في النظرية السابعة
حمّادي بالرشيد، اسم نكرة لدى العموم ولكن يعرفه أصدقاؤه القدامى من الحزب الشيوعي التونسي الذي غادره مع عدد من المثقّفين لأسباب يطول شرحها. ويعرفه أهل العلم والطبّ في جامعة تونس. توفّي منذ سنتين تقريبا، وكان مختصّا في علم الطفيليات ويقوم بتجارب مخبرية تتطلّب سنوات طويلة من الزّراعة والملاحظة وتقصّي النتائج…
محمّد الشرفي اسم معروف لتوليه خطة وزير التربية والتعليم مدّة خمس سنوات، مما جعله مستهدفا بالدّرجة الأولى من قبل التيّار الإسلامي لأسباب معروفة، وكذلك محلّ مضايقة مستمرّة من قبل النّظام بعد أن قدّم استقالته… أو بعد أن أُقيل من مهامه؟! ليعود إلى التعليم الجامعي . يوم بلغ سنّ التّقاعد ظلّ يتردّد على الجامعة ليقدّم درسا أسبوعيّا ويؤطّر أعمال طلبته… دون مقابل. تخرّجت على يديه أجيال متعاقبة من الحقوقيين.
عبد المجيد الشّرفي أستاذ جامعي في التّاريخ وباحث ومفكّر له مكانته الكبرى في مجال التاريخ الإسلامي وقضايا الدّين والتّاريخ، ويُعتبر من كبار أهل الاختصاص المعترف بهم عالميّا، وكوّن مدرسة في علم التّاريخ أخرجت أسماء كثيرة لها وزنها في البحث التاريخي.
عياض بن عاشور أحد أفضل الأخصائيين في فلسفة القانون، يعتبر من خيرة ما أنجبت الجامعة التونسية في مجالات اختصاصه وتشهد له مؤلّفاته وأبحاثه بما قدّمه، في باب التنوير العقلاني للأذهان. وطلبته أدرى بقيمته المعرفية كأستاذ قانون.
هشام جعيّط، رجل التّاريخ والمفكّر الّذي إذا ما تقابل مثقّف أجنبيّ مع أحد ديبلوماسيينا بالخارج، وبدأ هذا الأخير يجهد في تعريفه بتونس على خارطة العالم، إلاّ وفاجأه الأوّل بقوله : طبعا أعرفها. أليست موطن هشام جعيّط ؟
وأسماء كثيرة أخرى لا يسع المجال لذكرها جميعا. القاسم المشترك بينها أنّها بلغت سنّ التّقاعد، وأدركت من العمر ذلك الشّوط الّذي تتكثّف فيه التّجربة، وتنضج المعرفة، ويبدأ العطاء المتميّز.
سنّة معروفة في جامعات وكليات العالم المتقدّم، مختصرها أنّهم يتهافتون على أمثال هؤلاء الأساتذة، ويوفّرون لهم ظروف البحث والدّراسة، ويستشيرونهم في أمّهات القضايا، ويتباهون بأسمائهم وأعمالهم افتخارا بما أنجبه الوطن ودلالة على مكانته بين بلدان العالم في سباق العلم والمعرفة.
ولأنّ العالم مخطئ في حساباته أو أنّه يمشي على رأسه، حسب ما توصّلت له قناعات حكومتنا وأهل الرأي السديد منّا، فقد آلوا على أنفسهم قلب القاعدة، بكلّ بساطة.
يخيل لي أنّ الحكومة ترصد وراء كلّ هرم من هذه الأهرام موظّفا بسيطا في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ليبحث في سجلاّت هذا المفكّر أو ذاك العالم، عن تاريخ ولادته، ويظلّ يشطب و”يرشم” الأيّام في عدّ تنازلي حتّى يبلغ اليوم المعلوم، فيهرع إلى مسؤوليه فرحا وهو يصيح :”غصرة وتعدّات” (ضائقة وزالت!).
وحاصل النتيجة أنّ مثقّفينا ومفكّرينا الأبرز لا مجال لهم في رحاب الجامعة لأنّهم كلّما بلغوا سنّ “اليأس” إلاّ وتزايد هراؤهم واشتدّ بهم “الخرف”، فيطلعون علينا ببدع وهلسوات عن الحرية والديموقراطية، ويتحوّلون إلى مشاكسين خارجين عن الصفّ. فأنا نسيت أن أقول لكم ما هو القاسم المشترك الآخر بين هؤلاء الرهط، وهو أنّ جميعهم قالوا كلاما لا يفرح كثيرا عن أحوال البلد في باب بلوغ المواطن سنّ الرّشد، وعن الرّسوب المتواصل للحكومة في امتحان تصريف فعل السلطة مع إسناده إلى الضمير غير المفرد. وجميعهم رُفتوا من الجامعة…لأسباب عمريّة !
بعض زملائهم من الجامعيّين الذين حفظوا درسهم واقتنوا بطاقاتهم الحزبية، وفهموا أين تكمن مصلحة الوطن، وأنّ الخروج بدرس الصّرف إلى الشّارع يقتضي إسقاط المثنّى والجمع، هم الأجدر بمواصلة العطاء الجامعي وتنشئة أجيال المستقبل، أمّا من عداهم فهم إلى الأعداء أقرب، فوجب بالضّرورة حفظ أجيالنا من سوء مقاصدهم.
لا تهمّ ملفّاتهم العلمية وأعمالهم الدّراسية وإسهاماتهم المعرفية، فأولوياتنا في بلد يتوق إلى الأفضل تبدأ بالولاء قبل المعرفة، وبالطّاعة قبل العلم. هكذا تشاد الأمم في النّظرية السّابعة.
و حرصا على إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، فإنّ حكومتنا، مقارنة بالعديد من مثيلاتها من السّائرات ببطء شديد في طريق النموّ، وبعضها يسير سريعا في الاتّجاه المعاكس، يحقّ لها أن تفخر بخطابها الحداثي، وبهاجسها الصّائب في التّوق إلى “مجتمع المعرفة”.
يبقى السّؤال الحائر (بعد إجراء عملية طرح بسيطة لفرز ما حُذف من السّابق ذكرهم وأمثالهم، والاحتفاظ بما تبقّى) : أيّ معرفة نعني ؟ و بمن ستُصنع المعرفة ؟
صديق عزيز عليّ، قال لي بعد أن قرأ ما سلف ذكره : ” أنت تثير قضية أكبر من أن تُتناول بتهكّمك المعهود”.
ولا أعتقد قوله مخطئا، لكن ما حيلتي والحال أنّ جميع قضايانا الكبرى ما إن يتناولها نظامنا الحاكم إلاّ ويضعنا في حرج ويجعلنا بين أمرين: منطق ظاهري متماسك تشير فيه بوصلة العقل إلى الشمال المغناطيسي، كأن يرفع الحاكم شعار “مجتمع المعرفة”، مقابل فعل في الواقع هو إلى انتظار طلوع الهلال أقرب، كأن يعتقد أنّ المعرفة بضاعة وتكنولوجيات تُستورد معلّبة جاهزة للاستعمال مع اتّخاذ بعض الاحتياطات من تأثيراتها الجانبية غير المرغوب فيها، شأنها في ذلك شأن أيّ عقار صيدلي.
أفسّر : ما ذا تعني لفظة “مجتمع المعرفة” في القاموس السياسي الرّسمي؟
لأسباب بيداغوجية وسعيا إلى ربح الوقت، لنترك لفظة “مجتمع” جانبا لأنّ السّلطة لا تحبّها كثيرا أو لأنّها، بالأحرى، لا تفهمها في غير وظيفة المفعول به المطلوب الأخذ بيده تربويّا عملا بقاعدة “لا تشتر العبدَ إلاّ والعصا معه”، ولنمرّ إلى اللّفظة الثانية “المعرفة”.
سؤال أوّل : ماذا تعرف الحكومة عن “المعرفة”؟ أو كيف تعرّفها؟
إذا ما رجعنا إلى سيل أدبياتها البلاغية باللّغة العربية الفصحى، وتغاضينا عن بعض الأخطاء النّحوية والصّرفية، وأسقطنا النّظر في سلاسة أم عدم سلاسة التّراكيب والصيغ، كان الحاصل هو الآتي: معلوماتية/تخطيط/استشراف/تأهيل شامل/اندماج في السّوق العالمية/تفتّح وأصالة (كقولك أن نبدأ برصد قضايا البيئة والتّصحّر وتقنيات مقاومة الجفاف وترشيد استهلاك الماء وأن ننهي الاجتماع بصلاة الاستسقاء أو العكس إذا سبّقنا الأصالة على التفتّح)…
ولمزيد الإيضاح: قرّرت حكومة مصر أن تنجز مشروع مترو القاهرة وأوكلت المهمّة إلى شركة خاصّة كبرى شرعت في أعمال الحفر، فلم تنتبه لا هي ولا الحكومة إلى ضرورة تهيئة مسالك مرور وقتية في انتظار إنهاء الأشغال، ممّا زاد القاهرة اكتظاظا على اكتظاظ حتّى ضجر العباد وحاصروا رئيس البلديّة الذي نزل بشخصه الكريم إلى الحظيرة وهو يصيح في وجه أصحاب الشّركة “عاوين مترو… مش عاوزين حفر !” ولم يفسّر لهم كيف السبيل إلى ذلك.
“أصل العبارة يا متولّي” كما قول الشيخ الإمام أنّنا : “عايزين معرفة… ومش عايزين عرّيفين”، فهل من فائدة تبقى في طرح السؤال الثاني عمّن يكون المصاب، يا ترى، بسنّ اليأس في هذه القضية؟ ومن هو الأجدر بالإقالة؟
