ليليت والحركة النسوية المعاصرة: هل يعود العصر الأمومي من جديد؟
قصة ليليت (أمازونة ما بين النهرين) أو أفروديت اليونانية أو فينوس الرومانية هي حكايتها مع القطب الآخر، أسطورتها هي أسطورة الحفاظ على حقوق المرأة والرجل معا. فالمطالبة بالحقوق هي مطالبة بالحرية. ولدت ليليت في الألف الثالث قبل الميلاد في البانثيون السومري. اسمها يعني الهواء والنفس والروح والليل الذي اقترن باسمها فصار اسمها يدل، بعد سيطرة السيادة الذكرية، على العنف والظلام، فانقلبت سمعتها من مربية أطفال إلى قاتلة. ثم ارتبطت بالشجرة المحرمة والأفعى والبومة، التي انقلبت رموزها أيضا، فالأفعى رمز الشفاء صارت رمزا للفناء والبومة التي ترمز للحكمة صارت ترمز للخراب…
لكن ليليت تختلف عن الأمازونات البحر الأسود في أنها تستخدم العاطفة عوضا عن السيف، وهي زمنيا أقدم من الأمازونات، كما أنها تجمع القدسية إلى الدنيوية. بحلول العهد الأبوي نفاها الذكر من عرشها قرب المهاد الطفولية إلى المقابر. وبالرغم من بطش الرجل بها، بقيت تحمل معالم الربة في كل آثارها الباقية: وجه جميل وقد ممشوق وحوض واسع ونظرة حنون.
يرى السرد اليهودي أن ليليلت هي الزوجة الأولى قبل حواء، أي أنها كانت ملتصقة بآدم التصاقا، وفي ألف بائية ابن سيراخ توضيح لرفض ليليت الجنة، وهو امتناعها لطلب آدم بالاضطجاع. رفضها يبين تمسكها بالكرامة التي لا يوجد لها مثيل في آداب العالم. تروي السرديات اليهودية حكاية فرار ليليت إلى البحر الأحمر وتشكيل رب اليهود لجنة من الملائكة لإقناعها بالعودة إلى آدم فلم تنجح. وسارت إشاعات بأن ليليت تقتل الذكور قبل اليوم الثامن، أي قبل الختان اليهودي. إنها صورة الشيطان المؤنثة، فقد أضيفت تعويذة في العصور الوسطى تقول: يا آدم وحواء أبعدا ليليت عن أطفالنا ونسائنا، فظهرت ليليت “الصقوبة” (العاهرة) التي شاعت منذ القرن الثالث عشر، وصقوبة SUCCUBA تعني (الاضطجاع تحت) وهي انتقام لآدم من ليليت الأولى التي عصته، الحرب على السيادة. ثم تلتها صورة ليليت الدراكولا التي شاعت فيما بعد في السينما. تفسر السرديات غيرة الذكر منها لمعرفتها اسم الله الخفي السري أو الأعظم، فلا يوجد مخلوق عرف اسم الله سوى المرأة بحسب الأساطير اليهودية والفرعونية، فإيزيس (ليليلت المصرية) تعرف اسم الله، وهي أسطورة تدل على محاولة المرأة استعادة سلطتها المفقودة, دليل ذلك زي رجال الدين النسائي الذي يدل على سلطتها القديمة.
تروي القبالة اليهودية أن آدم كان مزواجا، على عكس الكاهن اليهودي مير الذي يعتقد أنه كان تقيا وأنه اعتزل العالم 130 سنة صائما نادما على الذنب، ولا توجد علامات سردية على توبة ليليت المتكبرة. وتروي “الزوهار” اليهودية أن ليليت قابلت الله، وهي سرديات تدل على تقديس المرأة اليهودية للربة ليليت. المانوية الفارسية تشير إلى ليليت أيضا، فالزنبق هو الاسم الفارسي لها، وتأخذ وردة مريم العذراء اسما آخر في الكوميديا الإلهية لدانتي هي وردة “الفردوس الناصعة البياض”.
في اليونانية تأخذ ليليلت اسم إليثيا، وتوجد دلائل قديمة على عبادة الربة إيليثيا أمنيسوس في جزيرة كريت، أما في ليبيا فتأخذ ليليت اسم لميا ابنة بيلوس، التي تعاملها الميثولوجيا اليونانية المتأخرة معاملة قاسية بتصوير جذعها والأطراف على شكل أفعوان وثديييها على شكل ضروع جاموس، وتطلق عليها لقب “آكلة لحوم البشر”. رومانسية جون كيتس تتغنى بأفعى تقع في حب شاب جميل فتتحول إلى حسناء فتان وتظهر لميا الليبية في أحد المواقع النسوية المعاصرة على شكل خنثى.
وفي إحدى قصائد اليونانية سافو تأخذ ليليت اسم غيلو (الغول) التي تخطف الأطفال. في كل التاريخ القديم العفريت الذي يخطف الأطفال أنثى؟ وهذه دلالة على أن ملكية الأطفال كانت الموضوع الأول في مرحلة انتقال سلطة الأم إلى سلطة الأب. ليلى تشير إلى ليليت العربية، الذي ظل اسمها يتردد حتى أواخر العصر الأموي، وفي العصر العباسي تراجع أمام اسم زمرد. تغيّر تسريحة الجواري إلى الغلمانية لم يغير لحن أغنية يا ليل يا عين الذي ظل مستقرا.
في الغرب اجتاح اسم ليليت أوروبا كلها، فأغنية لحن المهد هي “لولابي” مشتق من اسمها. والسيريناده هي واحدة من أغاني المهد التي تشير إلى سيرينات الاغريق اللاتي كن يغوين البحارة بغنائهن الساحر، إلا إذا سدّوا آذانهم بالشمع كما في أسطورة الأوديسة.
تشير أسطورة ساحرات سالم التي تعود إلى عام 1692 إلى أن اسم الساحرات ارتبط بالنساء. الاتهامات الظالمة التي لم تثبتها المحكمة الأميركية لم تغير صورة الساحرات الإناث في مدينة سالم الأميركية.
أهم تأويلات ليليت هو التأويل الجنسي الذي يقول بأن الجنس الأول كان خنثى وبانفصال ليليت عن آدم بدأت ملحمة الدم البشرية. التأويل الفولكلوري لا يفلسف الأمور ويقرّ بواقعية الأسطورة ويضع التعاويذ والرقى على أسرة الأطفال وعتبات البيوت لدرء خطر ليليت الشريرة. التأويل القبالي اليهودي يجعل ليليت تجسيد لبابل الخطيئة، مدينة العهر والفسق والتطاول على الله. التأويل النفسي الفرويدي يعزو إلى المرأة عقدة خصاء بسبب فقدانها عضو الذكورة، بينما يركز يونغ على القول بالأم الكبرى، أما بيير داكو فيقول بأن الرجل يمثل الخارج أما المرأة فتمثل الداخل.
التأويل اللغوي عمل انقلابا على سلطة الأم بحيل لغوية فزوج الربة صار رب الربة. كلمة «إيلوها” التوراتية تعني الربة وقد صارت “إيلوهيم” ، قُلبت إلى رب الربة وهي تعني حرفيا زوج الربة؟ وفي مصر الرب سيت إله العاصفة والصحراء يعني السيدة.. لقد سطا على اسم ليليت المصرية بلا خجل.
ساعدت فلسفات “الوثنية الجديدة” على عودة ليليت إلى العالم المعاصر وقيام الحركات النسوية؟ ولولا الثورة الصناعية لما سمعنا صوت المناضلة النسوية ماري ولستو نكرافت و بيان حقوق المرأة الذي ظهر في عام 1792، ويذهب ماكس فيبر إلى أن المتدينين البروتستانت بترسيخهم علاقات الإنتاج الرأسمالية أعادوا المرأة من حيث لا يقصدون.
أما في الآداب الفولكلورية فترتبط المرأة بالحرب (حروب طروادة من اجل هيلينا) وتدل التواريخ على أن المرأة مُنعت من المشاركة في الألعاب الأولمبية في العصر الذكوري، ولم تعد تشارك إلا حديثا في عام 1912. وفي الآداب الحديثة يعتقد الباحث أن القصيدة كانت “قصدا” للذهاب إلى مكان الربة المقدسة (“والحبيب يزار” كما يقول جرير)، ويعتقد أيضا أن كسبها المعركة من جديد يتم على حساب موقعها في الأدب ودليل ذلك كتاب “مدينة السيدات” لكريستين دي بيسان في بداية القرن السادس عشر، وكتاب “أهالي بوسطن” لهنري جيمس ما بين 1885- 1886، ورواية “المندرين” لسيمون دي بورفوار. وربما كانت الفلسفة الماركسية أقوى الفلسفات التي انتصرت للمرأة في سبيل تحريرها كأداة إنتاج من يد البورجوازي، ولا تختلف الفوضوية عن الماركسية سوى برؤيتها في أن الإرادة الحرة هي التي تصوغ مجمل النظام الاجتماعي الحر. ولم تقصّر فلسفات كانط وكونت وهيغل ونيتشه وفرويد في الترحيب بعودة ليليت.
وظهرت أسماء في النشاط النسوي الحديث مثل كاتي ميليت (السياسة الجنسية 1970) وناقدات أمثال كارولين هلبورن وساندرا جلبرت وسوزان غوبار وأنيت كولدوني وأدريان ريتش في أميركت، وقدمت الاسترالية جيرمين غرير ما يشبه الإيدولوجيا في كتابها (الأنثى المخصية 1970 ) وفي فرنسا استبدلت مارغريت دورا وهيلين سيكسو عبارات FIRE MAN بدلا من FIRE FIGHTER . وأنشأت الحركة النسوية المعاصرة مصطلحات جديدة في مجلتها MS معارضة مصطلح MRS . واستعارت الحركة النسوية من الإسبانية كلمة “ماشيزمو” التي تعني المذكر كشتيمة. وفي الفلسفة اللغوية اقترحت سالي ميلر غيرهارت حملة ضد التستوستيرون ( الهرمون المذكر) داعية إلى يوتوبيا امازونات معاصر.
أن أغنية المهد ( ياليل ياعين) هي أغنية ليليت الأم التي تتعدد أسماؤها: ليال، لولا، لوليتا، ليلي، ليليان، ليلى.. ويعتبر رسم اليد التي تتوسطها عين على وسائل النقل والأبواب العربية والخرزات الزرقاء امتدادا لليليت سومر وأكاد.
تنحصر أسلحة الحركات النسوية المعاصرة في سلاحين: أولهما العودة إلى الأديان القديمة، فمئات المواقع النسوية تستعير أسماء الربات القديمة الوثنية مثل ليليت وعشتار واينانا واناهيد … والسلاح الثاني هو الجنس، اقوي أسلحة المرأة، ويجري باستعادة بابو (ممثلة الدعارة في فوست غوته) وإيزومي اليابانية (في الأساطير اليابانية تنبت حقول الأرز بضحكاتهن الماجنة) من أجل تجديد الحياة لا من أجل متعة الرجل. يبدو أن صراع الأنوثة والذكورة مستمر إلى الأبد
