فرنسا في مرآة ثلاثين شخصية سياسية وفكرية عالمية
من بين هذه الشخصيات التي تعرف فرنسا جيدا نذكر الرئيس التشيكي السابق فاتسلاف هافيل، ووزير خارجية بولندا السابق صديق ليش فاليزا برونيسلاو غيريميك الذي هو حاليا عضو في البرلمان الأوروبي، والبروفيسور جوزيف ناي صديق بيل كلينتون وعضو إدارته لشؤون الدفاع والأمن القومي، والمؤرخ الانكليزي تيودور زيلدين أستاذ علم التاريخ في جامعة أكسفورد وأحد كبار المختصين في الشؤون الفرنسية. هذا بالإضافة إلى آخرين عديدين ليس أقلهم الموسيقار الإسرائيلي المعروف دانييل بارينبويم، صديق ادوار سعيد والذي سنتناول أفكاره بعد قليل.
ينبغي أن نذكر أيضا المقابلة الرائعة التي أجريت مع الكاتب المكسيكي الكبير كارلوس فوينتس تحت عنوان: تأملات حول المثقفين الفرنسيين والثقافة الفرنسية والأدب. هذا دون أن ننسى المقابلة الأخرى التي لا تقل أهمية مع أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد ستانلي هوفمان والتي اتخذت العنوان المثير التالي: أيها الفرنسيون هدئوا من روعكم…ففرنسا ليست في حالة انحطاط أو سقوط.
وأما من الجهة العربية فهناك أربعة أسماء شاركت في الكتاب هي: ادوار سعيد نفسه، وجورج قرم، وبطرس بطرس غالي، ومحمد أركون. لن أستطيع أن أتوقف هنا إلا عند المقابلة المطولة التي أجريت مع الراحل الكبير ادوار سعيد قبيل موته بأسابيع قليلة فقط. وربما كانت اخر مقابلة أدلى بها المفكر الفلسطيني الشهير الذي فجع العالم بغيابه وليس فقط الساحة الثقافية الفلسطينية او العربية. وعلى أي حال فقد شكلت وصيته الفرنسية الى العالم كما يقول المشرف العام على الكتاب الباحث الشاب المدهش بسعة اطلاعه: كريم اميل بيطار.ففيها يدلي برأيه عن الثقافة الفرنسية وكبار مممثليها في العصور الحديثة كفلوبير واميل زولا واندريه جيد وجان بول سارتر والبير كامو وميشيل فوكو وجاك دريدا وجان بودريار الخ..
يؤسفني اني لن استطيع التعرض لمداخلة احد كبار التنويريين العرب في هذا العصر جورج قرم والتي اتخذت العنوان التالي: مكانة العلمانية الفرنسية في عصر العولمة وما بعد الحداثة. ولن استطيع التعرض للمقابلة الممتعة مع بطرس بطرس غالي حول موضوع هام: ما هو مشروع فرنسا لعالم الغد؟ بل ولن استطيع التوقف حتى عند مداخلة أستاذنا الكبير محمد اركون على الرغم من اهمية الموضوع المطروق: العلاقات بين فرنسا والاسلام. أجوبة علم الاسلاميات التطبيقية. ولكن ستكون لي عودة الى هذا الموضوع لاحقا ان شاء الله لكي اوضح نظرية اركون عن التراث الاسلامي والتي هي متضمنة في هذا العلم الجديد الذي دشنه منذ اكثر من اربعين سنة في السوربون: أي علم الاسلاميات التطبيقية بالذات. وهو ليس مضادا لعلم الاسلاميات الكلاسيكية، أي الاستشراق، بقدر ما هو مكمل له او ساد لثغراته ونواقصه.
لكن لنعد الى موضوعنا الاساسي: المقابلة الاخيرة لادوار سعيد. ما رأيه بفرنسا والفرنسيين او بالاحرى المثقفين الفرنسيين؟ نلاحظ ان تقديره الكبير يذهب الى ثلاثة اسماء: جان بول سارتر ، ميشيل فوكو، بيير بورديو. اما دريدا فتقديره له اقل لانه غاص في الكتابة الباطنية الملغزة في الفترة الثانية من حياته. وتحول الى نوع من زعيم طائفة سرية في بعض الجامعات الاميركية. فهم يعبدونه عبادة هناك لأسباب لا احد يفهمها. وكلما زادت كتاباته غموضا واستغلاقا على الفهم عبدوه اكثر.. وأعتقد شخصيا ان معه الحق في ذلك. فدريدا لن يبقى منه شئ يذكر في نهاية المطاف باستثناء كتاباته الاولى التي ينوه بها سعيد. يضاف الى ذلك انه يعيب عليه نقده الحاد للسياسة الاسرائيلية من جهة ثم قبوله لشهادة الدكتوراة الفخرية من الجامعة العبرية في القدس من جهة اخرى… يحصل ذلك كما لو ان الرجل كان يلعب على الحبلين او يقف موقفا مزدوجا وغير واضح تماما… يقول ادوار سعيد بالحرف الواحد: كيف يمكن ان يقبل هذه الدكتوراه الفخرية بعد ان وقع على بيان يدين بشدة اسرائيل التي تقمع الفلسطينيين وتنتهك حقوق الانسان في الاراضي المحتلة وتدوس على القانون الدولي؟ هذا شئ لا افهمه…
للننتقل الان الى جان بول سارتر. بالطبع فانه يعتبره اكبر مثقف فرنسي في القرن العشرين. وقد كشف عن شجاعة حقيقية عندما دافع عن قضايا لم تكن شعبية في فرنسا انذاك كقضية الجزائر وفييتنام. ولكن هناك بعض النقاط المظلمة: مثلا موقفه من القضية الفلسطينية. فهو لم يكن على المستوى المطلوب. ولكن سعيد لا يدينه وانما يحاول ان يشرح موقفه من خلال التحليل العميق التالي: في رأيه أن سارتر كميشيل فوكو وكالعديد من المثقفين الفرنسيين الآخرين كان متأثرا جدا بما حصل أثناء الحرب العالمية الثانية وبخاصة المحرقة اليهودية. فسارتر مثل فوكو كان يعتقد أن تأسيس دولة إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية على ارض فلسطين أصبح شيئا طبيعيا وبدهيا لا غبار عليه. إنه نوع من التكفير عما فعلته أوروبا باليهود من فظائع. وبالتالي فسارتر ما كان قادرا على اتخاذ موقف متوازن من القضية الفلسطينية لأن شعوره بالذنب تجاه اليهود كان حادا وكبيرا جدا. ونفس الشيء ينطبق على فوكو ومعظم المثقفين ليس فقط الفرنسيين وإنما الأوروبيين ككل. ولكن السؤال الذي يخطر على البال هنا فورا هو التالي: لماذا كفروا عن ذنبهم على حساب شعب آخر وليس على حسابهم هم أنفسهم، اقصد على حساب أوروبا أو ألمانيا التي اضطهدت اليهود وارتكبت المحرقة الإجرامية الفظيعة؟
مهما يكن من أمر، فان ادوار سعيد يعتقد بأن سارتر كان في وضع لا يسمح له بفهم وجهة النظر العربية. فلم يكن يهتم بالثقافة العربية إلا قليلا وكانت معرفته عنها مشوشة، متناقضة. والدليل على ذلك أنه كان يرى في جمال عبد الناصر قائدا اشتراكيا من جهة، وزعيما فاشيا على طريقة هتلر والألمان من جهة أخرى. لم تكن لسارتر أي علاقة حقيقية بالثقافة العربية. كان دائما يشعر بالامتعاض نحوها ولا أعرف لماذا. ثم يردف ادوار سعيد قائلا: ولهذا السبب ذهبت إلى باريس عام 1979 لمقابلته واستيضاح الموقف منه. ووجدت أنه غير منفتح على الثقافة العربية وأنه محاط ببعض الإسرائيليين الذين رافقوه إلى إسرائيل وأعطوه عنها صورة إيجابية جدا. وبالتالي فلم يستطع أن يستشعر العذاب الفلسطيني بما فيه الكفاية. ثم يستدرك ادوار سعيد قائلا هذا الكلام الهام الدال على مدى أريحيته ومرونته الفكرية: ولكن كل الناس عندها نقاط مظلمة. وهذا لا ينفي عبقرية سارتر ولا يقلل من عظمة مواقفه الشجاعة جدا لصالح قضايا أخرى غير القضية الفلسطينية.
الشيء الذي نسي ادوار سعيد أن يقوله هو أن سارتر كان يخاف كغيره من المثقفين والسياسيين الفرنسيين من غلاة الصهاينة الباريسيين. نقول ذلك وبخاصة أن مواقفه أثناء الحرب العالمية الثانية لم تكن واضحة جدا الى جانب المقاومة ضد النازية، على الأقل في البداية. وقد مثلت له مسرحيات إثناء الاحتلال. بل ويقول البعض بأنه قبل بأن يشغل منصبا تعليميا كان أحد المدرسين اليهود قد فصل منه لأنه يهودي في ظل حكومة فيشي العميلة. وبالتالي فاللوبي اليهودي كان قادرا على إخراج هذا الملف في اللحظة المناسبة وتهديده به… هذه نقطة لا ينبغي إهمالها لتفسير موقف سارتر المتحفظ تجاه قضية فلسطين والذي حير ادوار سعيد على ما يبدو.
هناك نقطة اخرى يعيبها ادوار سعيد على المثقفين الفرنسيين: ألا وهي جهلهم باللغات الأجنبية وبالأخص الإنكليزية. فالمثقف الذي لا يعرف إلا لغته القومية أو الذي يجهل الإنكليزية لا يمكن أن يكون له صدى عالمي. وهذا ما ينطبق للأسف الشديد على بعض كبار المثقفين العرب كمحمود درويش وأدونيس. فمعرفتهما بالإنكليزية ضعيفة أو غير كافية. نقول ذلك على الرغم من أنهما ليسا فقط شاعرين كبيرين جدا وإنما أيضا مفكرين من الطراز الأول. وحده تودوروف من بين المثقفين الفرنسيين الذين عرفتهم كان يتقن الانكليزية تماما. ولكن هناك أيضا بورديو وآخرون حتما… ولكني استغرب هذا الحكم من ادوار سعيد.
اما فيما يخص رأي ادوار سعيد بكل من اندريه غلوكسمان وبرنار هنري ليفي فانه يشيد بانخراط الأول لصالح قضية الشيشان وانخراط الثاني لصالح قضية البوسنة وكلاهما بلد إسلامي في معظمه. ولكنه يستغرب قائلا: لماذا يدافعان عن الشعوب المضطهدة في أماكن أخرى ولا يقولان كلمة واحدة عن شعب فلسطين الذي يعاني من نفس الاضطهاد؟ هذا شيء محير أيضا ويدفع إلى الاشتباه بصدق نواياهما. لماذا يدافعان عن بوسنة متعددة الأعراق والأديان ولا يدافعان عن فلسطين متعددة الأعراق والثقافات أيضا؟ لماذا لا يدينان العرقية المركزية اليهودية المتفاقمة في إسرائيل؟ لماذا كل هذا التساهل مع إسرائيل وعدم توجيه أي نقد لها في حين أنهما يدينان بعنف انتهاك حقوق الإنسان الشيشاني والبوسني؟ أعتقد أن في الأمر الكثير من النفاق..
بعد كل هذا الكلام الذي سبق لابد أن يطرح المرء على نفسه السؤال التالي: كيف يمكن تفسير الصداقة الحميمة التي نشأت بين ادوار سعيد المثقف الفلسطيني والموسيقار الإسرائيلي المعروف عالميا: دانييل بارينبويم. لكي نستجلي حقيقة الوضع يكفي أن نقرأ في هذا الكتاب القيم الفصل السابق مباشرة للمقابلة مع سعيد والمخصص لهذا الموسيقار بالذات. ففيه نكتشف أنهما تعرفا على بعضهما البعض لأول مرة في احد فنادق لندن في بداية التسعينات من القرن المنصرم. وكان ادوار سعيد هو الذي خطا الخطوة الأولى باتجاهه وعندما اقترب منه قال له الإسرائيلي: إني أعرف من أنت. وهكذا ابتدأت علاقة طويلة لم تنته الا بموت سعيد. فقد شارك معه المفكر الفلسطيني الكبير في حفلات موسيقية ضخمة في شتى أنحاء العالم. بل ونالا من يد ملك إسبانيا جائزة كبيرة تقديرا لجهودهما من أجل تحقيق السلام والوفاق في منطقة الشرق الأوسط. فمن هو هذا الموسيقار يا ترى؟ على هذا السؤال يجيبنا الكتاب قائلا: لقد ولد في الأرجنتين عام 1942 في عائلة موسيقية يهودية ذات اصل روسي. ثم هاجرت العائلة إلى إسرائيل عام 195. وبعدئذ ترفع دانييل بارينبويم في المناصب حتى أصبح الآن مديرا لدار الأوبرا في برلين وميلانو أيضا. وبالتالي فالرجل شخصية عالمية مرموقة ويتخذ مواقف معتدلة وعقلانية من قصة الصراع العربي الإسرائيلي.
فقد عرف هو أيضا معنى العنصرية ولا يريد بالتالي أن تمارسها إسرائيل على الفلسطينيين. فعندما كان في ميامي في إحدى المرات عام 1957 وجد ناديا مكتوبا عليه العبارة التالية: ممنوع الدخول على اليهود والسود والكلاب! ولو كان هناك عرب آنذاك لأضافوهم حتما إلى القائمة. ثم يردف مؤلف الكتاب قائلا: لقد فكر قائد الأوركسترا هذا كثيرا بمشاكل الهوية والتعايش بين اليهود والعرب والجسور التي يمكن إنشاؤها بين الطرفين على الرغم من كل الأحقاد التاريخية المتراكمة وبخاصة بعد تشكيل دولة إسرائيل عام 1948. ويبدو أن انخراطه السياسي لصالح السلام ابتدأ عندما سمع العبارة الشهيرة لغولدا مائير: الفلسطينيون غير موجودين، غير موجودين. لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني! لقد أزعجت هذه العبارة شخصا ذا نزعة إنسانية ويتفهم عذاب الآخر مثل صديق ادوار سعيد المقبل. وراح دانييل بارينبويم يتجه نحو الفلسطينيين ويقول بما معناه: ينبغي أن نعترف بأن تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 تم على حساب الآخرين وطردهم من ديارهم وكارثتهم. ولكنه في ذات الوقت كان يعتبر هذا التأسيس بمثابة ضرورة من ضرورات العدالة الكونية. ولا نعرف كيف استطاع أن يوفق بين كلتا الأطروحتين..مهما يكن من أمر، فإن الرجل كان أفضل من غيره لأنه يعترف على الأقل بالحقيقة الموضوعية: أي بما حصل بالفعل في فلسطين.
وبناء على ذلك راح ينتقد السياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني. والأهم من كل ذلك هو أنه ركز على البعد الأخلاقي للمشكلة. ففي رأيه أن الشعب اليهودي الذي عانى كثيرا على مدار التاريخ واضطهد كثيرا من كل الجهات كان يمتلك رصيدا أخلاقيا كبيرا قبل تأسيس دولة إسرائيل أو قل بالأحرى قبل أن تنتهج إسرائيل هذه السياسات القمعية الرهيبة ضد الفلسطينيين. وبالتالي فقد خسر هذا الشعب رصيده الأخلاقي الكبير بعد أن تحول من مقموع إلى قامع. وهذا ما يحز في نفس صديق ادوار سعيد، ومعه الحق. فطرح الأمور من هذه الزاوية موفق جدا وصحيح مائة بالمئة. وأصلا إذا لم تطرح قضية فلسطين من هذه الزاوية فإنها لا تكون قد طرحت أبدا. مسألة فلسطين هي مسألة أخلاق بالدرجة الأولى حتى قبل أن تكون مسألة ارض أو بشر أو حجر..
ثم يذكرنا دانييل باريبويم بقصة مؤسس الصهيونية هيرتزل عندما أرسل حاخامين يهوديين من فيينا إلى فلسطين لاستكشاف الأوضاع فيها ومعرفة فيما إذا كان تأسيس دولة يهودية هناك أمرا ممكنا أم لا. فعادا وقالا له: العروس حلوة، يا أستاذ، ولكنها مأخوذة.. بمعنى أن هناك شعبا في فلسطين والدنيا ليست سائبة. ومع ذلك فقد أسسوا دولتهم هناك وظلت الدعاية الصهيونية تقول: أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض..
ولذا فان المتطرفين في إسرائيل يهاجمون صديق ادوار سعيد لأنه ينتقد بشدة الاحتلال والقمع الإسرائيلي لسكان المناطق المحتلة ويعتبرونه مضادا لإسرائيل ومصالحها. ولكنه يرد عليهم قائلا: شارون هو المضاد لإسرائيل وليس أنا. الاحتلال هو المضاد للأخلاقية اليهودية العريقة وليس أنا. لقد بدد قادة إسرائيل الرأسمال الأخلاقي للشعب اليهودي وهذا ما لن اغفره لهم. فنحن أصبحنا الآن قامعين ومحتلين مثلنا مثل غيرنا. ولا يحق لنا بعد اليوم أن نتحدث عن مآسينا واضطهادنا من قبل الآخرين على مدار التاريخ. لا يحق لنا أن نعطي دروسا في الأخلاق لأحد. لقد خسرنا أعز ما لدينا بعد عام 1967 بعد أن احتللنا أراضي الآخرين وأهنا كرامتهم في عقر دارهم. وبالتالي فينبغي أن ينتهي الاحتلال إذا ما أراد الشعب اليهودي أن يسترجع بعضا من رصيده الأخلاقي المهدور. ثم يضيف هذا المفكر والموسيقار الشهير قائلا: نحن الذين كنا أقلية على مدار ألفي سنة أصبحنا نحتقر ونضطهد الأقلية العربية في فلسطين.
والواقع أن المثقفين اليهود منقسمين الآن إلى قسمين: قسم عاد إلى عصبيته اليهودية بعد النجاحات التي حققتها دولة إسرائيل مؤخرا، وقسم يرفض ذلك بشدة ومن بينهم هذا الموسيقار بالإضافة الى الفيلسوف ادغار موران وبعض الآخرين. فهو يحذر اليهود من نزعة الانكفاء على الذات ويدعوهم إلى تبني القيم الكونية التي طالما حلم بها سبينوزا وانشتاين وكبار فلاسفة التنوير اليهود. فالانكفاء على الذات يعني العودة إلى غيتو فارسوفيا: أي الموت والانقراض. ولكن نزعة الخوف من الآخر تظل تلاحق اليهود بسبب تاريخهم المأساوي الطويل. ولهذا السبب فان على المثقفين العرب مهمة طمأنتهم والسير باتجاههم خطوة واحدة على الأقل كما فعل ادوار سعيد يوما ما مع دانييل بارينبويم. وكان أن نشأت صداقة كبيرة نادرة المثال.
والآن نطرح هذا السؤال: كيف يقيم الموسيقار الإسرائيلي صديقه الفلسطيني ادوار سعيد؟ أولا ينبغي القول بأنه لا يزال يبكيه حتى الآن ويرى فيه مفكرا وإنسانا لا يعوض. يقول عنه مثلا ما يلي: كان أكبر مفكر نهضوي وإنساني في هذا العصر. وكان يعرف كيف يقيم الجسور والعلاقات بين مختلف الاختصاصات والعلوم على طريقة فلاسفة النهضة الأوروبية. ولم يكن ينغلق داخل اختصاص واحد كما يفعل بعض الباحثين الأكاديميين أو معظمهم. وكان يزعج الإسرائيليين والعرب على حد سواء. كان يزعج الإسرائيليين لأنه يذكرهم بضحاياهم: أي الفلسطينيين. ويعيب عليهم عدم تعاطفهم مع كارثتهم أو نكبتهم بل وحتى عدم اعترافهم بها. وكان يزعج العرب أو بعض العرب لأنه كان يعرف العالم اليهودي عن كثب ومن الداخل بشكل نادر. وكان يستشعر فعلا آلام اليهود على مدار التاريخ.
وعظمته الأخلاقية والإنسانية ناتجة عن كونه المثقف العربي الوحيد الذي كان يستطيع أن يرى المشكلة من مختلف أبعادها وجوانبها. بهذا المعنى فإننا نفتقد ادوار سعيد الآن وبكل حرقة ولوعة. إن غيابه المبكر خسارة كبيرة للعرب واليهود، للفلسطينيين والإسرائيليين، بل وللعالم كله. لم يعد عندنا مثقفون من هذا الحجم لكي يساعدونا على حل المشكل. لم يعد هناك مثقف ذو هيبة أخلاقية عليا كادوار سعيد.
وأخيرا هل يمكن أن نختم عرضنا الذي طال قبل أن نطرح هذا السؤال: هل يوجد حل للصراع العربي الإسرائيلي؟ أما لهذا الليل من آخر؟ هل توجد نهاية لهذا الصراع الذي سحق البشر والحجر وقضى على مستقبل أجيال متتالية بأسرها؟ ولا يزال يقضي حتى الآن..على هذا السؤال يجيب صديق ادوار سعيد قائلا: على المدى القريب لست متفائلا، ولكن على المدى البعيد فإني متفائل لسبب بسيط هو أن لكل شيء نهاية وأن البشرية تتجاوز دائما محنها وصعابها في نهاية المطاف. على المدى القريب هناك صراع لا يرحم بين النزعة الإيديولوجية، أي التوسعية، الإسرائيلية، وبين انعدام النزعة البراغماتية في الجهة الفلسطينية: أي الرغبة في استرجاع كل شيء تقريبا. وهذا مستحيل. وبالتالي فنحن نراوح مكاننا إلى أجل غير مسمى… والحل هو ما دشنه ادوار سعيد عندما سعى جاهدا إلى إقامة الحوار بين المعارضة الديمقراطية الفلسطينية والمعارضة الديمقراطية الإسرائيلية. ولكن كلا منهما لا تزال أقلية في معسكرها. وعندما تصبح أكثرية سوف يصبح الحل ممكنا. ولكن هنا نحن بحاجة إلى فرنسا وكل أوروبا من اجل إيجاد الحل يوما ما. فحتى القوى الديمقراطية لن تستطيع لوحدها ترسيخ الحل وإنما هي بحاجة ماسة إلى دعم ومؤازرة قوى كبرى خارجية. ولتعلم أوروبا أنها إذا لم تجئ إلى الشرق الأوسط لحل مشكلته فان الشرق الأوسط سوف يجئ إليها. وهذا يعني أن الصراع أصبح يهم العالم كله وأوروبا بالدرجة الأولى. ولن يسلم احد من شظاياه إذا ما ظل مفتوحا أو إذا ما اندلع على مصراعيه. وبالتالي فقد أعذر من أنذر…
——
عنوان الكتاب: نظرات على فرنسا. ثلاثون اختصاصي عالمي يقيمون وضع فرنسا من مختلف جوانبه.
باشراف باحثين شابين من أصل لبناني: كريم اميل بيطار وروبير فاضل.
دار نشر سوي. باريس. 643 صفحة من القطع الكبير.
