله بسهولة. ولو كنت قادرا لغادرت فرنسا لبضع سنوات حتى ينتهي هذا العهد . ولكنها هزيمة مؤقتة إلى حين. فاليسار الفرنسي وجد أخيرا ضالته أو قائدته التي ستقوده حتما إلى النصر لاحقا.
لكن لنعد إلى موضوعنا الأصلي: السيد ساركوزي ابن ذلك المهاجر الأفاق الذي سطا الآن على عرش فرنسا. لقد سطا عليه بطريقة تشبه طريقة بونابرت عندما قام بانقلاب عسكري وحذف خصومه كلهم وركعهم. صحيح أننا لم نعد في عصر الانقلابات العسكرية وأن فرنسا بلد ديمقراطي ولكن يكفي أن ننظر إلى الطريقة التي استخدم فيها وسائل الإعلام الجبارة ضد مدام رويال لكي نعرف أنه شخص لئيم وقادر على توجيه ضربات موجعة من تحت الزنار ولا علاقة لها بالديمقراطية. وعلى الرغم من أننا ضد شخصه وأفكاره وتوجهاته السياسية اليمينية إلا أنك لا يمكن إلا أن تعجب بمقدرته الهائلة على تخطي العراقيل والصعاب.فهو يتمتع بحيوية أو طاقة داخلية هائلة لا مثيل لها. وهنا أيضا نجد وجه شبه بينه وبين نابليون. فكلاهما قادر على الاقتحام في اللحظة المناسبة بعد إرباك الخصم وتوجيه الضربة القاضية إليه. يضاف إلى ذلك أنه قادر على أن يشتغل خمسة عشرة ساعة في اليوم دون أن يكل أو يمل. وهو يقتحم في اللحظة المناسبة ويتراجع تكتيكيا في اللحظة المناسبة أيضا. وويل لمنافسيه كل الويل. ويل لشيراك ودوفيليبان وآخرين عديدين. كلهم أسقطهم على الطريق الواحد بعد الآخر وداس عليهم حتى خلا له الجو ولم يبق في الميدان إلا حديدان… وجميعهم الآن يرتجفون خوفا لا تكاد تسمع أصواتهم من شدة الذهول والانبهار. وحلال على الشاطر…لقد أصبح ملك الدنيا ابن المهاجر الهنغاري الذي أعطته فرنسا قيادها.
بالطبع فإن السيدة كاترين ني متواطئة معه على الرغم من أنها لم تمر على قصة سيسيليا مرور الكرام. فهي يمينية مثله وتشتغل في كبريات وسائل الإعلام الفرنسية التي يهيمن عليها أصدقاؤه من أمثال: السيد ارنو لا غاردير ومارتن بويغ. وكلاهما ملياردير يسيطر على إمبراطورية إعلامية تشمل معظم القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية والجرائد والمجلات… باختصار، فان هذين الرجلين المقربين جدا منه يعادلان برلسكوني في ايطاليا الذي يهيمن أيضا على وسائل الإعلام الإيطالية بملياراته إلا ما رحم ربك… ولكن هذه النقطة لا تتحدث عنها السيدة كاترين ني خوفا من العقاب: أي من أن يحصل لها ما حصل لمدير تحرير مجلة باري ماتش الشهيرة بصورها الرائعة وتحقيقاتها الممتعة. فقد سرحه المذكور أرنو لا غاردير فورا لأنه نشر صور المراهقة سيسيليا وهي تتمختر إلى جانب عشيقها المغرم والذي يرفض ساركوزي حتى الآن أن يذكر أحد اسمه أمامه مجرد ذكر : ريشار أتياس.
بالمناسبة، فإن غريم ساركوزي اللئيم هو أكثر من أفاق كبير لأنه هو الذي يشرف على تنظيم المعرض الدولي السنوي الذي يعقد في دافوس وتحضره كبار شخصيات العالم. إنه احد قادة العولمة الرأسمالية الفاجرة التي تجوع الملايين كما يقول المفكر السويسري الرائع: جان زيغلير،حفيد جان جاك روسو… ولماذا نشر تلك الصور؟ لأنها أغلى من الذهب ولأنه سمع بأن مجلات فضائحية أخرى قد تسبقه إلى هذا العمل الجليل فغامر بنفسه ومنصبه ونشرها. وهنا تتبدى لنا طبيعة المجتمع الرأسمالي القائم على شهوة المنافسة المحمومة التي لا تتوقف عند حد ولا تراعي حتى الحياة العائلية والشخصية للناس. فهو مستعد لتحطيمها إذا كان ذلك سيجلب له أرقاما قياسية في المبيعات أو شهرة إضافية أو سبقا صحفيا وتفوقا على الخصوم. هنا لا يوجد شيء اسمه أخلاق أو ضمير أو نزعة إنسانية. هنا يضحكون عليك إذا ما سمعوك تتحدث عن هذه الأشياء السخيفة التي عفى عليها الزمن.. ولكن في رأيي الشخصي فإنه هنا أيضا يكمن مقتل الحضارة الغربية أو على الأقل جانبها الجذاب جدا والتافه جدا في آن معا.
لكن لنعد إلى قصة السيد ساركوزي ولنفترض جدلا أنه ليس ضد العرب ولا المسلمين ولا المغتربين كما تزعم كاترين ني. أود أن أصدقها من كل قلبي. أتمنى لو استطيع تصديقها. ولكن للأسف الشديد فان ارتباطه بالأوساط المصرفية الغنية جدا وكذلك بالطبقات العليا في المجتمع الفرنسي يثير بعض المخاوف ليس فقط لدى الجاليات المهاجرة من عرب وسود ومغاربة وإنما أيضا لدى شرائح واسعة من الطبقات الشعبية الفرنسية ذاتها. كاترين ني تقول بأنه عندما وصف المهاجرين بالأوباش فانه لم يكن يقصد كل الجالية المغاربة وإنما فقط زعرانها. وهذا صحيح وأنا أصدقها هنا. ثم تضيف قائلة بأنه نطق بهذه الكلمة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها حتى الآن كتجاوب مع سيدة مغربية مر موكبه تحت شرفتها فصاحت: يا معالي الوزير خلصنا من هؤلاء الأوباش أرجوك. فرد عليها قائلا سوف أخلصكم من هؤلاء الأوباش يا سيدتي. ولكن التلفزيون لم ينقل إلا كلامه هي فاعتقد الناس أنه هو الذي استخدم كلمة أوباش لأول مرة. ولكن ما العيب في الأمر؟ فكلنا يعرف انه يوجد أوباش و زعران مرعبون في أوساط الجالية. ويكفي ان تمشي في بعض الضواحي خمس دقائق فقط لكي تتأكد من ذلك وتصاب بالرعب وتكفر بكل ما هو عربي أو مسلم أو أسود الخ.. وبالتالي فلا داعي للديماغوجية هنا ولن أعطي دروسا أخلاقية لكاترين ني ولن أزاود على احد.
ولكن بعد أن قلنا كل هذا الكلام ووضعنا النقاط على الحروف كان ينبغي على المسؤولين الفرنسيين أن يعترفوا بأنه لا يمكن اختزال مشكلة جالية تعد خمسة ملايين نسمة أو أكثر إلى بضع عصابات من الزعران واللصوص وتجار المخدرات… فهذا شيء لا يمكن أن يصدقه عاقل.
فالجالية العربية الإسلامية هي حظ لفرنسا مثلما أن فرنسا كبلد ديمقراطي علماني حديث هي حظ لها. ولكن فرنسا لا تزال مقصرة جدا بحق هذه الجالية الكريمة التي ساهمت في بناء البلاد بعد الحرب العالمية الثانية بل وسقط الكثير من أبنائها في ساح الوغى دفاعا عنها. وبالتالي فهناك مشكلة كبيرة ولا يبدو أن إنسانية السيد ساركوزي التي استيقظت مؤخرا قد شملت أو ستشمل هذه الجالية الضخمة التي تعاني وتتعذب وتقابل بالإهمال والاحتقار. نعم هناك مشكلة كبيرة في فرنسا وسوف تشغلها طيلة العشرين أو الثلاثين سنة القادمة وربما أكثر… وكان ينبغي أن تتوقف عندها هذه البورجوازية الناعمة الحسناء قليلا. وهذا ما يفعله علماء الاجتماع الفرنسيون. فهم يقولون لك بان نسبة البطالة ضخمة جدا في أوساط الجالية المغاربية وأحيانا تصل إلى السبعين بالمائة. وبما أن الفقر هو أم الجرائم كلها كما يقول علم الاجتماع فان الأوضاع سوف تتدهور إذا لم تفعل فرنسا شيئا يذكر لإنقاذ الضواحي التي لم يعد يتجرأ حتى البوليس على دخولها. وبعض المفكرين الفرنسيين يقولون بان الضواحي المغاربية والأفريقية بحاجة الى خطة مارشال ضخمة لإنقاذها. وبالتالي فالعملية ليست سهلة على الإطلاق.
فهل سيتمتع السيد ساركوزي بالكرم الحاتمي اللازم لإنقاذ ملايين الفقراء والمهمشين الضائعين؟ نشك في ذلك كل الشك. وبالتالي فيخشى أن تكون البلاد مقبلة على انفجار ضخم في عهده الميمون. ولكن لا يبدو أنه قلق جدا على الأمور بدليل أنه يقوم بنزهات استعراضية في قارب صديقه الملياردير ويعيش حياة ألف ليلة وليلة على رؤوس الأشهاد دون أي خجل أو ورع. والمشكلة هي أنه لا يصادق إلا أصحاب المليارات. وهذه أيضا عقدة نقص تلازمه منذ الطفولة على ما يبدو. ولكن يخطئ السيد ساركوزي إذا كان يعتقد أنه سيبهر الشعب الفرنسي بذلك أو سيرهبه. فهذا الشعب لا يسكت على الضيم ولا يقبل بالخنوع. فهو الذي أعطى شعوب العالم كلها دروسا في الانتفاضة ضد الظلم والطغيان بدءا من الثورة الفرنسية مرورا بكومونة باريس ووصولا إلى مايو 68 التي لا يحبها ساركوزي لأنهم أقاموا له فلقة مشهودة في جامعة نانتير في يوم من الأيام… أكتب هذا الكلام على وقع زمجرة الطلاب في جامعة التولبياك حيث وصل الأمر ببعضهم إلى حد المطالبة بإلغاء انتخابه لا أكثر ولا اقل. ولو كنت محل السيد ساركوزي لخفت على نفسي قليلا… وربما لهذا السبب اختصر عطلته المليارديرية الاستفزازية على شواطئ مالطة وقفل راجعا الى باريس.
أما دفاع المؤلفة عنه بأنه ليس بوشيا ولا أطلسيا أكثر من غيره فهذا ليس صحيحا. فسيغولين رويال أدانت بوش أكثر من مرة إثناء حملتها الانتخابية في حين أنه هو زار بوش وانحنى إمامه واعتذر له عن موقف شيراك أثناء حرب العراق. كل الناس تعرف أنه من جماعة المحافظين الجدد وانه صديق لكل قادة اليمين الأوروبي والإسرائيلي بدءا من الاسباني أزنار مرورا ببرلسكوني وانتهاء بنتنياهو… ولذلك فإني غير متفائل بتطورات الأمور في فرنسا وأرجو أن أكون مخطئا. أرجو أن يضغط عليه مستشاروه أو العقلاء في حزبه، وهم موجودون، لكي يخفف من غلوائه أو تطرفه اليميني واحتقاره للضعفاء والفقراء والواقفين على قارعة الطريق. وما أكثرهم الآن في فرنسا. أليس عيبا أن يكون في هذا البلد الذي يمثل خامس قوة اقتصادية في العالم ثمانية مليون فقير؟ لقد مللنا من الشحاذين في الميترو وأصبحنا نخجل منهم أو عليهم. أصبحنا نخجل من أنفسنا. فليس سهلا أن ترى الكرامة البشرية مسحوقة إلى مثل هذا الحد في بلد حقوق الإنسان والمواطن.
بقيت نقطة أخيرة لن اختم هذه المقالة قبل إثارتها : وهي الأصول اليهودية لساركوزي. وأقول منذ البداية: ساركوزي ليس يهوديا وإنما مسيحي كاثوليكي ويفتخر بذلك على رؤوس الأشهاد إلى درجة أنه أزعج العلمانيين الفرنسيين. ولكن جده لأمه يهودي من منطقة سالونيكا. وقد جاء إلى فرنسا في بدايات القرن الماضي هربا من الاضطهاد. وبالتالي فهو يهودي شرقي من أولئك الذين هربوا من اسبانيا والبرتغال بعد سقوط الحكم العربي واستلام الملكة إيزابيل الكاثوليكية جدا مقاليد الأمور هناك. والسيد بنديكت الملاح، أي جد ساركوزي لأمه، كان طبيبا وشخصا طيبا على ما يبدو فربى أحفاده واستقبلهم في بيته بعد إن هجرهم والدهم وتخلى عنهم. وبالتالي فهو أبوهم الفعلي الذي عاشوا معه حتى كبروا وأصبحوا مراهقين.
ولكن الشيء الذي لا أفهمه والذي يستعصي على التصديق هو أن المؤلفة تقول لنا بأنه عاش ومات دون أن يعرف أحفاده أنه يهودي..فهل يعقل ذلك؟ وما العيب فيما إذا كان يهوديا؟ فالرجل كان محترما على ما يبدو ويؤدي واجبه كطبيب بكل إتقان وله مكانة في المجتمع. يضاف إلى ذلك أن اليهود في فرنسا أصبحوا مدللين بعد الحرب العالمية الثانية وما عادوا مضطهدين أبدا كما كان يحصل في العصور السابقة. وبالتالي فلا افهم لماذا يخفي أصوله اليهودية إلى مثل هذا الحد..هل سيكون لهذه النقطة تأثير على سياسة ساركوزي في الشرق الأوسط؟ بدون شك. ولكن ليس بالضرورة بالمعنى السلبي. فربما استطاع المساهمة في عملية السلام أو إحداث التقارب بين العرب واليهود بحماسة أكبر. وعلى أية حال فانه يوجد في فرنسا إجماع حول هذه المسألة لصالح إسرائيل. فبعد موت الجنرال ديغول وجورج بومبيدو وتقاعد جيسكار ديستان، لم تعد هناك سياسة مستقلة تجاه هذه المسألة في فرنسا. يضاف إلى ذلك أن الأمور تغيرت كثيرا عما كانت عليه في السابق ولم تعد تطرح بنفس الطريقة. ولن يستطيع نيكولا ساركوزي أن يخدم إسرائيل أكثر مما خدمها فرانسوا ميتران أو حتى جاك شيراك على الرغم من كل المظاهر…
