كتاب “الإسلام السياسي”: جعْل الأصولية أصلا ومتنا

في معظم المجتمعات بقيت التنظيمات السياسية المتطرفة التي اتخذت من المقاومة العنيفة والمسلحة سبيلها الأوحد إلى تغيير النظام القائم، موسومة بعزلة مريبة عن المجتمع تنبع من الحذر والخوف الذي تشيعه بين الناس العاديين ببرامجها المتطرفة وردة فعل السلطة المبالغ فيها عليها. وهي بأهدافها العامة تتجه أساساً إلى تحقيق مطالب المجتمع في حين أن الطابع العنيف الذي ينتهجه أفرادها يظهر بصورة تعبير عن استقالة فاضحة للمجتمع والحراك الاجتماعي وعند هذه النقطة بالذات يمكن لأي نظام سياسي الاستفادة منها وتوظيف إمكانياتها العنيفة على شكل رسائل عنيفة ورمزية في ذات الوقت، “تخدم” أهدافه التي تحاربها، هي، على عكس ما توهم به الآخرين.

أمام المد الكاسح (إعلامياً) لحضور الحركات الإسلامية في الثمانينات والتسعينيات بدا أن التقويم العقلاني والمنطقي لظاهرة الإسلام السياسي صعب للغاية، خاصة وأن الإعلام لعب دوراً مضللاً إلى حد بعيد، ما أساء إلى فهم الظاهرة نفسها. وربما كان المطلوب أساساً هو هذه الحالة بعينها، عدم فهم الظاهرة بل، أكثر من ذلك، المطلوب إساءة فهمها بهدف خلق استجابة معينة وهو ما حدث فعلاً، بدءاً من تصريحات السياسييين الغربيين ومواقف حكوماتهم، خاصة بعد 11/9، وانتهاءاً بالناس العاديين مروراً بالطبع بالمثقفين (جيش من المحللين السياسيين والاختصاصيين والمؤرخين) الذين وجد بعضهم في ذلك فرصة سانحة ليقوم بدور مشبوه معروف تماماً في الماضي والحاضر كخادم سلطاني ممتاز. إن منطق الثنائيات الذي حكم العملية برمتها داخل الحقل الإعلامي وخارجه وصل بها إلى المستوى المطلوب من توليد عنف وعنف مضاد، أحقاد وكراهية متبادلة. وصارت الـ”نحن” في مقابل الـ”هم”، في تبادلٍ محزنٍ ومرير للأدوار، نحن الديمقراطيين وهم أعداء الحرية؛ نحن أصحاب الحق وهم أهل الباطل، نحن أهل الإيمان وهم أهل الكفر والهرطقة.

فرانسوا بورغا في كتابه “الإسلام السياسي في زمن القاعدة” يهدف إلى محاولة إجراء تقويم عقلاني ومنطقي يقترب من تعقيدات الظاهرة وخلفياتها، معتبراً أن توجهاً أحادياً في التفسير، الخلفيات الاقتصادية المتواضعة، الضغوط المعنوية الساحقة، الشعور الحاد بالاستلاب أمام السلطة المحلية والقوى الغربية، لا يكفي، إذ أن المسألة أكثر تعقيداً وتتطلب استفادة من جميع هذه الأسباب معاً »إذن هؤلاء الإسلاميون ليسوا مجرّد فقراء “أهملتهم التنمية”. وليسوا كذلك “أغنياء” أسكرتهم أموال النفط المبددة، ولا “فتيةً” (نتاج تكاثرٍ سكانيٍ غير منضبطٍ)، ولا “بورجوازيين أتقياء”، ولا “مثقفين”، ولا مجرّد “مدنيين”، أو “عسكريين”، أو “رجالٍ” (ذكوريين)، أو “نساءٍ” (مسحوقاتٍ). إنهم كل هذا معـًا، ضمن تنوّعٍ مشابهٍ لتنوّع فاعلي تعبئاتٍ أخرى ولدت كردّ فعلٍ على شكلٍ أو آخر من أشكال السيطرة«.

يقترح بورغا تأريخ ظاهرة الإسلام السياسي عبر تقسيمه إلى فترات زمنية (زمنيات):
الزمنية الأولى وتبدأ في عشرينيات القرن العشرين مع تأسيس حسن البنا للإخوان المسلمين كـ”أول رد فعل إسلامي”. في هذه الفترة كان الصدام مع الاستعمار يطغى على توصيف الوجود المهدَّد للهوية الاسلامية العربية ويفرض السؤال الملِّح حول تفسير حالة الانحطاط السائدة في العالم العربي والاسلامي، في حين بدت القوى الاستعمارية غاية في النشاط وإن أفلت شمس امبراطورياتها عن العالم تقريباً، وكانت كتابات محمد عبده وجمال الأفغاني ورشيد رضا هي المرجعية الثقافية التي ساعدت على بلورة مشروع مضاد للاستعمار بهوية اسلامية صرفة.
الزمنية الثانية تبدأ مع الاستقلال وحتى بداية التسعينيات بوصول النخب المحلية إلى السلطة وهنا تأسسَ صراعٌ سيستمر لعقودٍ طويلة بعد ذلك، فهذه السلطات الوليدة لم تفِ بوعود الاستقلال ولم تخرج حقاً من عباءة الاستعمار الذي خرج من البلاد وانكمشت في قوقعة مصالح أفرادها الخاصة مؤسسة لنفسها مجالات واسعة من السيطرة والتحكم بالمجتمع وتنظيماته، عدا عن أنها اتجهت على نحو حثيث باتجاه علمنة القوانين والتشريعات، معتمدة سياسة تهميش للتيارات والأحزاب الاسلامية بل وفي بعض البلاد العربية تم اعتماد حملات قمعية شديدة طالت هذه التيارات بعنف غير مسبوق، وطبعاً يجب الإشارة إلى أن تلك الحملات طالت جميع أحزاب وحركات المجتمع التي لم تهادن السلطة أو تصالحها.
الزمنية الثالثة تبدأ منذ فترة التسعينيات وحتى الآن مع تأسيس منظمة القاعدة التي، بحسب المؤلف طبعاً، نقلت الصراع من جديد إلى إطاره الدولي “من العدو القريب إلى العدو البعيد” وقد استقت مصادرها النظرية بشكل عام من كتابات سيد قطب الذي أعدمه النظام الناصري في مصر في 1966 بعد فترة سجن طويلة. “إن سيد قطب، من دون شكٍ، هو الذي يعطي للراديكالية السياسية لمؤسسي القاعدة مصدرها اللاهوتي، السياسي. حتى اليوم، بتفسير تعليماته، وخاصةً تلك الواردة في “في ظلال القرآن” أو في “معالم على الطريق”.

ويجد الكاتب أن ثمة تشابهات عديدة بين ظروف بن لادن وسيد قطب تستدعي انتساب الأول للثاني، ظروف اجتماعية وسياسية متشابهة محورها قضية فلسطين والاحتلال الغربي لدول عربية، والوقوف على عنف مبالغ فيه من جانب السلطات المحلية وكذلك من جانب القوى الاستعمارية ما يستدعي استجابة عنيفة بالمقابل ترد الشر إلى أصوله. وحتى اسم منظمة القاعدة مستقى، على تعدد الروايات، من عنوان أحد فصول كتاب سيد قطب “لماذا أعدموني؟” وهو “تبدأ الحركة الاسلامية من القاعدة”. ومع تحليله لبعض خطب بن لادن يكمل الكاتب رسم صورة “الثائر الاسلامي الناضج”: “في الواقع، من دون الخروج من إطار الفكر الإسلامي الكلاسيكي، الذي كان يعطي التفكير المنطقي الدنيوي مكانه الكامل، خرج بن لادنفعلاً من النطاق الديني البحت ليتحرك ضمن النطاق “العقلاني”. عندما نُذَكِّربمكانة التحليل الدنيوي والسياسي والاقتصادي والمالي في المنطق الديني، فهو يحتل، حتى في منطقه موضعـًا حاسمـًا لا يأخذه كثيرٌ من المراقبين في اعتبارهم مع ذلك.”

المشكلة في هذا التقسيم أنه يعكس تجانساً وتشابهاً في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للزمنيات الثلاث المقترحة دون الاهتمام بتبيان الفروقات الهائلة والتطوارت الكبيرة التي حصلت عبر مسيرة القرن العشرين بخصوص المجتمعات العربية والاسلامية وبنيتها الاجتماعية والسياسية والطائفية. والوضع في عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته مختلف بالتأكيد عنه في الخمسينات والستينات وكذلك هو مختلف عن الوضع في التسعينات وبالتالي فإن رسم لوحة تجمع سيد قطب وبن لادن والظواهري ومحمد عطا (قائد طائرة البوينغ التي ضربت نيويورك)، من خلال تبيان التشابه في الظروف الشخصية والعامة لايبدو دقيقاً، فالحراك الاجتماعي والسياسي في عقود الخمسينات والستينات كان متميزاً بالتنوع والغنى لجهة تعدد القوى والأحزاب السياسية العلمانية والإسلامية فجميعها لها مواقعها على الساحة ولها أنصارها ومساحات حركتها ولكن الانقلاب الخطير الذي أصاب النظام السياسي العربي في السبعينيات أطاح بالمجتمعات العربية ذاتها التي وصلت في عقد الثمانينات إلى درجة من التحطم والتشظي لا سابق لها.

مع بورغا، يغيب هذا التنوع ولا يجري الحديث سوى عن مشهد إسلاموي عام مستمر بقوة وزخم منذ بدايات القرن، وعلى هذا الأساس تكون المقاومة الإسلامية في لبنان سابقة على حركة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي لم يعد يذكرها أحد، وحماس في فلسطين سابقة على فتح، والأخوان المسلمون في مصر هم القاعدة العامة وبقية الأحزاب الأخرى على الهامش طوال عقود القرن العشرين. ولنا أن نتذكر هنا أن السادات، الرئيس الذي اكتشف أنه مؤمن في بداية السبعينات، جامل الحركات الإسلامية ليضرب القوى اليسارية، ومن ثم لينقلب على الحركات الإسلامية نفسها. وبالتالي فإن اللوحة أكثر تعقيداً من الصور والخطابات الشعبوية التي قدمها الكتاب والتي تشبه نوعاً ما الخطاب الإعلامي لقناة الجزيرة القطرية مثلاً. ومن المشروع التساؤل عن مصداقية كثافة وغزارة النقاش الإعلامي لظاهرة الإسلام السياسي في مختلف القنوات الفضائية العربية وغير العربية وهل يعبر ذلك عن تمثيل حقيقي أم عن فَرْض تمثيل؟ وهل يعقل أن المجتمعات العربية بتنوعاتها الإثنية والدينية وتعدد طبقاتها وفئاتها وانتماءاتها لا يمكن أن تُمثَّل إلا من جوانب دينية وطائفية فقط؟

الآن يجري تكثيف الحضور والنقاش الإعلامي في القنوات العربية للتنظيمات المسيحية المتطرفة في أميركا وحديث مماثل عن المنظمات النازية الصاعدة في أوروبا وأميركا، ضمن صورة نمطية ممجوجة للغاية، تعبيراً عن رغبة كامنة في خلق استجابة معينة لدى المتلقي العربي المسلم تحديداً (يجري إقصاء المسيحي لأسباب معروفة)، ذلك في ظل غياب نقاش مماثل عن مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في دول الغرب. والتساؤل هو عن الغايات السياسية التي تحكم مثل هذه التوجهات وطبيعة الأهداف المرجوة من إشاعة أجواء الرعب والخوف في المعسكرين وخلف نفس المتاريس الإيديولوجية؟.

—–
“الإسلام السياسي في زمن القاعدة”
تأليف: فرانسوا بورغا
ترجمة: سحر سعيد
إصدار شركة قدمس للنشر والتوزيع 2006
بيروت – لبنان

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This