الآخر الأقصى في ضوء ميزان التّكفير بين “الفيصل” و”المستصفى” للغزّالي (1)
إذا سلّمنا بأنّ الآخر هو المختلف، كان الأشدّ اختلافا أشدّ آخريّة. وإذا انطلقنا من الثّقافة العربيّة الإسلاميّة الوسيطة التي تأسّس الاجتماع البشري فيها على الانتماء العقدي، كان الكفر باعتباره أشدّ درجات الاختلاف معيارا لتحديد أقصى حدود الآخريّة.
والإشكال لا يتعلّق حسب تقديرنا بإطلاق صفة كافر على من يفترض أنّه كافر وتوصيف فعله أو قوله أو معتقده بالكفر لأنّ جميع النّاس متساوون في أنّهم يؤمنون بما يؤمنون به ويكفرون بما يكفرون به ولا تفاضل بين إيمان و إيمان أو كفر وكفر إلاّ بما تواضعت المجموعة على أنّه قيمة مشتركة تعبّر عن إرادة المجموعة و حاجاتها أو مصالح القوى الغالبة والفئات المتنفّدة فيها (يؤكد ذلك مدح القرآن المؤمن الذين كفروا بالطّاغوت” [*لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ*] ” البقرة 2/ 256). غير أنّ التّواضع اللغويّ انزلق من توصيف كلّ إيمان بأنّه إيمان و كلّ كفر بأنّه كفر إلى تمحيض دالّ الإيمان للتّعبير عن الإيمان بما يفترض أنّه حقائق الدّين ودالّ الكفر للتّعبير عن إنكار تلك الحقائق وذلك باستعمال دالي الإيمان والكفر بألف ولام الاستغراق وكأنّ الإيمان بحقائق الدّين هو الإيمان حصرا وقصرا والكفر بها هو الكفر حصرا وقصرا.
وتعتبر مقالة الكفر والإيمان مقالة إشكاليّة معقّدة لأنّها لا تتعلّق بمجرّد توصيف لما في ضمير المرء، “في خاصّة نفسه”، من معتقد يوافق ما عليه الجماعة أو يخالفه بل يتعدّى ذلك إلى تصنيف اجتماعي له تبعاته القانونيّة والسياسيّة والأخلاقيّة… فالحكم بكفر فلان أو إيمانه مسألة ذات أبعاد إشكاليّة متعدّدة يمكن أن تترتّب عليها جملة من الأوضاع الاجتماعيّة والقانونيّة الفرديّة والجماعيّة. ويمكن إجمال تلك الإشكاليّات في المستويات التّالية:
1 – الانتماء للمعتقد الدّيني: إذا كان الإسلام الأوّل قد قنع من الدّاخل في الدّين الجديد بمجرّد النّطق بالشّهادتين فإنّ المستجدّات السّياسيّة والاجتماعيّة اللاحقة أثارت جدلا كلاميّا واسعا حول ما يكون به المؤمن مؤمنا والكافر كافرا، وقد وصل هذا الجدل إلى حدّ تكفير أهل القبلة بعضهم بعضا فضلا عن تكفير أهل الدّيانات الأخرى وأصحاب الفلسفات. ممّا يثير السّؤال عن دلالة الانتماء إلى معتقد ديني إن كان يعني مجرّد التقبّل الذّهني والوجداني لذلك المعتقد والانخراط في المنظومة المعرفيّة والعقديّة والسّلوكيّة التي يعبّر عنها كما استقاها من مصادرها الأساسيّة… أو يتجاوز ذلك إلى تحديد معايير الانتماء إلى الجماعة والولاء السّياسي لمؤسّساتها فتتحوّل المسؤوليّة عن ذلكم الانتماء من مسؤوليّة ذاتيّة طوعيّة أمام الخالق إلى مسؤوليّة أمام الجماعة فتتحوّل المساءلة المؤجّلة إلى اليوم الآخر عن مدى الالتزام أو الإخلال بمقتضيات ذلك الانتماء إلى مساءلة عاجلة في الدّنيا يوضع بإزائها عقوبات تتفاوت بين الاستتابة والتّعزير والحدّ.
2- تأويل النّص الدّيني: إنّ قراءة حرفيّة تجزيئيّة للنصّ الدّيني تثير الكثير من التّساؤلات حول ما اصطلح الأصوليّون على تسميته بتعارض الأدلّة، فتحديد معايير الكفر والإيمان وأحكامهما تختلف من نصّ إلى آخر. فإذا كانت بعض النّصوص تكرّس حريّة المعتقد وبطلان الإكراه في الدّين والسّيطرة على المخالف وحصر وظيفة الدّعوة في التّذكير فإنّ نصوصا أخرى كثيرة تدعو إلى قتال المخالفين حتّى يدخلوا في الدين ويذعنوا لأحكامه. كما نجد نصوصا تصنف أصحاب الدّيانات السّماويّة ضمن أهل الكتاب وتدعو إلى مجادلتهم بالتي هي أحسن وتؤجّل الفصل بينهم وبين مختلف أصحاب الدّيانات إلى اليوم الآخر بينما نجد نصوصا أخرى تدعو إلى قتالهم ممّا يفيد أنّ إشكاليّة الكفر والإيمان تأويليّة [1] تتعلّق بحدود تأويل النصّ الدّيني وحريّة الضّمير الإسلامي في تمثّل دينه[2]
3 – الانتماء إلى الجماعة: لقد وقع الانزياح من الكفر باعتباره اعتقادا يتعلّق بضمير المعتقد إلى محدّد لهيئة الانتظام الاجتماعي، فالإقرار بالشّهادة ليس مجرّد إشهاد للنّاس على ما في قرارة النّفس من معتقد بل إعلان عن الانتماء إلى الجماعة وعن مسؤوليّة الانتظام في ظلّ القيم والقوانين التي تنظّمها والدّخول بالتّالي في عقد الولاء لها وهو ولاء متعدّد الأبعاد: عقدي وأخلاقي وقانوني وسياسي يتمتّع المؤمن بمقتضاه بالحماية والرّعاية والحقوق وشغل الوظائف [3]
كما يترتّب عن الحكم بالإيمان والكفر تحديد أوضاع اجتماعيّة تتعلّق بالمركز والهامش والدّاخل والخارج ودار الإيمان و دار الكفر أو دار الإسلام و دار الحرب أي رسم حدود الأمّة سياسيا وثقافيّا وجغرافيّا.
4 – الوضع القانوني : يخوّل الحكم بإيمان شخص أو كفره الانتماء إلى الأمّة أو الإقصاء منها ويترجم الحكم بالتّكفير اعتباريّا من خلال النّظرة الدّونيّة لمن عدّ كافرا وإخراجه من دائرة العدالة والضّبط وقانونيّا من خلال جملة من الأحكام المتعلّقة بالزّواج والطّلاق والمصاهرة والإرث والشّهادة والاسترقاق وهدر الدّم واستباحة المال والعرض.
5 – المصير والجزاء الأخروي: لقد وقع الانزياح بهذا التّصوّر التّاريخي عن هيئة الانتظام الاجتماعي من الحياة الدّنيا إلى ما يفترض أنّه الحياة الآخرة مع إسقاط نفس تلك الصّورة التّاريخيّة على العالم ما فوق التّاريخي. ورغم ما ترسّخ في الضّمير الإسلامي من أنّ الثّواب والعقاب وتحديد المصير الأخروي بعد الموت موقوف على المشيئة الإلهية فإنّ النّاطقين عن سلطة الحقيقة الدّينيّة قد صادروا على مصير من عدّوهم خارجين من دائرة الإيمان.
وتلتقي هذه المستويات جميعها في تكريس مفهوم “المباينة” بكلّ أبعاده السّوسيوثقافيّة[4]
لقد أثارت كلّ هذه الإشكاليّات جدلا حادّا نجد صداه في مختلف مدوّنات الإبداع العربي الإسلامي “كلام / تفسير / فقه / أصول فقه / تاريخ / أدب…” ولا يزال لتلك الأدبيّات أثر إلى اليوم في الواقع السّياسي والتّشريعي والثّقافي في كثير من المناطق العربيّة والإسلاميّة [5]. ويكشف ذلك المنتج الثّقافي تصوّر الفكر الإسلامي على امتداد فترات متلاحقة عن الآخر أوالمخالف الدّيني والمذهبي والثّقافي.
وقد اخترنا أثرين أحدهما كلاميّ و هو”فيصل التّفرقة بين الإسلام والزّندقة “والآخر أصوليّ وهو “المستصفى في أصول الفقه “،و كلاهما لأبي حامد الغزّالي (445 – 505 هـ) و ذلك لاستجلاء صورة الآخر كما رسمها الأثران.
أمّا اختيارنا لـ”الفيصل” فيعود إلى أنّه كتب في مرحلة النّضج الفكري للغزالي بعد فترة عزلة وتأمّل لا تزال تثير الكثير من الجدل والاستفهام، ويتبيّن ذلك النّضج مقارنة بتصوّرات عبّر عنها الغزّالي في آثار سابقة إذ قال في كتابه “الاقتصاد في الاعتقاد” بإطلاق تكفير اليهود والنّصارى والمجوس والبراهمة والدّهريّة وفريق من الفلاسفة صدّقوا بالصّانع والنّبوّة ولكنّهم أنكروا حشر الأجساد وعلم الله بالجزئيّات وقالوا بقدم العالم، أمّا الفرق الكلاميّة من المؤوّلين والمجتهدين فلم يقل بإطلاق تكفيرهم بل قسّمهم إلى فرقتين احترز مع الأولى من التّنادي إلى التّكفير لأنّ “الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم” [6]. أمّا الفرقة الثّانية فقد قطع بتكفيرها وإن لم تصرّح بتكذيب الرّسول ولكنّها أنكرت أصلا ما علم بالتّواتر أو ما علم صحّته بالإجماع. وقد قسّم الغزّالي في نفس المصدر النّاس في دركهم للأدلّة التي تجري مجرى الأدوية إلى فرقتين، أعفى الأولى من “الاستحثاث على تعلّم هذا العلم فأنّ صاحب الشّرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في مخاطبته إيّاهم بأكثر من التّصديق ولم يفرّق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو بيقين برهاني” [7] أمّا الفرقة الثّانية فهم “طائفة مالت عن اعتقاد الحقّ كالكفرة والمبتدعة فالجافي الغليظ منهم ضعيف العقل الجامد على التّقليد الممتري على الباطل من مبتدأ النّشوء إلى كبر السنّ لا ينفع معه إلاّ السّوط والسّيف ” [8]، و يسترسل الغزالي في الغضّ من دور البرهان و الإقناع مع هذه الطّائفة إلى حدّ عرض فيه صورة قاتمة عن التّاريخ الإسلامي ” فأكثر الكفرة أسلموا تحت ظلّ السّيوف إذ يفعل الله بالسّيف والسّنان ما لا يفعل بالبرهان واللسان وعن هذا إذا استقريت تواريخ الأخبار لم تصادف ملحمة بين المسلمين والكفّار إلاّ انكشفت عن جماعة من أهل الضّلال مالوا إلى الانقياد ولم تصادف مجمع مناظرة ومجادلة انكشفت إلاّ عن زيادة إصرار وعناد “[9]؟ ويصل به الأمر إلى حدّ اعتبار الفهم عطيّة لدنيّة يهبها الخالق من يشاء “ولا تطننّ أنّ هذا الذي ذكرناه غضّ من منصب العقل وبرهانه ولكنّ نور العقل كرامة لا يخصّ الله بها إلاّ الآحاد من أوليائه. والغالب على الخلق القصور والإهمال. فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول كما لا تدرك نور الشّمس أبصار الخفافيش فهؤلاء تضرّ بهم العلوم كما تضرّ رياح الورد بالجُعَل”[10]. وهو تصوّر متشدّد يعكس مرحلة من مراحل الوعي بالآخر لدى الغزالي نروم مقارنته بما عبّر عنه في مرحلة لاحقة في كتاب “فيصل التّفرقة بين الإسلام والزّندقة” من تريّث وتحرّز من التّكفير اتّسم بالضّبط والتّقنين للظّاهرة.
وطالما أنّ هذا الأثر كلامي نظري فقد اخترنا كتاب “المستصفى في أصول الفقه” باعتبار بعض أبوابه خاصّة الإجماع تعكس تصوّرا عمليّا عن فئات المجتمع، وسيمكّننا ذلك من اختبار العملي في ضوء النّظري.
{{صعوبة حدّ الكفـــر}}
اعتبر الغزالي في فيصله على غرار المتكلّمين أنّ “الكفر حكم شرعيّ كالرقّ والحريّة مثلا إذ معناه إباحة الدّم والحكم بالخلود في النّار” [11] وأضاف في سياق آخر: “يرجع إلى إباحة المال وسفك الدّم والحكم بالخلود في النّار” [12]، وطالما أنّه كذلك فينطبق عليه ما ينطبق على الأحكام الشّرعيّة من مسالك الاستدلال عليه” ومدركه شرعيّ فيدرك إمّا بنصّ و إمّا بقياس على منصوص “[13]، كما ينسحب عليه ما ينسحب على الأحكام من قوّة الحجيّة ودرجات البيان “تارة يدرك بيقين وتارة بظنّ غالب وتارة بتردّد فيه” [14]
وفي معرض محاولته ضبط حدّ للكفر اعتبر أنّ “شرح ذلك طويل ومدركه غامض”[15] ومن الطّريف أنّ الغزالي مثلما اعتبر أنّ الإيمان “نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده عطيّة وهديّة من عنده” [16] فقد اعتبر قياسا على ذلك ” أنّ حقيقة الكفر والإيمان وحدّهما والحقّ الضّلال وسرّهما لا يتجلّى للقلوب المدنّسة بالمال والجاه وحبّهما ” [17]، فأداة معرفة حدّ الكفر الذي يتأسّس عليه الحكم بالتّكفير هي القلب الذي تنكشف له الحقائق بشروط هي أعلق بالدّربة والرّياضة الرّوحيّة في العرفان الصّوفيّ، وقد أجمل الغزالي تلك الشّروط في:
ــ طهارة القلوب عن مضارّ الدّنيا
ــ صقلها بالرّياضة البالغة
ــ تنويرها بالذّكر الصّافي
ــ تغذيتها بالفكر الصّائب
ــ تزيينها بملازمة حدود الشّرع
وإذا تحقّقت هذه الشّروط في القلوب “فاض عليها النّور من مشكاة النبوّة وصارت كأنّها مرآة مجلوّة وصار مصباح الإيمان في زجاجة قلبه مشرق الألوان يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار” [18]
إنّ هذا المسلك العرفاني الشاقّ المعقّد الذي اشترطه الغزالي للتّوصّل إلى فضّ إشكاليّات الحكم بالكفر ليس في الواقع إلاّ تضييقا لمداخل التّكفير لما يتطلّبه من طاقات استثنائيّة في مجاهدة النّفس التي تجنح بحكم نوازع الغريزة إلى استلطاف المؤتلف ومحاباته والنّفور من المختلف ومجافاته، فكأنّ هذا الصّفاء النّفسي، “جلاء القلب”، شرط لموضوعيّة الحكم لأنّه يضمن التّجرّد من النّوازع الذّاتيّة سياسيّة كانت أو مذهبيّة أو شخصيّة، خاصّة وأنّ التّكفير في السّياق التّاريخي الإسلامي كان في الغالب متأثرا بتلك الملابسات.
إنّ هذا المجهود النّفسي والذّهني والسّلوكي يتطلّب شخصيّة معرفيّة فذّة بعيدة عن التّقليد لذلك اعتبر الغزالي أنّ “شرط المقلّد أن يسكت أو يُسْكَت عنه لأنّه قاصر عن سلوك طريق الحجاج” [19] واعتبر أنّ مجرّد العلم بالفقه لا يفي بالحاجة “فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرّد الفقه يخوض في التّكفير والتّضليل فاعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك فإنّ التحدّي بالعلوم غريزة في الطّبع لا يصبر عنه الجهّال ولأجله كثر الخلاف بين النّاس” [20] كما فضّل السّكوت على الحكم بغير علم “ولو سكت من لا يدري لقلّ الخلاف بين النّاس”[21] كما آثر التوقّف “فالتوقّف في التّكفير أولى والمبادرة إلى التّكفير إنّما يغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل” [22] .
ضمن هذا السّياق الأخلاقي العام ينزّل الغزالي مقاربته في حدّ الكفر و ضبط معايير التّكفير.
لكنّ إشراقات الحدوس ولطائف العرفان لا بدّ أن توزن بميزان البيان وتختبر على محكّ البرهان، لذلك إذا لم يكن بدّ من امتحان النّاس في إيمانهم ــ طالما أنّ المسألة تتعلّق بحاجات اجتماعيّة حيويّة ــ فلا مهرب من ضبط المعايير النّظريّة والعمليّة المباشرة لذلك.
{{حدّ الكفـــــر}}
آثر الغزالي تبعا للمقدّمات الأخلاقيّة التي أسلفنا عرضها أن لا يصادر صراحة على حدّ الكفر وذلك حتّى لا يتناقض مع التّغليظ في تضييق مسالك التّكفير ونظرا لعسر تحديد الكفر وغموض إدراكه اكتفى بوضع علامة عليه بمثابة القرينة “ولكنّي أعطيك علامة صحيحة مطّردة منعكسة لتتّخذها مطمح نظرك وترعوي بسببها عن تكفير الفرق… فأقول الكفر هو تكذيب الرّسول صلوات الله عليه في شيء ممّا جاء به والإيمان تصديقه في جميع ممّا جاء به… فكلّ كافر مُكذِّب وكلّ مكذّب فهو كافر فهذه علاقة مطّردة منعكسة ” [23]
وفي سياق آخر يعزّز الغزالي هذه القرينة بضابط آخر يعتبر فيه أنّ “الحكم بإباحة الدّم والخلود في النّار حكم شرعيّ لا معنى له قبل ورود الشّرع” [24] فحدّ الكفر يكون من خلال الشّرع لا العقل.
غير أنّ هذه القرينة وهذا الضّابط يفتحان أبواب الجدل ولا يحسمان الخلاف، فما الذي يعَدّ به المُكذّب مُكذّبا والحال أنّ ما يُفتَرَضُ أنّ الرّسول قد جاء به يطرح من الإشكاليّات والقضايا ما يجعل العلامة “القرينة” التي اقترحها الغزالي لا تفي بالغرض الذي من أجله وضعت، كما أنّ حصر مسلك الاستدلال في الشّرع دون العقل ملبس لأنّ الشّرع ليس على المستوى العملي إلاّ حصيلة النّظر العقلي في مصادر الشّرع، لذلك التجأ الغزالي إلى تفصيل أطروحته وتعميق النّظر في معانيها وأبعادها في بقيّة فصول الكتاب.
{{الوضع الاعتقادي للمخالف الدّيني}}
انطلاقا من العلامة التي بني عليها الغزالي حدّ الكفر، “تكذيب الرّسول”، اعتبر أنّ “اليهوديّ والنّصرانيّ كافران لتكذيبهما الرّسول، والبرهميّ كافر بطريق الأولى لأنّه أنكر مع رسولنا سائر الرّسل” [25] كما ينسحب عليهم الضّابط الثّاني الذي اقترحه لتعزيز العلامة فلا تكفير إلاّ بالنصّ “وقد وردت النّصوص في اليهود والنّصارى والتحق بهم بطريق الأولى البراهمة والثّنويّة والزّنادقة والدّهريّة وكلّهم مشركون في أنّهم مكذّبون للرّسل ” [26]
لم ينفرد الغزالي بتقرير هذا الحكم الذي أحالت عليه جلّ كتب الكلام والفرق غير أنّه لم يقرّر هذا الحكم بإطلاق بل جنح إلى تنسيبه بأشكال لا تخلو من الطّرافة، إذ تشدّد في انتقاد غلوّ المتكلّمين وإسرافهم و قد “ضيّقوا رحمة الله الواسعة على عباده أوّلا وجعلوا الجنّة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلّمين ثمّ جهلوا ما تواتر من السنّة ثانيا إذ ظهر من عصر الرّسول عليه السّلام وعصر الصّحابة حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الوثن” [27]، كما أثنى على إيمان العوامّ ووسمه بـ”الإيمان الرّاسخ” وكأنّه يريد أن يستعيد ما كان عليه الإسلام الأوّل من اكتفاء بمجرّد المظاهر الدّنيا للإيمان التي جعلت المسلمين يلحقون المجوس بأحكام أهل الكتاب اتّباعا للحديث النّبوي “سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب”
وفي إطار توسيع الرّحمة الإلهية لتشمل غير المسلمين قرّر الغزالي أنّ “الرّحمة تشمل أكثر الأمم السّالفة وإن أكثرهم يعرضون على النّار إمّا عرضة خفيفة في لحظة أو ساعة وإمّا في مدّة حتّى يطلق عليهم اسم بعث النّار” [28]
ولم يستثن أصحاب الأديان والأمم التي عاصرها من شمول هذه الرّحمة فـيصرّح بأنّ “أكثر نصارى الرّوم والتّرك في هذا الزّمان شملتهم الرّحمة ــ ثمّ يستدرك قائلا ــ أعني الذين هم في أقاصي الرّوم والتّرك ولم تبلغهم الدّعوة” [29] ، ويسترسل في تخصيص هذه الطّائفة وتنسيب الحكم عليها بالكفر إذ يصنّفها إلى ثلاثة أصناف :
ــ صنف أوّل: لم يبلغهم اسم الرّسول محمّد فهم معذورون
ــ صنف ثان: بلغهم اسمه وبعثه وما ظهر عليه من المعجزات وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، ولم يجد لهم عذرا وعدّهم من الكفّار المخلّدين في النّار
ــ صنف ثالث: بين الدّرجتين بلغهم اسم الرّسول ولم يبلغهم بعثه وصفته “سمعوا منذ الصّبا أنّ كذّابا مُلبسا اسمه محمّد ادّعى النّبوّة… فهؤلاء عندي في معنى الصّنف الأوّل فإنّهم مع أنّهم سمعوا صفته سمعوا ضدّ أوصافه وهذا لا يحرّك داعية النّظر في الطّلب” [30] ، وبذلك يعتبر أن الكفر لا يتحدّد بمجرّد بلوغ الدّعوة طالما أنّ تلك الملابسات التي بلغت بها لا تحرّك “داعية النّظر” كما رأى أنّ التّقصير المتعمّد في النّظر مؤدّ للكفر ولكن بشروط، إذ اعتبر أنّ “من كذّبه – من سائر الأمم – بعد ما قرع سمعه على التّواتر خروجه وصفته ومعجزته الخارقة للعادة… فإذا قرع ذلك بسمعه فأعرض وتولّى ولم ينظر فيه ولم يتأمّل أو لم يبادر إلى التّصديق فهذا هو الجاحد المكذّب والكافر ” [31]
ولم يقبل الغزالي أن لا تحرّك كلّ هذه المعطيات داعية الطّلب لدى العقلاء لذلك اعتبر أنّ “من قرع سمعه هذا فلا بدّ وأن تنبعث منه داعية للطّلب ليتبيّن حقيقة الأمر إن كان من أهل الدّين ولم يكن من الذين استحبّوا الحياة الدّنيا على الآخرة فإن لم تنبعث هذه الدّاعية فذلك لركونه إلى الدّنيا وخلوّه عن الخوف وخطر أمر الدّين وذلك كفر ” [32] ، و لعلّ أهمّ ما يمكن تسجيله في سياق هذه التّحديدات أنّ مرحلة قرع السّمع أي بلوغ أمر النّبوّة عن طريق التّواتر ممّا يمكن الاستدلال عليه واقعا، أمّا تأثير ذلك في تحريك داعية الطّلب ومدى التّقصير في الطّلب فهي أمور ذاتيّة بضمير المرء وبقرارة نفسه أعلق كما تتوقّف على الأفق المعرفي والملابسات الثّقافيّة والاجتماعيّة للنّاظر، فلا يمكن بأيّ حال الاستدلال عليها فضلا عن المصادرة والحكم الجازم ، فماذا لو نظر من قرع سمعَه أمرُ الدّعوة فتحرّكت لديه داعية الطّلب فنظر ودقّق النّظر ومقصده استجلاء حقيقة الأمر ولكنّ قَصُرت به مداركه ومسالك الاستبيان عن تمثّل ما يعدّه الغزالي حقيقة الإيمان فكذّب الرّسول إذ لم يتبيّن له صدقه فبأيّ منطق يعدّ كافرا ويستوجب الحرمان من الرّحمة فضلا عن عصمة الدّم والمال والعرض ؟
لم يترك الغزالي الأمر غفلا فقد اعتبر أنّ من “اشتغل بالنّظر والطّلب ولم يقصّر فأدركه الموت قبل تمام التّحقيق فهو أيضا مغفور له ثمّ له الرّحمة الواسعة “[33] ويمكن اعتبار جميع النّاس الذين لم يقصّروا في النّظر ومع ذلك لم يفض بهم النّظر إلى التّحقيق والإيمان من هؤلاء طالما أنّه يفترض أنّ الخالق وحده قادر على سبر باطن مخلوقه والتثبّت من أنّه قد تبيّنت له حقيقة الإيمان بالاستدلال والبرهان فأعرض جحودا و تكبّرا وعدوانا بينما يستحيل ذلك على البشر وإن توسّلوا إلى ذلك بشتّى أساليب الجدل إفحاما وتبكيتا.
لذلك دعا الغزالي إلى عدم إخضاع هذه الأمور إلى موازين الجدل ومقرّراته قائلا “فاستوسع رحمة الله تعالى ولا تزن الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسميّة ” [34]
ولم يكتف الغزالي بذلك بل أقرّ في لطيفة لا تخلو من الطّرافة أنّ “أهل النّصارى قد انكشف لهم سبقُ الرّحمة وشمولُها بأسباب ومكاشفات سوى ما أُسْمِعُوه من الأخبار والآثار ولكنّ شرح ذلك يطول ” [35] . ولا ندري إن كان الغزالي يخصّ النّصارى بانكشاف سبق الرّحمة وشمولها دون اليهود أم يقصد أهل الكتاب عموما ولكن خصّ النّصارى بالخطاب لانتظامهم في دول و =مجموعات دينيّة كبرى كان بينها وبين دولة الخلافة تجاذب في عصره، لكنّ ما نتبيّنه من هذا الشّاهد المهمّ والغامض في نفس الوقت والأقرب إلى إشراقة الصّوفي أنّ صاحب الفيصل بعد أن حاول ضبط الظّاهرة وتقنينها لم يملك في نهاية المطاف مع المخالف الدّيني إلاّ أن يوسّع دائرة النّجاة لتشمل أهل المكاشفات من الذين لم يأخذوا بأسباب الأخبار والآثار وهو موقف يحتاج الكثير من النّظر العميق والتأمّل في ضوء مقرّرات علم الكلام الوسيط من ناحية وما وصلت إليه أدبيّات الحوار بين الأديان راهنا.
———————————
[1] عالج عبد الرّحمان حللي هذه الإشكاليّات في كتابه حريّة الاعتقاد في القرآن الكريم دراسة في إشكاليّات الردّة والجهاد والجزية نشر المركز الثّقافي العربي الدّار البيضاء ط 1 / 2001 م
[2]أورد الطّاهر الحدّاد في ردّه علي الشّيوخ الذين كفّروه ” كم هم بعداء في سلوكهم معي عن فهم الإسلام و روح الشّريعة ولا أدري كيف ساغ لهم أن يضعوا إمضاءاتهم في تكفير مسلم لأنّه أثبت لنفسه حقّ النّظر في الشّريعة و فهمها بما تقتضيه حاجة المسلمين و روح العصر مهما كان مخطئا في اجتهاده و لا شكّ أنّهم مجبورون بحكمهم هذا على بناء النتائج اللازمة عليه فيحكمون أيضا بمنع هذا الكافر من ميراث أهله و فصله و منعه من الزّواج و إخراجه جامعة الإسلام حيّا وميّتا و بذلك قتله اجتماعيّا كما يشتهون ” عن كتاب الحدّاد و فكر الاختلاف قراءة في وثائق مجهولة لمحمّد المي ص 28/29 ط 1 / فيفري 1999 سلسلة أقواس مطبعة أبيض على أسود رادس تونس
[3] في رسالة من الطّاهر الحدّاد إلى المقيم العام على خلفيّة تكفيره و عزله من وظيفته قال ” كيف أن يحكم على إنسان بالعزل من خطّة و يعلّل هذا العزل بالطّعن في ذاته المدنيّة… إنّ الرّأي مهما أمعن في الغلط عن حسن نيّة لا يصحّ أن يكون مطعنا في الشّخصيّة المدنيّة لتسلب من بعض حقوقها… ثمّ إنّ الوظائف في الإسلام ليست دينيّة كما يظنّ الجاهلون بالأمر و إنّما هي تشريعيّة لتوفية مصالح الدّولة…” م س ص 27 / 28
[4] نستشفّ مفهوم المباينة في كلّ أبعاده من مقالة أبي لهب ” لقد باينت محمّدا يا ابنة عتبة و أبيت ما جاء به و نصرت اللات و العزّى وغضبت لهما ” عن أنساب الأشراف للبلاذري ص 138 دار الفكر بيروت ط 1 / 1996
[5] راجع كتاب ضدّ التعصّب لجابر عصفور ط 1 /2001 المركز الثّقافي العربي الدّار البيضاء المغرب و قد ناقش فيه دعاوى التّكفير التي تعرّض لها بعض المفكّرين و الأدباء و الفنّانين
الاقتصاد في الاعتقاد شرح علي أبو ملحم دار و مكتبة الهلال بيروت ط 1993 ص 269 [6]
ن م س ص 38[7]
ن م س ص 39[8]
ن م س ص 39 [9]
ن م س ص 40[10]
فيصل التّفرقة ص 55[11]
ن م س ص 75[12]
ن م س ص 55[13]
ن م س ص 75 [14]
ن م س ص 55[15]
ن م س ص 81[16]
ن م س ص 48[17]
ن م س ص 48[18]
ن م س ص 52[19]
ن م س ص 79[20]
ن م س ص 79[21]
ن م س ص 75[22]
ن م س ص 55[23]
ن م س ص 89[24]
ن م س ص 55[25]
ن م س ص 55[26]
ن م س ص 81[27]
ن م س ص 86[28]
ن م س ص 86[29]
ن م س ص 86[30]
ن م س ص 87[31]
ن م س ص 87[32]
ن م س ص 87[33]
ن م س ص 87[34]
ن م س ص 88[35]
