تجربة في الرقابة: قرون الوعل وقلب الليل.

أدركت علاقة كلمة الرقابة بالرقبة و”فكها” في يوم ذي مشأمةمن أيام أواخر التسعينات عندما مثلت متهما أمام رئيس اتحاد الكتاب العرب “السابق” (هل نكتبها بماء الذهب؟) الذي كان يمكن أن يصير من الأوابد التاريخية و”العاديات” – ربما اشتقت هذه التسمية من عداء الحجر للزمن. ثمة حديث شريف قدسي يقول لا تسبّوا الزمن فأني أنا الزمن- فسأل فورا: أنت قلب الدراق؟

قلت : نعم

فأنا لست، بالتأكيد، ريكاردوس قلب التفاح.

قال: زوّرت ختم الاتحاد، أحضره فورا وإلا اتصلت بالجنائية؟

الجنائية! أعوذ بالله، كنت خائفا من الأنكى أن يتطور الأمر إلى الاتصال “بالسياسية” فأبو جميل أرحم من أبو ثائرالقبيح.

سألت عن السبب، فقال انظر.

ثم سحب “مشط” طاولته واخرج من درج ملقم مخطوطي، جاهزا للإطلاق، وكنت تركته في ديون الاتحاد للموافقة على التداول، إذ سبق أن حصلت على الموافقة بالطباعة.

قال: المخطوط عليه ختمان مختلفان في النقش، هذا ختمنا الذي تراه معي، وهذا الختم الذي زورته.

بذلت جهدا كبيرا، بمساعدة المرحوم ميخائيل عيد حتى نفهمه أني جمعت مخطوطين، وحصلت على الموافقة الاتحادية بطباعتهما في وقتين مختلفين، وجمعتهما، لكن بقي العاديات مصرا على أتهامي بالتزوير، وبدت القضية مهمة لأنه ترك طاولته “التمساحة”، واجتمعنا على طاولة غير مستديرة، وكان ذلك تصرفا ينم عن ديمقراطية وتطبيقا لمبدأ : المتهم مدان حتى يبرئ نفسه. أحسست على أثرها بالفخر لجلوسي مع “أهم” كاتب عربي على طاولة واحدة، لكن الخوف لم يفسح مكانا للفخر.. تذكرت جوزف. ك الذي كانت جملته الأخيرة في رواية المحاكمة وهو يستسلم للجلادين: أموت مثل كلب.

قفزت فورا إلى التوسل وإثارة نخوته، وانأ أكاد أبول على نفسي من الخوف ( في المجموعة قصة بعنوان المصعد يستعرض فيها الراوي مذكراته في الحصر البولي بسبب الخوف من المخابرات): أستاذ.. أنت أستاذ كبير، صفقت لك في برنامج الاتجاه المعاكس (حلقة جمعته مع لطفي الخولي حول التطبيع، وفي إحدى مشاكساتهما اتهم العاديات الخولي بتبديد أمواله على السيكار الفاخر فرد عليه الخولي باتهامه بتبديد مال الشعب على الكرافتات الثمينة) لم ازوّر الأختام، أرجوك، لا تحولني إلى الجنائية، فليس لي دار نشر، فأنا أطبع مجموعة كل عقد (واحلم بتكسير رأس غابرييل غارسيا ماركيز!).

طلب مني اثبات ادعاءاتي، فهرعت إلى الديوان، في الممر إلى الديوان اصطدمت بموظف “طنط” بوظيفة ساقي أو ساعي يتنقل بين المكاتب.. السؤال كيف عرفت أنه طنط؟ الجواب لأنه كان يمشي الخيزلى (مشية عارضات الأزياء) وبين فكيه ترقص علكة. تطيّرت وتشاءمت، وتذكرت جوزف ك مرة ثانية، معقول أن يكون هذا الموظف “السّدومي” موظفا في هذه المؤسسة العريقة؟ بحثنا، مستهدين بأرقام الختم ” المزور” فأظهرت بيانات الاتحاد مخطوطة قديمة تحت اسم “أخطاء مطبعية” كنت ضممتها إلى مجموعة قصصية ثانية بعنوان ” المصعد” وشكلت منهما مجموعة بعنوان “قلب الدراق” التي طبعتها ولم يوافق “قرّاء الاتحاد” على تداولها.

بعد مداوالات وأخذ وردّ حصحص الحق، فقال العاديات: بان السبب، يبدو أنّ هذا ختم خشبي قديم تالف، وهذا ختمنا الجديد البديل. نحن نقوم كل عدة سنوات بتصنيع ختم جديد. صفق قلبي لهذا التسويغ الذي كنت أجهله.
الحمد لله ، لن أذهب إلى الجنائية!

هل أزعم انه كان مسرورا بخوفي.

قلت: لكني أهديت من المجموعة عدة نسخ لبعض الأصدقاء

قال هامسا: عليك إن تلمها (ربما حتى لا ينتشر الإشعاع النووي القاتل!)

لكن المشكلة لم تنته، فقد رفض منحها تأشيرة التداول والسبب: لكل زمان موافقات، وهذا القصة غير مسموح بتداولها – وهي قصة عنوانها أخطاء مطبعية- وهي ذات أجواء متخيلة، و تبدأ بالجملة التالية:
الرفيق الأمين العام “للفرن:”
تحية “رفاتية” وبعد

أرجو التمهل في قرار إقالتي من عضوية “اللقمة” المنطقية “للحرب”..

ويشرح صاحب الخطاب كيف تسببت مسيرة “عفوية” في حشد أهل البلدة في “حصيرة” مما أدى إلى تجمعها في مركز البلدة، وخلت بالتالي للصوص والحرامية الذين اعملوا السلب والنهب في البيوت، وكيف استطاع إعلام الحزب المنافس في البلدة سرقة جماهير المسيرة من “الجرن” التقدمي الأول وأظهرها، بعد عمليات لصق ونسخ، وكأنها مسيرة لجماهير حزبهم. صاحب الخطاب يعتذر ويقدم تلخيصا للخدعة السياسية التي وقعت، ويطلب عدم تحمل التبعات وختاما: أرجو تدبر “تقريظي” بموضوعية ولكم “الفقر والاحتقان”

ويوقع تحت الخطاب : “التوبيخ” : عضو “اللحمة” المنطقية “للقنادرية”

والحل يا أستاذنا؟

تحذف القصة وتعيد ترميم المجموعة أو تحرقها.

وأرضاني بكلام “ناقد” عن تجاوزات الأمن وسطوتهم التي يجب الحذر منها. وطلب لي كوب شاي لتخفيف نسبة الأدرينالين في دمي والبول في مثانتي.

الحق إني لم أقل له أن هذا مكلف، أو اطلب تعويضا ماليا، أو أن يريني “القوانين الاتحادية الفدرالية” التي تزمّن الموافقات بزمنها، كنت لا أزال خائفا. نزلت إلى الديوان، فتعثرت بالموظف الطنط الذي فرقع بالونة علكته في وجهي وتابع مشية الخيزلى وهو يتلفت وراءه، سبقته مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم، وتفاوضت مع القاص والروائي “س” – الذي يعمل برتبة رقيب أول ولم استطع مرة إكمال نص له -على طريقة “تصليح” المجموعة فاقترح أن أضع قصة بدل القصة التي ستحذف، حتى لا تخسّ المجموعة النحيلة كثيرا، ويصبح حجمها مقبولا( 100 صفحة).

حاولت أن أدافع عن قصة أخطاء مطبعية، علّه ينقذ الموقف: ولكن القصة موافق عليها، وياسر العظمة ( في شوفوا الناس شوفوا ومرايا) يقول أنكى مما أقول في قصتي التي لن يقرأها احد سوى حفنة من الحرافيش.

–أنت لست ياسر العظمة.

ولست ريكاردوس قلب البرتقال.

سافرت إلى البلد وعدت في اليوم التالي إلى العاصمة بقصة بديلة بعنوان” مكابدات رجل فقد ريشه”، القصة البديلة، بالرغم من أنها منشورة في دورية أسبوعية ملحقة بجريدة تشرين اسمها “فنون” فقد تعرضت إلى مقص الرقيب أول الكمي المكلم، الجملة التي شطبها كانت التالية: كأني تحت الإقامة الجبرية.

ولكن القصة منشورة يا أستاذ في مجلة رسمية حكومية تباع في كل أكشاك ومكتبات المحافظات.
احذفها. لا يوجد عندنا في البلد إقامة جبرية.

وقع على القصة بعد أن خط تحت الجملة بالأحمر، وحذف جملة أخرى لم أعد أتذكرها ( الوثائق موجودة) وطلب مني أن اختمها من “الأستاذ الدكتور”، كنت قد تعبت من الأدراج، فاتجهت إلى المصعد، عندما فتح الباب وجدت الطنط في وجهي وهو يعلك مثل الراقصات المصريات المحترفات، وينتظر دخولي، فهربت من حداثة المصعد إلى قدامة الأدراج، ختم لي الأستاذ الدكتور على القصة، بعدها مررت على الأديب الودود شوقي بغدادي الذي كان يشغل موقعا في الاتحاد( رئيس تحرير “الموقف الأدبي” على الأغلب) ويبدو أنه عرف بما وقع لي، فذكرني ناصحا بالبيت الشعري التالي:
كناطح صخرة ليوهنها

وأوهى قرنه الوعل.

جريت إلى دار النشر “الطليعة الجديدة” واتفقنا على سحب القصة من المجموعة، ودسّ القصة الجديدة فيها التي كانت بعنوان ” مكابدات رجل فقد ريشه” بعد أخراجها من الإقامة الجبرية ودفع التكاليف فورا والتي بلغت مائة دولار في ذلك الزمن الصعب، وأكدت على الناشر في الإسراع، خشية أن يبلغ عني واش من الوشاة فخوفي الأشد كان من أن تقع المجموعة في يد أحد “القراء” وأحاسب على عبارات “الأمين العام للفرن”، اسم الفرن مجازي، غير محدد لكنه في القصة موصوف بالتقدمي، وهي صفة موقوفة على الأحزاب الوطنية الحاكمة، وهي ماركة مسجلة.

أنهى الناشر نشر المجموعة بالمناشير، وترميمها في أسبوع ، فأخذت نسخة الطبعة الجديدة بعد أن تقلص مقطعها، وركضت إلى الاتحاد في يوم نحس مستمر، كان كلنتون يقصف العراق بتسعين صاروخ توماهوك، والأدباء المتحدون (المتعضون في الاتحاد) مكتئبون، المهم إني حصلت على الموافقة، وصورت منها عشرة ..عشرين نسخة، بعد أن وضعتها في جيبي استمعت إلى بعض أدباء الاتحاد في الممر (وكأنهم خرجوا لتوهم من طبقات ابن سعد). كان الشاعر باخوس يسبّ ويلعن الأمة العربية الساكتة عن قصف عاصمة الخلافة العباسية، وبدا انه سيطفئ غضبه بعد الدوام بحليب السباع. سعى أدباء إلى القيام بمظاهرة أمام السفارة الأميركية احتجاجا، وانتظروا أمام مكتب “العاديات” للحصول على الموافقة والرخصة، كان يجري اتصالاته مع أولي الأمر للحصول على موافقة مسيرة أدباء كما كنت أسمع، لكن يبدو أنها لم تأت، قال لنا شاعر ديري خرج لتوه من غرفة العمليات الكلامية: أنّ الأستاذ الدكتور يصوغ بيانا ناريا، خرجت من الاتحاد، كانت الموافقة في جيبي تستطيع أن ترد العدوان أكثر من البيان الذي الصق على باب الاتحاد البلوري الذي يشجب ويستنكر ويندد…

لماذا يقصفون هذا البلد؟

قلت في سري: غضب من الله، لابد أن في العراق عملية “تطنيط” سياسية أو عسكرية كبيرة حتى استحقت هذا العقاب.

كان الطنط يمشي الهيذبى (مشية الناقة) ويكمل “سعيه” في ممرات الاتحاد وهو يهزّ صينتين: صينية الأكواب والفناجين بين يديه وصينية “سدوم وعمورة” التي يستند اليها جذعه المياس، وكان يغمزني غمزة مثل غمزات سميرة توفيق في أغنية يا عين مولياتي كلما مر بي؟ كيف تسرب أبو نواس إلى طبقات ابن سعد؟ لا بد أن السبب يعود إلى انهيار جسر الحديد به وسميرة توفيق؟ وبما أن الطنط بالطنط يذكر فقد تذكرت جان جينيه الذي انضم إلى المقاومة الفلسطينية، وعندما عرف داود تلحمي انه ” طنط” هرب من تلك الجبهة إلى أخرى وربما كان يفضل مثلي مقاومة الصهيوني غير الطنط على صحبة الحليف الطنط! إسرائيلي غير شاذ خير صديق طنط!

خرج ريكاردوس قلب الوعل من المبنى سعيدا بأنه فقد قرونه، وان رأسه لا يزال على رقبته، وانه يشعر – غير كنود – انه مدين بها لحكمة “العاديات” وكرمه!

{{هوامش:}}

-*كانت مجموعة قلب الدراق التجريبية المنوعة المذاهب الشكلية، هي الأقل قربا إلى قلبي من بين مجموعاتي الثلاث (مقصوف العمر، شارلز بن ديكنز) لكنها كانت الأكثر حظا بالتغطية الصحفية (سبع مراجعات في صحف عربية ووطنية)

-*لم تسقط بغداد إلا عدة أعوام من التوماهوك لكن الإعلاميين السوريين شبهوا سقوط “العاديات” بسقوط بغداد، أنه ذو حظ عظيم.

-*بعد ثلاث أيام، بعد خروج كل الجماهير العربية محتجة في العواصم العربية (الصومال الفقيرة، دبي المترفة، القاهرة الأم..) تحرك الدم في شرايين قلب العروبة النابض، وظهر وفد من الاتحاد يتقدمه (في قناة الجزيرة) باحث فلسطيني معروف، غير واثق الخطوة (خطوة إلى الأمام واخرى تفصع) مرتبكا، كان يتلفت خلفه خشية أن يمنع من المشي، ثم كبرت المسيرة وكسّر شباب غاضبون زجاج السفارة الأميلاكية في المساء أو في اليوم التالي.. كانت ضريبة تأخر قلب العروبة النابض عن النبض.

-*لم أتقدم حتى الآن للتعضي في اتحاد الكتاب العرب (ثلاثة كتب مطبوعة + رواية صدرت يوم أمس)، بالرغم من الإغراءات (طبابة، سفرات داخلية بين المحافظات، نشر في “هوب هوب” الاتحاد (أسبوع أدبي، موقف أدبي) لأقنع نفسي بأني كاتب مهم وليس خشية من الانفراد بالطنط في مصعد الاتحاد في أثناء تقديم الطلب؟

-*لم أبع من قلب الدراق سوى مائة نسخة – وبسيف الحياءَ!- أما الباقي فقد وزعتها في إحدى الأمسيات الأدبية مجانا بعد أن وضعت زكيبة المجموعة على الطاولة وفوقها لافتة تقول: لله يا محسنين اقرؤوا!

-*كنت قد قدمت المجموعة لوزارة الثقافة قبل تقديمها إلى الاتحاد، لكنها لم توافق، وعندما راجعت المفكر أنطون مقدسي رئيس لجنة التأليف- الذي يعتبره كثيرون عظيما، لأعرف السبب، أخرج تقرير قراءتها ولخصه لي بكلمة: قصصك فيها مبالغات غير معقولة، ورفضت لهذا السبب. طلبت منه أن اطلع على التقرير فرفض! وصلت إلى النتيجة التالية: المفكر العظيم الذي يعمل في مؤسسات حكومية يضرب بسيف عظمتها على رقبة.. عظمته؟

-*بقي ماركيز متصدرا الساحة الأدبية العالمية، ويسبقني بعدة درجات! ولم استطع مزاحمته على عرش الأدب العالمي، لكني لازلت أحلم بأن نمشي سوية على جسر الدردنيل!

-*لا يزال لدي حوالي مائتي “قلب دراق” ومستعد أن أهديها لمن يريد، لكن بشرط أن تكون أجرة البريد على حسابه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This