سهير بلحسن لـ”الأوان”: أنسنة العولمة وحماية المهاجرين – صوفي بسيس
انعقد المؤتمر السادس والثلاثون للفدرالية الدولية لحقوق الإنسان في لشبونة بين التاسع عشر والخامس والعشرين من أبريل الماضي. وقد تم انتخاب التونسية سهير بلحسن رئيسة، إثر منافسة حادة بينها وبين الكولمومبي لويس غويليرمو بيريز، ما مثّل ثورة صغيرة، إذ أن سهير بلحسن هي أول امرأة تنصّب على رأس الفدرالية الدولية منذ تأسيسها قبل ثمانين سنة.
للمرة الأولى تصل امرأة، وامرأة من الجنوب، إلى قمة الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، أي دلالة تسبغينها على انتخابك؟
كامرأة من العالم العربي-الإسلامي، عشت انتخابي كتكليل لمسار وكاعتراف. ذلك أن خيار روابط حقوق الإنسان الأعضاء في الفدرالية الدولية يكتسي أهمية كبيرة. فانتخابي يتجاوز شخصي ويمثل إشارة قوية باتجاه نساء ورجال العالم العربي الذين هم في أمس الحاجة إلى مساندة ماثلة جلية، حتى يتقدموا في صراعهم من أجل التمتع بحقوقهم الشرعية في الحرية والمساواة والعدالة.
وانتخابي، من وجه آخر، دليل مادي على أن رؤية جديدة للنساء في المجال العام بصدد التحول إلى واقع. ونظرا لانتمائي إلى عالم تكبح فيه الثقافةُ والتقاليدُ النساء، أعتبر هذا الانتخاب اعترافا بنصف الإنسانية ذاك الصامت والمهان، واعترافا كذلك بمساهمة وانخراط النساء اللواتي يناضلن ضد ذلك الأمر الواقع.
{{>كيف خطرت لك فكرة الترشح؟}}
>للنزاهة، المبادرة لم تأت مني. بل أن الرئيس المنتهية رئاسته، صدّيقي كابا، وهو أول رئيس للفدرالية متأت من بلد جنوبي، هو الذي أراد تسليم المشعل إلى امرأة. هكذا ولدت فكرة ترشيحي. فأنا لا ألهث وراء فرص الترقي المهني ولست امرأة جهاز. قبلت اقتراح سلفي عن التزام نسوي. فنحن كثيرا من نشتكي من ضعف وصول النساء إلى مواقع المسؤولية السياسية. وقد سنحت لي الفرصة، ولم يكن رفضها أمرا قابلا للتصور. لو وجدتْ مرشحة أخرى، لانسحبت لفائدتها. بالنسبة لي، النضال له الأولوية على منطق المؤسسات.
{{>كونك أصيلة العالم العربي، هل يفرض عليك ذلك واجبات خاصة؟}}
>أجل، دون أدنى شك. فالمنطقة التي أنتمي إليها، والتي تعد 300 مليون نسمة، لم تشهد أبدا تداولا ديمقراطيا، في ما عدا موريتانيا مؤخرا، وفلسطين. الموجة الحاملة لأمل الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي أطلقها سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، والتقدم الملحوظ الذي أحرزته الديمقراطية في كل مناطق العالم، جاءت لتضمحل عند شواطئنا العربية، حيث خنقتها الدول المنتجة للعنف والتعسف، وإرادة الأنظمة الاستبدادية الاستحواذ على كل السلطة وكل الثروات في بلدانها.
وقد أبرزت تقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية انعكاسات هذا الوضع على سياسات التنمية وما تمثله من عراقيل في وجه التقدم الحقيقي للمنطقة. المدافعون عن حقوق الإنسان يبذلون فيها جهدا سيزيفيّا من أجل إدراج الحقوق الأساسية للإنسان، وفي المقام الأول الحق في الحياة. وإذا كان خرق الحقوق الإنسانية واقعيا كونيا، للأسف، فإن المنطقة العربية تستحق من منظمة مثل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، اهتماما خاصا. علينا مساعدة المجتمعات المدنية العربية على الفعل لتهيئة ظروف التداول الديمقراطي.
غير أن صفتي كعربية وكمواطنة تونسية تم تجاوزها، أنا الآن مواطنة عالمية، كونية. وذلك مصدر سعادة حقيقية بالنسبة لي، لقد كان ذلك حافزي على الدوام. جدتي كانت إندونيسية، فأنا ثمرة مزيج، إنْ على الصعيد الشخصي أو الذهني، وأنا أفخر بذلك.
{{>كنتما مرشحيْن اثنين. هل دافعتما عن مشروعين مختلفين؟}}
>بلى، يمكن الحديث عن تباينات إيديولوجية مع المرشح الكولومبي لويس غويليرمو بيريز، الذي ترشح ضدي. حقوق الإنسان في أميركا اللاتينية لا تزال موسومة بالتقاليد الماركسية وقريبة من الأنظمة التي تدين بها. أما مقاربتي أنا فأكثر التزاما بحقوق الإنسان بمعناها الحصري. هذا لا يعني أنه لا يجب توخي مقاربة سياسية. الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان هي جوهريا منظمة سياسية، ولكن هدفها الدفاع عن حقوق الإنسان. وبالنسبة لغالبية روابطنا الحقوقية، هذه المقاربة هي التي يجب أن تكون هي الغالبة على استراتيجية الفدرالية.
خلافاتنا تتعلق كثيرا برؤية كل منا للعولمة. هذه الأخيرة منحى تاريخي لا رجعة فيه، ولا يجب اعتبارها شرا مطلقا، كما يحسب أكثر المطالبين جذرية بعولمة بديلة. لا شك في أنها فاقمت الفقر والتهميش خصوصا لدى أكثر الفئات هشاشة من سكان المعمورة. وكونها تُخاض تحت راية الليبرالية يمنح الأولوية للسوق على حساب حقوق الناس، خصوصا على الصعيد الاجتماعي. والآن، قانون الغاب، حيث السيطرة للقوي، يتقدم على الحقوق الإنسانية. وذلك ما يجب مكافحته. ودور منظمة غير حكومية مثل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، هو العمل على إرساء قواعد وآليات ملزمة للتحكم في العولمة، إذ يجب التحكم فيها على نحو لا يجعلها تسير تحت السيادة الحصرية للسوق والمال.
يمكن لفوزي أن يُقرأ إذن، على أنه اعتراف بأولوية الكفاح من أجل حقوق الإنسان على نحو يتجاوز المواقف المتخذة مع أو ضد هذا النظام أو ذاك، مع أو ضد هذا البلد أو ذاك. كما يوجد أيضا ملمح نسوي، إذ للمرة الأولى، يضم المكتب الدولي للفدرالية، الذي انتُخب مع انتخابي من قبل المؤتمر، ثماني نساء من أصل أربعة وعشرين عضوا… لقد بلغْنا التكافؤ تقريبا، وهذا تطور ملحوظ.
يأخذ البعض على الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان ازدواجية المعايير في ردود فعلها: ردود فعل رخوة عندما يتعلق الأمر بخرق حقوق الإنسان في بلدان الشمال أو في إسرائيل، وانتقادات لا هوادة فيها حيال بلدان الجنوب.
هناك الكثير من سوء النية في هذا السجال. هناك من يستخدم كل ما في حوزته من أسلحة ضد منظمة غير حكومية جدية مثل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان. عن أية معايير مزدوجة نتحدث؟ حول مشكلة كتلك الفلسطينية، مواقفنا لا لبس فيها: عودة إسرائيل إلى حدود سنة 1967 وإنشاء دولة فلسطينية على كامل تراب الضفة الغربية، على أن تتعايش الدولتان داخل حدود آمنة تضمنها المجموعة الدولية. وبشكل عام، لا يعدو دورنا النطق بلسان روابطنا العاملة على الميدان. يتوجب العلم أننا لا نصدر بيانا واحدا دون موافقة روابطنا المحلية.
مثال آخر: في ما يخص غوانتامو، الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان هي التي تقدمت، بمعية مركز الحقوق الدستورية، وهو منظمة غير حكومية أميركية، بشكوى ضد رامسفيلد والجنرالات الأميركان. نحن ضحية بعض المسبقات الإيديولوجية. أعتقد أنه من مصلحة وسائل الإعلام العربية القول أن السكرتير العام لمركز للحقوق الدستورية، بيتر فايس، هو الذي أخطر الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان بوجود الجنرال سانشيز في ألمانيا، ما جعل من ملاحقته قضائيا أمرا ممكنا. نحن نقوم، مع روابطنا المحلية، بأعمال التحقيق والشهادة، حيثما تعرضت حقوق الإنسان للانتهاك.
هل سترتاد الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، مجالات جديدة في عهدك؟
سنتابع أولا، أنشطتنا “الكلاسيكية” في الدفاع عن حقوق الإنسان، والتبشير بالمبادئ الكونية. يوجد الكثير مما يجب القيام به في هذا المجال…
ففي كل بلد، تنصرف المجتمعات المدنية إلى بلورة بدائل تستجيب تطلعات المواطنة لدى الناس، أي حرية التنقل والتعبير، والاقتراع العام والحر، وحرية ممارسة أو عدم ممارسة ديانة من الديانات، أي بكلمة واحدة، كل تطلعاتهم بشأن احترام المعايير الأساسية للحقوق الإنسانية. سنستمر في الوقوف إلى جانبهم على أساس المبادئ التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وذلك يعني أن ندافع عن الحقوق المدنية والسياسية كما عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ولكن مع التنبيه إلى أنه إذا كان من حق كل شعب أن يبني طريقه الخاصة نحو الديمقراطية، فإن ذلك لا يمكنه أن يتم إلا باحترام المبادئ الكونية. ستسمر الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان في النضال من أجل احترم التنوع الثقافي، ولكنها ستناضل كذلك بإصرار حتى لا يُستخدم احترام ذلك التنوع، تحت أية ذريعة كانت، لنكران كونية القيم والمعايير التي تستند إليها الحقوق الإنسانية.
هذا في ما يخص أنشطتنا العامة.
{{>هل من أنشطة سواها؟}}
>سأجعل كذلك من المساواة بين الجنسين ومن الدفاع عن حقوق المهاجرين أولويات. يتعين على هاتين المسألتين الاندراج ضمن مسارات الإصلاح السياسي التي يجب تشجيعها في العالم. مجموعة العمل من أجل حقوق النساء، التي أنشأتها الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان سنة 2004، تتولى بهمة مسألة المساواة بين الجنسين.
المحور الثاني هو مسألة الهجرة. الهجرات واقعة هامة في عصرنا. وعلينا، في هذا الشأن، الدفاع عن عدد من المبادئ البسيطة، والتي كثيرا ما يتم نسيانها: أن المهاجرين ليسوا إنسانية دينا. بل هم أشخاص يتمتعون بحقوق غير قابلة للنكران، الحق في السلامة الجسدية، الحق في النجدة الفعلية، الحق في احترام الحياة الخاصة. علينا الاستمرار في عملنا للتحقيق في انتهاك حقوق المهاجرين خلال أطوار هجرتهم: تنقلاتهم، وصولهم، إقامتهم في بلدان الاستقبال في الشمال وفي الجنوب، الطرد والإبعاد. يجب إعادة التأكيد على أولوية حق اللجوء عبر حملة من أجل المصادقة على الاتفاقية الدولية حول العمال المهاجرين وأسرهم. ولنشر إلى أن أيا من بلدان الشمال لم يصادق حتى اللحظة على تلك الاتفاقية.
علينا أخيرا تحسيس الفاعلين السياسيين بالمخاطر التي تحملها سياسيات الهجرة الانتقائية: فهي تقوم على اجتذاب المرشحين الأفضل تأهيلا لإغلاق الباب في وجه المهاجرين الفقراء، ما يعرض البلدان المصدرة لليد العاملة إلى نزيف في نخبها، يضر بفرص تنميتها.
{{>لماذا لم يقدم أي من بلدان الشمال على التوقيع على اتفاقية حقوق المهاجرين؟}}
>لأن هذه البلدان تريد إيصاد أبوابها ونوافذها وكل كوّة. ولا تريد تمكين المهاجرين الموسومين بالسريين من أي حق. نحن، في الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ندين مثل هذه الأوضاع. كما ندين إرادة بلدان الشمال التخفف من عبء التحكم في دفق الهجرة على كاهل بلدان الجنوب مقابل المال. إذ تحاول بلدان الشمال الضغط على بلدان المغرب الكبير، لتقوم بدور “الجدار” ضد دفق الهجرة ذاك. وما يؤسفني أن الصحافة العربية تفضح بعض الجدران وتتغاضى عن أخرى. مع أنها كلها جدران عار. الفضح جزء من مهمتنا.
{{>ما الذي يمكن أن تفعله روابط حقوق الإنسان في بلدان الجنوب؟}}
>كلما تخلفنا في إعطاء الكلمة للمدافعين عن حقوق الإنسان، ازداد الجنوب تقهقرا. روابط حقوق الإنسان في الجنوب تهدر جل وقتها وتستخدم جل طاقاتها في الدفاع عن حقها في الوجود، في حين أن المشاكل هائلة. نحن لسنا أعداء منهجيين للأنظمة القائمة. نحن ننصت إلى الأوضاع الداخلية بفضل شبكات مناضلينا. وأكثر ما أتمناه اليوم أن نتمكن من تخطي الدفاع عن الحقوق المُسماة أولية (حرية التعبير والانتظام… الخ). هذه الحريات جوهرية، ولكن يتعين علينا تجاوزها، مع ضمانها، حتى ننصرف إلى الاهتمام بمشاكل كبرى، مثل الهجرات والتحكم في العولمة.
{{>هل أن مشروعكم بالغ الطموح؟}}
>من حقنا أن نكون طموحين. هدفنا هو السلام في العالم واحترام الحقوق الإنسانية. لأنه لا يمكن لسلام دائم أن يقوم إلا إذا كان مرادفا للحياة الكريمة للجميع. إنه عمل سيزيف، ولكننا في الوجهة الصحيحة.
