كتاب “الكولونيل والطفل الملك. مذكرات مصرية”
صحيح أن مصر تحررت بعد الثورة من الاستعمار وأصبحت سيدة نفسها ولكنها خسرت هذه التعددية اللغوية والثقافية التي كانت تشكل غنى وثروة بالنسبة لها على الرغم من جوانبها السلبية. هذا ما نلمحه من خلال قراءة الكتاب الذي يمزج بشكل حي ومؤثر بين الذكريات المعاشة من قبل المؤلف وبين السرد الموضوعي للحياة المصرية طيلة العهد الملكي فالثوري الجمهوري.
فالرجل عاش طفولته في مصر حتى سن الخامسة عشرة. وقد كتب عنها عشرات المقالات والكتب والروايات التاريخية وغير التاريخية. ولذلك فلا يزال يعتبر نفسه مصريا بشكل من الأشكال حتى الآن. ولا يزال يحن إليها لأنها موطن الطفولة والشباب الأول. وقد كنت أتوقع أن يكون الكتاب عبارة عن تصفية حسابات مع عبد الناصر وعهده وأن يكون مليئاً بالحقد عليه والتحيز ضده كما يحصل عادة في مثل هذه الظروف. ولكني فوجئت بأن الرجل يوفيه حقه من التقدير بل ويقدم عنه صورة إنسانية وإيجابية محببة في معظم الأحيان وإن كان لا يتغاضى عن الجوانب السلبية وبخاصة المخابراتية والقمعية للنظام الذي أسسه. بمعنى آخر فإنه يرى الجوانب الإيجابية والسلبية في آن معاً ولا يركز فقط على السلبية كما يفعل الكتاب الأجانب عادة عندما يتحدثون عن زعيم القومية العربية. وهذه نقطة تسجل لصالح المؤلف في هذا الكتاب المشوق الذي يقرأ أحياناً كرواية بوليسية شديدة الإثارة، أو كنص أدبي حميمي يختلط فيه الذاتي بالموضوعي ولا يخلو من الشاعرية.
وعموماً فإن القارئ يخرج منه وقد أخذ فكرة عامة ودقيقة عن التحولات التي طرأت على مصر منذ عهد فاروق وحتى مشارف عهد السادات. ولكن التركيز يتم بالطبع على عهد فاروق وعهد عبد الناصر ومدى الاختلاف الجذري بين الشخصيتين والعهدين. من هنا عنوان الكتاب الذي يعطي في الترجمة الحرفية ما يلي: “الكولونيل والطفل الملك. مذكرات مصرية”. فالمؤلف ينتقل على التناوب من سرد قصة حياة فاروق إلى سرد قصة حياة عبد الناصر منذ البداية وحتى النهاية. وهكذا تجد نفسك على مدار الكتاب أمام صورتين متوازيتين أو مرآتين متعاكستين لمصر. ومن خلال هاتين السيرتين يسرد المؤلف أيضاً كل الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية لمصر على مدار القرن العشرين كله تقريباً. وفي أثناء ذلك يقدم المؤلف أيضاً صورة شخصية (أو بورتريه) عن أنور السادات، ومحمد نجيب، وعبد الحكيم عامر، وسواهم من قادة الثورة المصرية.
لكن لنتوقف أولاً عند الشخصية الأساسية التي تمثل بطل الكتاب: جمال عبد الناصر. من كان يعرف أنه أول قائد عربي يحكم مصر منذ عدة قرون؟ كل السلالات السابقة التي حكمت البلاد من المماليك إلى سلالة محمد علي كانت ليست فقط أجنبية على البلاد وإنما غير عربية. ومن كان يعرف أن الملك فؤاد والد الملك فاروق لم يكن يعرف كلمة واحدة من العربية؟ وقل الأمر ذاته عن مؤسس السلالة محمد علي. ومع ذلك فقد حكم مصر دون أي مشكلة لأن المهم هو الإسلام لا الجنس العرقي بالنسبة لتلك العصور. أنا شخصياً لم أكن أعرف هذه المعلومات وقد فوجئت عندما قرأت بأن الملك فؤاد نصح حاشيته قبل أن يموت بتعليم ابنه العربية! تصوروا ملك مصر لا يعرف لغة شعب مصر… كان يعرف اللغات الأجنبية كالتركية، أو الألبانية، أو بالأخص الفرنسية والإنجليزية، ولكنه ما كان يعرف العربية. وهذا أيضاً من نتائج الاستعمار. فالخديوي لم يكن إلا ذيلاً للقوى الاستعمارية الأوروبية. نقول ذلك وبخاصة أن مصر كانت ترزح تحت نير الاستعمار الإنجليزي منذ أكثر من سبعين سنة عندما اندلعت ثورة الضباط الأحرار عام 1952. ولهذا السبب كان رد فعل عبد الناصر عنيفاً ضد التدخلات الأجنبية.
لكن قبل أن ننخرط أكثر في عمق هذه المسألة لنعد مع المؤلف إلى شخصية عبد الناصر وكيف تشكلت في الطفولة الأولى. من المعلوم أنه ولد في قرية بني مر بصعيد مصر وبالتالي فقد كان عربياً قحاً ومصرياً أصيلاً في ذات الوقت. والشيء المؤثر فعلاً هو علاقته بأمه: فهيمة. وإذا كان وراء كل قائد تاريخي أو رجل عظيم جرح فإن موت أمه الفاجع وهو لا يزال في الثامنة أو التاسعة من عمره هو هذا الجرح الذي لم يندمل كلياً أبداً. فمن المعلوم أن والده حسين عبد الناصر موظف البريد المتواضع كان قد وضعه في بيت عمه في القاهرة لكي يدرس في مدرسة حقيقية أي في مدرسة المدينة لا القرية. وقد آلمه الفراق عن أمه التي كان متعلقاً بها أشد التعلق. ولذلك كانت تراسله بانتظام لكي تخفف عنه آلام الغربة في مدينة كبيرة كالقاهرة وهو الريفي الصعيدي الذي يحن إلى البساطة والهدوء. وفي كل مرة كانت تصله رسالة منها كان يبكي فرحاً، كان يشعر بأنها “الأوكسجين” الضروري لتنفسه والشعور بالتواصل مع أعز مخلوق على وجه الأرض. كانت رسائلها كافية لتبديد قلقه، وحزنه، وإشعاره بالثقة بنفسه وبالحياة.
وفجأة تنقطع الرسائل عنه في شهر أبريل من عام 1926 (من المعلوم أنه ولد في 16 يناير من عام 1918). وقد استغرب انقطاع الرسائل وسأل والده بإلحاح عن السبب فأجابه: والدتك مشغولة جدا يا جمال هذه الأيام وسوف تكتب لك قريباً. ثم أجابه بعدئذ: والدتك مريضة يا جمال ولكنها ستكتب لك عما قريب.. وعلى هذا النحو راح يسوفه ويطمئنه حتى عاد إلى القرية واكتشف الحقيقة المرة: لقد ماتت فهيمة في غيابه، ماتت أمه ولهذا السبب انقطعت الرسائل الملائكية بكل بساطة. وجن جنونه ولم يعد يعرف كيف يبكيها أو يتعزى عنها. وكانت الصدمة الأولى في حياته: أي حياة طفل لم يتجاوز الثامنة بعد إلا قليلاً.
ثم كانت الصدمة الثانية بعد انخراطه في حرب فلسطين عام 1948 واكتشافه لفساد الأسلحة التي زودهم فاروق بها. وهو ليس إلا جزءاً من الفساد العام الشامل لعهد بأسره: عهد المساومات بدم الشعب المصري والاغتناء على حسابه بشكل لا شرعي ولا مسؤول. ومع ذلك فقد استطاع جمال عبد الناصر أن يخرج من حصار الفالوجة الشهير بشكل مشرف. وهكذا شهد محنتين متواليتين كانت واحدة منهما كافية لكي تكسره وهو لا يزال في طراوة الطفولة أو أول الشباب. وانطبقت عليه بالتالي تلك العبارة الشهيرة لنيتشه: وحدها المحن الكبرى تصنع الرجال أو: وحدها الشخصيات الاستثنائية تخترق الظروف وتنتصر عليها.
نضيف إلى ذلك أن والده سرعان ما تزوج من جديد عام 1928: أي بعد وفاة أمه بسنتين فقط. ويبدو أن ذلك أثر عليه نفسياً ولم يعجبه أبداً أن يرى امرأة أخرى تحل محل أمه..
ولكن الطفل جمال عبد الناصر كان مؤهلاً لقدر استثنائي وكانت العناية الإلهية تحوم فوقه وتحميه.. وفي ذات الوقت كان يشعر بحاجة، ربما بشكل لاواع، إلى قضية كبرى تمتص جراحاته الداخلية النازفة وتساعده على هضمها، على تجاوزها..
ما هي القراءات الأولى التي شكلت شخصية الزعيم المقبل للقومية العربية؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً: من أوائل الكتب التي قرأها وأثرت عليه كتاب طبائع الاستبدادي للكاتب السوري الوطني عبد الرجمن الكواكبي. ومعلوم أن السلطات العثمانية اضطهد الكواكبي فاضطر إلى مغادرة حلب إلى لبنان أولاً فمصر ثانياً حيث عاش سنواته الأخيرة ومات. والطبعات الأولى من الكتاب لم تكن تحمل اسم المؤلف خوفاً من الرقابة العثمانية التي كانت مسلطة على رؤوس المفكرين العرب كالسيف المسلول. والكتاب ينتقد بشدة النظام الاستبدادي التركي. وربما رأى فيه عبد الناصر مثلاً أعلى على نقد كل استبداد وبخاصة الاستبداد الملكي لفاروق والمدعوم من قبل الاستعمار الإنجليزي مباشرة. بل حتماً رأى فيه ذلك. وكان يبحث عن هذا النوع من الكتب التي تضيء له الطريق وتساعده على استيعاب الحالة التاريخية التي يعيشها.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وبالإضافة إلى هذا الكتاب كان الشاب جمال عبد الناصر يهرع باستمرار إلى المكتبة الوطنية لاستعارة الكتب العربية والأجنبية ومطالعتها. ومن بينها كتاب عن حياة القائد الوطني التركي مصطفى كمال أتاتورك الذي كان معجباً به إلى درجة أن البعض يرى في عبد الناصر نفسه نوعاً من أتاتورك العرب… ثم قرأ قصة مدينتين بالإنجليزية لتشارلز ديكنز، ومسرحية يوليوس قيصر لشكسبير، ورواية البؤساء لفيكتور هيغو بترجمة الشاعر الكبير حافظ إبراهيم لأنه لم يكن يعرف الفرنسية. كما وقرأ بعض كتب فلاسفة التنوير كفولتير وجان جاك روسو. هذا بالإضافة إلى قراءات أخرى متنوعة.
ويمكن القول بأن الكتاب الآخر للكواكبي، أي “أم القرى”، كان له عليه تأثير حاسم. وهو كتاب يشخص مرض الشعوب العربية والإسلامية على النحو التالي: لماذا تتقدم الشعوب الأوروبية على الرغم من أنها محكومة من قبل أنظمة ملكية ولا نتقدم نحن؟ لأن حكامنا لا يهتمون بشعوبهم وإنما يتركونها فريسة للجهل والتخلف والجوع وهم يعيشون بكل أبهة وبطر وراء أبواب قصورهم. وتأخرنا ناتج عن أننا نمنا على التاريخ نومة أهل الكهف في حين أن الأوروبيين استيقظوا و اجتهدوا وتطوروا. ونحن ينقصنا قائد حقيقي نزيه يفكر بمصلحة الشعب قبل مصلحته الشخصية. نحن بحاجة إلى قائد يهدي الشعب ويسير به إلى الأمام ويخرجه من حالة الانحطاط والمستنقع الراكد.. المسلمون يعيشون حالة من الكسل والبلادة، والجهل هو سبب كل أمراضهم.
عندما كان جمال عبد الناصر يقرأ هذه الكلمات هل كان يعرف أنه سيكون هذا القائد الذي يهدي الشعب المصري إلى طريق الخلاص ويخرجه من ظلمات الجهل والانحطاط؟ ربما. لا أحد يعرف. الشيء المؤكد هو أن هذه الكلمات كانت تفعل فعلها فيه وتترسخ في أعماق أعماقه. والشيء المؤكد أيضاً هو أن المناقشات السياسية كانت تشغل جل وقته عندما كان يلتقي بزملائه في المدرسة أو المقهى أو الكلية الحربية أو حتى البيت. فقد كان مهووساً بها. نعم كان مسيَّساً جداً منذ شبابه الأول. ولكنه لم يكن قد اهتدى بعد إلى طريقه الخاص. كان يبحث عن مخرج. ولذلك راح يتعرف على جميع الأحزاب السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن الشيوعيين إلى الإخوان المسلمين مروراً بالوفد وسواه.
ولكنه عندما وصل إلى السلطة عام 1952 كان يعرف ما يريد. فالمبادئ التي نصت عليها ورقة الضباط الأحرار كانت تدعو إلى ما يلي:
1. تصفية الاحتلال البريطاني لمصر
2. تصفية الإقطاع والباشوات المصريين أو الأجانب الذين يمصون دم الشعب
3. وضع حد لهمينة الرأسمال على السلطة السياسية
4. فرض نظام العدالة الاجتماعية
5. تشكيل جيش قوي للدفاع عن مصر غير جيش فاروق الهزيل الفاشل
6. إقامة حياة ديمقراطية صحيحة وحقيقية
وحول هذا المبدأ السادس اختلف الضباط الأحرار وكادوا ينقسمون انقساماً خطيراً. والشيء المدهش جداً هو أن جمال عبد الناصر كان من أنصار النظام الديمقراطي البرلماني على عكس أنور السادات الذي أراد تصفيته نهائياً لأن نظام الأحزاب المهترئة هو الذي أوصل مصر إلى مثل هذه الحالة المزرية التي يرثى لها. فكيف يمكن أن نثور على نظام فاروق ثم نعيد تثبيته في ذات الوقت؟ لهذا السبب دعا السادات إلى ترسيخ نظام ديكتاتوري عسكري من أجل تنفيذ برنامج الضباط الأحرار لأنه وحده النظام الفعال والقوي الذي يؤدي إلى نتيجة ملموسة بسرعة. وأما نظام الثرثرات البرلمانية فلم تجن منه مصر إلا الجوع لجماهير الفلاحين والغنى الفاحش للأقلية من الباشوات والمنتفعين المرتبطين بالقصر الملكي.
وأخيراً انتصر خط السادات وتم فرض نظام الحزب الواحد (أي الاتحاد الاشتراكي العربي) وتصفية بقية الأحزاب بعد استقالة أو إقالة محمد نجيب. ثم يقدم المؤلف المعطيات الموضوعية التي تتحكم بمصر ويقول: كان أبو التاريخ هيرودوت يقول هذه العبارة قبل ظهور المسيح بأربعة قرون: مصر هبة النيل. بمعنى أنه لولا نهر النيل لما كانت هناك حياة في مصر، ولما كانت هناك حضارة فرعونية، ولا مدن كبرى. لولاه لما كان هناك إلا الصحراء القاحلة والموت. وعندما غزا نابليون مصر وتعرف عليها عن كثب قال هذه العبارة الهامة أيضاً: لو كنت حاكم هذه البلاد لما تركت قطرة واحدة من مياه النيل تضيع في البحر.
وهذا كلام له معنى شديد الدلالة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المعطيات التالية: في الخمسينات من القرن الماضي كانت الأرض المزروعة لا تتجاوز أربعة بالمائة من المساحة العامة لمصر! وفي هذه المساحة الضيقة جداً أو الشريط الأخضر المحيض بالنيل كان يعيش 99% من سكان مصر. وعندما وصل عبد الناصر إلى الحكم اصطدم بهذه الحقيقة المرة. ولذلك كان أول ما فكر فيه هو بناء سد أسوان العالي لكي يوسع من مساحة الأرض الخضراء المنتجة. نقول ذلك وبخاصة أن أكبر مشكلة تواجه مصر هي التزايد الديمغرافي أو السكاني الهائل. هل نعلم أن عدد سكان مصر في بداية القرن التاسع عشر لم يكن يتجاوز الثلاثة ملايين نسمة؟ ومع ذلك فقد كانت هناك مجاعة فما بالك وقد أصبح عددهم الآن سبعين مليونا؟ بل وحتى عام 1959 أي بعد اندلاع الثورة بسبع سنوات لم يكن عدد السكان يتجاوز الأربعة والعشرين مليوناً. وقد استطاع السد العالي توسيع الأراضي الزراعية بمليون هكتار جديد.
ولكن هل نعلم بأن عبد الناصر كان يتمنى أن يبنيه الأميركان لا السوفيات؟ وهل نعلم أنه كان يريد أن يشتري الأسلحة من الغرب لا من الشرق لتجهيز الجيش المصري؟ وهل نعلم أنه حاول المستحيل لكي يقترب من أميركا قبل أن ييأس كلياً ويتوجه نحو المعسكر الشيوعي غصبا عنه؟ كل هذه القصة يستعرضها المؤلف بالتفصيل ويبين مدى قصر نظر الإدارة الأميركية وكيف أنها خذلت عبد الناصر في كل مرة ودفعته دفعاً للارتماء في أحضان السوفيات.. لا ريب في أن اللوبي اليهودي لعب دوره في هذا المجال ومنع الإدارة الأمريكية من إقامة علاقات طبيعية مع مصر. والواقع أن كل شيء كان يدفع عبد الناصر للارتماء في أحضان أميركا لا الاتحاد السوفياتي. فقد كان يتكلم الإنجليزية ومعجباً بالحضارة الأميركية ولا يقرأ إلا الجرائد والمجلات الأميركية.. وكان مبهوراً بالمخترعات التكنولوجية الأميركية. بل وكان يعتقد بأن الأميركان على عكس الإنجليز مضادون للاستعمار. أليس الرئيس ويلسون هو صاحب المبادئ الأربعة عشرة الداعية إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها..
ولكن القدر شاء له مصيراً آخر. أو قل أن حماقة الساسة الأميركان هي التي دفعته دفعاً للتوجه نحو المعسكر الشرقي الذي لا يحبه في الواقع ولا يحب نظريته الشيوعية. وبالتالي فالغرب هو الذي كسر ظهر الحركة التقدمية العربية ممثلة بعبد الناصر من أجل سواد عيون إسرائيل. وهو الذي جعل العرب يكرهون الحداثة والحضارة غصباً عنهم: أقصد الحداثة الفلسفية والسياسية البرلمانية والديمقراطية الليبرالية وبقية الحريات الفردية. ثم أمعن الغرب في غيه وضلاله عندما راح يدعم الأنظمة المحافظة والسلفية ويحارب النظام التقدمي الإنساني لجمال عبد الناصر. وكان أن حصد الغرب بعد ذلك ثمار ما زرع من سياسات عمياء خاطئة. لقد حصد بن لادن والزرقاوي.. والآن يريد الغرب أن يتوب عن هذه السياسة القصيرة النظر والانتهازية، ولكن بعد فوات الأوان. فهل تستطيع السيدة كونداليزا رايس أن تصلح ما أفسده الدهر؟
هناك صفحات مضيئة في الكتاب عن هذه القضية وسواها، وكنت أتمنى لو أستطيع أن أتوقف عندها كلها. وبالتالي فالحق ليس كله على عبد الناصر عندما كفر بالليبرالية البرلمانية والديمقراطية والتعددية الحزبية وكل مظاهر الحضارة الغربية. لا ريب في أنه يتحمل بعض المسؤولية في تأسيس نظام الحزب الواحد وأجهزة المخابرات المهيمنة على كل مناحي الحياة، وكذلك نظام المحسوبية والرشاوى والفساد، الخ. ولا ريب في أنه ارتكبت أخطاء كبيرة في عهده. ولكن التحدي الخارجي الذي شكله وجود إسرائيل وضغطها عليه باستمرار هو الذي دفعه دفعاً إلى الارتماء في أحضان الاتحاد السوفياتي وتقليد الأنظمة الشيوعية التي تقضي على الحريات وتدجن الفرد تدجيناً حتى ليصبح كالببغاء من الناحية الفكرية أو العقائدية.
ومن خلال الكتاب نفهم أن عبد الناصر كان واقعاً تحت ضغطين لا ضغط واحد: ضغط خارجي يتمثل بالنزعة التوسعية الإسرائيلية العدوانية، وضغط داخلي يتمثل بحركة الإخوان المسلمين التي أنهكته عندما اضطرته إلى خوض صراع دام معها على مدار سنوات طويلة. وهذا ما سهَّل على إسرائيل في نهاية المطاف أن تكسر ظهره من خلال ضربة 5 حزيران الغادرة. وهكذا مات الرجل غماً وهماً لأن التحديات كانت أكبر منه بل ولا تزال أكبر منا جميعاً حتى الآن. ويمكن القول بأن موته المبكر وهو لما يتجاوز الخمسين إلا قليلاً عائد إلى تلك الهزيمة المرعبة أمام إسرائيل، تلك الهزيمة المفاجئة والصاعقة التي لم يكن أحد يتوقعها على الإطلاق.
وأخيرا نقول: كم يبدو عصرنا الآن بعيدا عن عصر عبد الناصر! فالنظام الذي قضى عليه، أي نظام التعددية السياسية وتشكل الأحزاب واللعبة البرلمانية، هو الذي يعود الآن إلى الساحة وبقوة. وخيار المفاوضات لحل الصراع مع إسرائيل هو الذي ينتصر في كل مكان تقريبا وليس خيار الحرب والرفض المطلق الذي لخصته اللاءات الثلاث في مؤتمر الخرطوم الشهير. ولكن المؤلف يقول لنا بان عبد الناصر كان سيسير على نفس الطريق لو مد الله في عمره وعاش أكثر. كل ما في الأمر هو أن الظروف لم تكن قد نضجت بعد لذلك. وكان جو الشعارات والمزاودات هو السائد وهو الذي يقطع الطريق عليه. فقد أجرى بعض الاتصالات السرية مع بن غوريون عن طريق شخصيات أجنبية ولكنه تراجع عنها خوفا من رد فعل الشعب بل وخوفا من الاغتيال كما صرح لهذه الشخصيات بالذات. وهذا ما حصل لياسر عرفات لاحقا عندما رفض التوقيع في آخر لحظة على تسوية كامب دافيد على الرغم من إلحاح كلينتون قائلا له: هل تريد يا فخامة الرئيس أن تغتالني حماس فور عودتي إلى غزة؟ وعندئذ اعترف كلينتون بان الجدار السيكولوجي لا يزال عاليا جدا بين اليهود والعرب.
وهذا الجدار هو السبب الأساسي الذي يمنع من تحقيق السلام في المنطقة. وهذا يعني أن العامل النفسي قد يكون أحيانا أقوى وأشد خطورة من العامل السياسي أو الاقتصادي أو أي اعتبار آخر. ولكن هذا لا يعني أن دور العوامل الأخرى ثانوي. على العكس. فلو أن إسرائيل تراجعت عن الأراضي العربية المحتلة لتغيرت الأمور كثيرا بما فيها العامل النفسي أو الجدار السيكولوجي ولأصبح السلام ممكنا جدا. مهما يكن من أمر فإننا منخرطون على هذا الطريق شئنا أم أبينا. ولذا فقد وصل الأمر بالرئيس حسني مبارك مؤخرا إلى حد تحذير شعبه من العودة إلى الستينات من القرن الماضي، أي إلى فترة عبد الناصر بالذات. فهي عهد مضى وانقضى. ولن نستفيد شيئا إذا ما عدنا إلى عصر البلاغيات الجوفاء والعنتريات التي دفعنا ثمنها غاليا. فالطريق الوحيد للانتصار هو بناء الوضع الداخلي بشكل جيد والسيطرة على العلم والتكنولوجيا وتنوير العقول وإخراجها من الخرافات والأوهام وبعد ذلك لكل حادث حديث..
——
الكتاب :الكولونيل والطفل الملك. مذكرات مصرية
تأليف:جيلبير سينوي. منشورات لاتيس. باريس 2006
Gilbert Sinoue
Le colonel et l’enfant roi
JClattes.Paris.2006
