في وداع إدريس بن زكري: الأمل في الكرامة بوصفه برنامج عمل
عندما تتوقّف اللّغة عن الحلم بالواقع وتحويله، تنكفئ المجتمعات على صمتها وتهيمن كوابيس الدّمار. إنّ امتهان كرامة مجتمع ما تبدأ بفرض الصّمت على أفراده ومنعهم من امتلاك لغة يؤسّسون من خلالها إنسانيّتهم، وتبدأ بإجبارهم على قبول التوحّش كقيمة وحيدة لإدارة تجمّعهم.
إنّها مطلق الرّقابة، الرّقابة التي لا نراها، لأنّها لا تطال فحسب منتوجات الإبداع وتعبيرات الخطاب السّياسيّ، بل تتغلغل بعيدا في أعماق ظلمات الذّات، فتكسر فيها رغبة الفعل وتوصد عليها أبواب الخوف. إنّ ما يوحّد مجتمعاتنا هو الخوف، “الخوف على” و”الخوف من” : الخوف على الماضي ببطولاته التي لم يعد بالإمكان استعادتها، والخوف من الحداثة التي بعثرت طمأنينة التّقاليد، والخوف من السّلطة التي أرعبت رغبات التحرّر، والخوف من عدم امكانيّة إيجاد حلول، والخوف على مصير الأجيال القادمة والخوف من عدم إيجاد سبل للتّحرّر من الحاجة والمرض والبطالة والعنف والفساد.
إنّ الرّقابة في شكلها المطلق تلعب لعبتها في ميدان غريزة البقاء، فتحوّل الحياة إلى رغبة في الصّمت عن الواقع المعيش المتعيّن، وتستبدل التّجربة الإنسانيّة بهذيان سلطة الواحد، وثرثرته وبلاغته، وبفتاوى الحياة اليوميّة السّحريّة التي تصدر عن أراجوزات الدّين والأحزاب والمؤسّسات الثّقافيّة والإعلاميّة. أمام معاني الخوف لا تكتفي آلة الرّقابة المطلقة التي تستوطن أقاصي الذّات بحجب ذاكرة مقاومة الصّمت وقمعها، بل تتحوّل بدورها إلى ذاكرة أخطبوطيّة تسهر على تنظيم إيقاعات آلام المجتمع وتمنعه عن فهم المخاوف وقولها ومحاورتها ومحاولة تجاوزها.
إنّ المصالحة في المجتمع ومن خلاله تبدأ بمحاولة إنهاء صمته القاتل للحياة، وباستعادة صوته الذي هو صوت كرامة كلّ الذّوات مجتمعة. هي اللّغة التي تبحث عن التّصالح مع “الحقيقة” في حركة تاريخيّة تجمع بين نقد آليّات الخوف، واكتشاف المشترك الإنسانيّ.
{{حقوق الإنسان في مواجهة البطولات}}
لم يكن ادريس بن زكري بطلا حين رحل. لقد عجزت كلّ خطب تأبينه ورسائل وداعه عن استعادة معاني الرّثاء الفخمة التي تزخر بها أدبيّاتنا. فمثلما عاش بسيطا ومزعجا في بحثه عن معاني الكرامة ومسكنها في الحياة، أوحى رحيله لأحبابه في المغامرة ولأشّدّ معارضيه قسوة وانتباها نقديّا، وحتّى لرسالة القصر الملكيّ المغربي، أوحى لكلّ هؤلاء بمعنى أساسيّ هو معنى الإعراض عن بلاغة البطولة الزّائفة. فكلّ التحيّات التي أرسلت إليه في مسكن موته-حياته الجديد أثارت مفهوم المشروع.
كان بن زكري صاحب مشروع لتحويل الأمل إلى برنامج عمل. إنّه المشروع الذي يسائل قبح قتل المجتمعات بالصّمت وبطولات المشاريع الكليانيّة ووعودها المجرمة. لقد كان مقيما مع فريق العمل الذي خاض معه المغامرة في الضفّة الأخرى، وكانوا جميعهم يربكون بأسئلتهم اليوميّة ذاكرة القمع برهافة تتجاوز حسابات آلة سدنة السّلطة، وقد ذهب في اعتقادهم أنّ تجربة “هيئة الإنصاف والمصالحة” هي مجرّد تكتيك ظرفيّ يستعيدون بعده نظافة النّظام. والحال أنّ هذه التّجربة تتجاوز في حركيّتها الإبداعيّة الجديدة كلّ حركات حقوق الإنسان، وكلّ حركات المعارضة التي تعتبر وجودها في حدّ ذاته وعدا دائما بتحقّق خير المجتمع. لقد اقترحت “هيئة الإنصاف والمصالحة” الخروج من ذاكرة الوعود بأوهامها وبطولاتها البلاغيّة القاحلة لارتياد مناطق من ظلمات المجتمع، حاورت صمتها من خلال اللاّمكتمل واللاّمتشكّل واللاّمثاليّ، لتعيد تأسيس المجموعة البشريّة الممكنة على الأمل في عيش الكرامة في الفعل والممارسة.
لقد أعادت الهيئة العليا لحقوق الإنسان ذاكرة الكرامة بوصفها برنامج عمل يتضمّن إمكانيّات وآمالا وإخفاقات وإنكارات وإكراهات. فاستطاعت بذلك أن تلمس مكانا قصيّا في ذاكرة الصّمت. إنّ رسالة حقوق الإنسان هي غياب الرّسالة المطلقة والتّبشيريّة. فهي لا يمكن أن تقضي على الظّلمات ببطولة جديدة وبوعد إيديولوجيّ بالخلاص النّهائيّ واستعادة للجنّات الموعودة. بل إنّ أقصى غاياتها هي أن تحارب مناطق الصّمت والقبح في المجتمع وأن تنقذ ما يمكن إنقاذه من فضاءات مهمّشة يعشّش فيها شيء من الجمال. فهي لن تنقل النّاس من الظّلمات إلى النّور بل إنّ أقصى ما تسعى إليه هو توجيه رسالة بسيطة مفادها أنّ امتهان الكرامة البشريّة ليس قدر الإنسان، وإطلاق مسارات عمليّة للمعرفة المتنوّرة التي تغيّر معنى الممارسة السّياسيّة.
إنّ ممارسات فرض الصّمت والإكراه والتّعذيب والتّمييز وشم على ذاكرة المجتمع يتجدّد باستمرار ويتحوّل ويبتكر باستمرار أساليب ديمومته. لذلك يجب إبداع ذكاء جديد لحقوق الإنسان، بحيث تنسحب من إغراءات المشاريع المطلقة وتكتفي بذاتها كمشروع يقيم في ظلمة الكائنات ويستمع إلى انتهاكات كرامتها ويطلق مبادرات عمل يمكن قياس إنجازاتها وإخفاقاتها . مبادرات تنبش في أعماق المجتمع بمعاول “الحقيقة” لتخرج رفاة الكرامة المهدورة من محبسها وتعيد ترميم ما انكسر في الجسد الاجتماعيّ .
ولم يكن بإمكان فريق العمل الذي أداره بن زكري أن ينتقل من لحظة الاندهاش والتّأمّل الحقوقيّ إلى مرحلة المشروع، لولا الجهد المعرفيّ المؤلم والمحفوف بالمخاطر الذي قام به هذا الفريق وحمله على بناء فضاء عمل لمشروعه وإقناع أغلب الفاعلين السّياسييّن بأنّه ملتقى لمفاوضاتهم حول الكرامة، بكلّ ما في هذه المفاوضات من مقترحات وخلافات وتحالفات. هذا الفضاء المقيم في المابين-بين، بين احتكار السّلطة للمعرفة بالسّلطة واحتكار المعارضة للمعرفة بالمعارضة، تحوّل تدريجيّا إلى مختبر لآلام الإنسانيّة وآمالها ولطرح أسئلة حقيقيّة حول إدراكنا لمعنى تحويل المجتمعات وتغييرها.
لقد كان هذا الفضاء “البين بين” مغايرا لآليّات المشاريع المغلقة التي عوّدنا عليها “آباؤنا” ببياناتهم الثّوريّة التّأسيسيّة التي تفسّر لنا العالم دون مشاركتنا وتحملنا صاغرين ومطيعين إلى “جنّات” موعودة تحوّلت على مرّ التّاريخ إلى كوابيس وأوصلت مجتمعاتنا إلى صمتها الحاليّ. كان هذا الفضاء يحمل في داخله، ومنذ المنطلق، آليّات تمنعه من أن يتحوّل إلى إجابة دائمة وايديولوجيّة لكلّ مشاكل المجتمع، بل إنّ ما سيتبقّى منه في نهاية الأمر هو الأسئلة التي طرحها حول معاني الكرامة بوصفها أداة لإعادة ترتيب علاقتنا بالواقع.
كيف يمكن لمجتمع ما أن يسمح بما لا يمكن التّسامح فيه؟ هذا هو السّؤال الذي شغل بن زكري في غياهب سجنه المرير، وهو المعنى الذي حرّك رغبته ورغبة رفاقه في العمل. ولقد شرع في محاولة الإجابة عنه حين درّب نفسه على الإعراض عن إغراء المطلقات، وترفّع على أحاسيس الضّغينة والثّار والكراهيّة الآسرة، وعثر على لغة تفتح غياهب الذّاكرة.
حقوق الإنسان وإحياء معنى المفاجأة
لا شيئ يفاجئنا اليوم. نلوك في حرقة ومرارة إحباطاتنا ونتأمّل استحالة الفعل في مجتمعات تذهب بسرعة نحو هاويتها محمولة بغريزة خوفها وأنّات الصّمت المفروض على أجيال بأكملها. لقد مللنا وعود الثّورات التي لم تتحقّق أبدا وسئمنا التّبشير بالتّغيير الذي أصبح في بلداننا كابوس ملل وشعارات خشبيّة تحوّل كلّ مناطق الحياة إلى قفر ترتع فيه أشباح العنف واليأس.
حتّى المعارضات لم تعد تفاجئنا بشعارات مثل “المساندة النّقديّة” أو “التّغيير الهادئ والمسؤول” في حين يقبع النّاس في خلفيّة المسرح السّياسيّ مثل كومبارس ينتظرون دورا لن يأتي. أمّا الإسلاميّون ورغم ما جمّعوه من أتباع، ورغم تبشيرهم الدّائم بأنّهم قوّة التّغيير القادمة، فإنّ أكثرهم ما زال يتخبّط في رغبته بالإنفراد بإدارة المجتمع وفي عجزه عن استيعاب جوهر الحرّيات. بل إنّ بعض جماعاتهم غرقوا في العنف الذي لم يعد يفاجئ الفضائيّات، وغرقوا في مزادات بيع وشراء المواقف والبطولات.
إنّ ما يجمع بين أغلب المشاريع المقترحة على مجتمعاتنا هي انطلاقها من وهم المعرفة المطلقة وتفرّدها بالخطاب السّياسيّ وتحوّلها بسرعة إلى شعارات ترهق كاهل الأفراد الذين دمّرت طاقاتهم عقود طويلة من انتظار الوعود ومن الإقصاء من المشاركة في الحياة.
إنّنا لسنا في حاجة إلى بطولات جديدة تحملنا إلى الخراب، بل نحن في حاجة إلى مصالحة المجتمعات مع ذاتها في مسارات استعادة كرامتها واستنباط لغة تتحدّث بها عن هذه الاستعادة. إنّنا في حاجة إلى معرفة جديدة تنطلق من مبدإ أنّنا لا نريد تغيير كلّ شيء ولا نريد البدء من جديد، بل نريد رفع غبار اللاّمبالاة على الأشياء الاساسيّة التي تحدث في فضاءات أخرى لا ننتبه إليها. إنّها عمليّة توصيف معرفيّ كبرى لملاحقة القبح ومحاصرته ولبحث كلّ إمكانيّات فتح حوارات مخصوصة حول المجتمعات التي نريد. هذا البحث عن إمكانيّات الحوار يتطلّب الخروج من منطق السّلطة المطلقة التي تدمّر كلّ إمكانيّات العيش السّلميّ المشترك، كما يعني فيما يعني الخروج من منطق المعارضة المطلقة القائمة على وعود بالجنّة.
إنّنا في حاجة إلى مصالحة تعيد فتح الذّاكرة بوعي لإطلاق الأرواح المعذّبة من سجون القمع على مرّ تاريخنا الحديث. هذه الأرواح التي تحوم في مجتمعاتنا والتي أقصيت بواسطة خطاب الهيمنة باسم مقاومة “الشّرذمة الضّالة” ومناهضة “المصطادين في الماء العكر” . هذا الإقصاء الذي يمنعنا في حال تواصله من عيش الدّيمقراطيّة باعتبارها تشاركا في إدارة الحياة.
كما أنّ البحث عن امكانيّة حوار مصالحة يعني بناء معرفة نقديّة من طرف النّخب حول مدى اقتناعها بالحرّيات ويعني تخلّصها من إعادة انتاج التّسلّط تحت شعارات النّضال البرّاقة والبطولات الواهمة.
إنّ تواصل إخراس المجتمعات الذي تعبّر عنه مظاهر العنف المطلق والإنكفاء على الذّات والإغراق في استهلاك الأوهام ستجعل الكلّ يعتقد اعتقادا راسخا بأنّ الأمر كان هكذا دائما وهكذا قدّر له أن يكون.
هذا الاعتقاد هو الأداة التي نديم بها سلطة الخواء والصّمت.
