حلة الإمبراطور البوست مودرن

ملّ الرئيس، عفوا الإمبراطور، أزياءه وحلله التي ملأت الخزائن، فطلب من رئيس خياطيه زيّا، لم يسبق لأحد أن تزيّى به، تحت طائلة الموت حياكة. وهذه، لمن لا يعرف، عقوبة نكال تسدّ بها منافذ جسم المعاقب، بعد تناول وجبة كريمة. فضرب الخياط المحصور أخماسا بأعشار، وصار نهاره ليلا، وليله ويلا. ولأن الحاجة أم الاختراع، والخوف عشيقها، فقد اهتدى أخيرا إلى الحل، إلى الحلة؟

وفي يوم المناسبة الكبرى، الحادية والعشرين بعد المائة للجلوس على العرش! جاء الخياط بالزي، في صندوق مذهب، ففتح الصندوق وأخرجه فارتداه الإمبراطور بفرح، كالولد في العيد، وخرج يتبختر في موكب مثل قارون في زينته. المدعوون إلى الحفل شهقوا من الدهشة، واقتربوا ليتبركوا بلمس الحلة القشيبة. ولأن لكل شيء إذا ما تم نقصان، فلا يغر بطيب العيش سلطان، والكمال لله وحده، فقد نغّصّ احد الغلمان المدسوسين الحفل، عندما صرخ:

انه عارٍ.. الإمبراطور عارٍ..عاااااار!!

ستووووووب!

صرخ مخرج الموكب الإمبراطوري.

كان لابد من إعادة تصوير المشهد المكلف برمته، في خطة خمسية.

ابتلع الإمبراطور الحجر مرتبكا وخجلا، لا من عريه، إنما من وقاحة الغلام (وله كلام) وتساءل في سره: كيف جاء إلى الحفل؟ فالحفل الإمبراطوري ممنوع على من هم دون السادسة عشر عاماً!

ولأن الإمبراطور خبير وحكيم وملهم، فقد ألهمه الله بتجاوز المأزق، فضحك في خلعته السنية الجديدة، لأنها من خياطة وتصميم البارئ المصور، سبحانه وتعالى، واهتزت ذيول قفطانه وأردانه وأكمامه اللحيمة. وضحك المدعوون أيضا، مع انه لم يكن ثمة ما يضحك: الأطفال تلوح لهم أخيلة وتهيؤات ويرون الأشياء مقلوبة؟

ها.. ها..ها.. ضحكوا من طرافة روحه، وخفة دمه، وتهدّل ” كمه الثالث”.

إعادة تصوير المشهد برمته بدأ من القاع، من الصفر، من المدارس: حلة الإمبراطور زاهية وجميلة:

سرة البطن، وحلمات الثديين: أزرار، والجلد قماشته الموشاة بالشعر، والأعصاب خيطانه الحريرية..

حالا، تحول زي الإمبراطور، عورته، إلى أهم مادة مدرسية في المناهج كلها؟

في الجغرافيا: علّقت صورة الإمبراطور بزيه الجديد على اللوح المدرسي، بدلا من الخرائط، وشرح الجيولوجيون حدود الإمبراطورية: من الجنوب فلقة ردفه الجنوبية، ومن الشمال جبل كرشه.. من الشرق أنيابه، ومن الغرب فلقة ردفه الغربية.

تتميز “الإمبراطورية” بكثرة الطيات والفوالق والهضاب وبثروات السماد الطبيعي، وينابيع المياه الكبريتية المالحة ..

في الحساب: استعان المدرسون بإطراف أصابع الإمبراطور، في العدّ، والإحصاء، والأتمتة، وعلوم ما بعد الحداثة..

في الرسم: عدّ “موديلا” للفنانين، والنحاتين، والمصوريّن..

وفي النحو واللسانيات وعلم العروض واللوغاريتمات والنسبية والكيمياء النووية والأركيولوجيا والزنكوغراف..

وكلما شاخ الإمبراطور، وتهدّل جسمه، عدّل المنهاج، لملاحقة التطور العلمي وثورة المعلومات والانفوميديا..

هذا ما كان من أمر المشهد العام. أما ما كان من أمر الغلام، فأنه دخل إلى المدرسة وكرر ملاحظته، في درس الجغرافية الأول، ففزع المدرس وغضب غضبة مضرية وطلب “بساط الريح” من السجن القريب، وأجرى له رحلة “بالألوان”، تورّم على إثرها عقله، فترك المدرسة وهجر العلم والأدب والجغرافيا، وتعلم مهنة الخياطة، فكانت تلك الفلقة فألا حسنا، وضربة حظ، فقد برع في الخياطة وأضحى مصمم زي مشهور في البلاد، يقف على نواصي الجادات، في حرّ الصيف وقرّ الشتاء، متزييا بزي الإمبراطور، ويوزع أكداسا من زيه الوحيد، خياطة وتصميم البارئ المصور، على الناس، لوجه الله تعالى.. وعلى روح الوطن؟ّ

تذييل وتوشية:

وبعد مرور آلاف الأعوام، دَرَست قبور الأباطرة والأكاسرة، وبات الحكام مؤدبين. وينتخبون (ديمقراطيا بنسبة 99%)، ويتحجّبون أكثر من العذراء في خدرها! ويركبون، كظعائن عصرية، هوادج سوداء، لها عجلات، زجاجها وحيد اتجاه الرؤية، ولنوافذها ستائر، اسمك من جدار ياجوج وماجوج. تجرها الديناصورات، بعد تحللها إلى زيت، هوادج من صنع أميركا التي يدّعون عداوتها، وإذا مشوا، فمخفورين بجحفل لجب، من البودي غاردز، لخجلهم الشديد، من عقدتهم النفسية:زي جدهم الغابر.. الفاضح ‍‍‍!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This