الآخر الأقصى في ضوء ميزان التّكفير بين “الفيصل” و”المستصفى” للغزّالي (2)
صنّف الغزالي رسالته في أجواء مشحونة مذهبيّا حيث كان التّكفير والتّكفير المضادّ سيفا مشهرا في وجه المخالف المذهبي والمتأوّل في شتّى مجالات المعرفة خاصّة في مسائل علم الكلام، ولا يخفى ما لمقالة التّكفير من خلفيّات سياسيّة جعلت من مسائل الكلام أداة للفرز السّياسي واختبار الولاء عبر امتحان المخالفين (أنظر فهمي جدعان : المحنة بحث في جدليّة الدّيني و السّياسي في الإسلام ط 1 عمّان دار الشّروق 1979) ولقد كان الغزالي نفسه هدفا للتّكفير من طرف من أسماهم طائفة من الحسدة طعنوا على بعض كتبه المصنّفة على غير منهج المتقدّمين واعتبروا أنّ “العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسران” (فيصل التّفرقة ص 47) ، غير أنّ هاجس الغزالي لم يكن ذاتيّا إذ لم يكن همّه الدّفاع عن نفسه ودحض تهمة التّكفير بل كان يروم نقض مقالة التّكفير جملة وتفصيلا مهما كان مصدرها أو المستهدف منها لذلك اعتبر أنّ من “زعم أنّ حدّ الكفر يخالف مذهب الأشعري أو مذهب المعتزلي أو الحنبلي أو غيرهم فاعلم أنّه غرّ بليد قد قيّده التّقليد وهو أعمى من العميان” (نفس المصدر ص 51).
ويسأل الغزالي باستفهام إنكاريّ أين ثبت كون الحقّ وقفا على أحد العلماء دون الآخر و”لم صار الباقلاّني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاّني؟ ولم صار الحقّ وقفا على أحدهما دون الثّاني؟”[1]. ويتساوق الاستفهام الثّاني مع ما نزع إليه الغزالي وطائفة من الأصوليين من أنّ الحقّ يشمل المجتهدين وإن اختلفوا وذلك في سياق المسألة التي أثارت جدلا بينهم “هل الحقّ في واحد؟”. ويفنّد الغزالي الأطروحة التي تؤسّس المشروعيّة على أفضليّة السّابق على اللاّحق ويعتبرها أطروحة متهافتة من وجهة المنطق لأنّها تسقط في الدّور إذ لكلّ سابق من هو أسبق منه “فقد سبق الأشعريّ غيره من المعتزلة فليكن الحقّ للسّابق عليه”[2]، كما فنّد مقولة التّفاوت في الفضل والعلم بين العلماء وتساءل “بأيّ ميزان ومكيال قدّر درجات الفضل حتّى لاح له أن لا أفضل في الوجود من متبوعه ومقلّده؟”[3]. كما أثبت رواية خاصّة لحديث الفرقة النّاجية والطّائفة المنصورة الذي شاع في كتب الفرق[4] حيث ادّعت كلّ فرقة أنّها معنيّة وحدها بشرف الانتساب إلى هذه الفرقة، وقد أورد الغزالي في معرض حديثه عن الزّنادقة أنّهم هم المرادون بقول الرّسول “ستفترق أمّتي نيّفا وسبعين فرقة كلّهم في الجنّة إلاّ الزّنادقة وهي فرقة”[5].
وفي إطار دحضه لمقالة من زعم أنّ الحقّ موقوف على الواحد من المجتهدين والنظّار رأى الغزالي أنّ ذلك له تبعات عقائديّة تقرب إلى الكفر “لأنّه نزّله – المجتهد – منزلة النّبي المعصوم الذي لا يثبت الأيمان إلاّ بموافقته ولا يلزم الكفر إلاّ بمخالفته”[6]، كما كشف ما تنطوي عليه هذه المقالة من تناقض “كلّ واحد من النظّار مُوجِبٌ للنّظر ومحرّم للتّقليد، فكيف تقول يجب عليك النّظر مع تقليدي أو يجب عليك أن تنظر وأن لا ترى في نظرك إلاّ ما رأيت؟”[7]. هكذا يستنفر الغزالي الحجج العقائديّة والمنطقيّة لدحض أهمّ الأسس النّظريّة التي تتأسّس عليها مقالة التّكفير.
{{التّكفير داخل الملّة}}
وجد الغزالي مثلما أسلفنا حرجا في حدّ الإيمان والكفر بشكل جامع مانع حاسم للتّنازع لكنّه جعل علي ذلك قرينة تطّرد وتنعكس ويُسْتَدَلّ بها عليه هي أنّ الإيمان تصديق الرّسول والكفر تكذيبه. غير أنّه أدرك أنّ هذه القرينة لا تحسم الإشكال بل على العكس من ذلك ستؤجّج الجدل والخلاف إذ “كلّ فرقة تكفّر مخالفها فتنسبه إلى تكذيب الرّسول، فالحنبلي يكفّر الأشعري زاعما أنّه كذّب الرّسول في إثبات الفوق للّه تعالى وفي الاستواء على العرش، والأشعري يكفّره زاعما أنّه مشبّه وكذّب الرّسول في أنّه ليس كمثله شيء والأشعري يكفّر المعتزلي زاعما أنّه كذّب الرّسول في جواز رؤية الله تعالى وفي إثبات العلم والقدرة والصّفات له، والمعتزلي يكفّر الأشعري زاعما أنّ إثبات الصّفات تكفير للقدماء وتكذيب للرّسول في التّوحيد”[8]، فلم ينف عن الأشاعرة وهو أحدهم صفة التّعصّب في نسب المخالفين للتّكفير. ولفضّ هذا الإشكال “الورطة” رأى الغزالي أنّ حدّ الإيمان والكفر بتصديق الرّسول وتكذيبه يقتضي معرفة حدّ التّكذيب والتّصديق وحقيقتهما “فينكشف له غلوّ هذه الفرق وإسرافها في تكفيرها بعضا لبعض”[9]. وباعتبار أنّ التّصديق يتطرّق إلى الأخبار الصّادرة عن الرّسول فإنّ “حقيقته الاعتراف بوجود ما أخبر الرّسول عن وجوده” [10] و يبقى هذا المفهوم إشكاليّا ملبسا إذا لم يقع ضبط مفهوم الوجود ومستوياته ودرجاته وحدوده لضبط دائرة التّصديق التي هي اعتراف بالوجود.
وطالما أنّ التّنازع على الحقيقة والمشروعيّة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة الوسيطة هو تنازع على الدّلالة فقد أراد الغزالي ضبط قانون للتّأويل به تضبط حدود الاستدلال ويعرف المصدّق من المكذّب. من أجل ذلك قسّم الغزالي الوجود مدار التّصديق والتّكذيب إلى خمسة أقسام واعتبر أنّ “من اعترف بوجود ما أخبر الرّسول عن وجوده بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس بمكذّب على الإطلاق” [11]
{{مراتب الوجود}}
1 – الوجود الذّاتي: وهو “الوجود الحقيقي الثّابت خارج الحسّ والعقل ولكن يأخذ الحسّ والعقل عنه صورة فيسمّى إدراكا” [12] وذلك مثل الوجود الظّاهر للسّماوات والأرض والحيوان والنّبات، ويجري على الظّاهر فلا يتأوّل.
2 – الوجود الحسّي: وهو “القوّة الباصرة في العين ممّا لا وجود له خارج العين فيكون موجودا في الحسّ ويختصّ به الحاسّ ولا يشاركه غيره” [13] وذلك مثل ما يشاهد في النّوم أو ما يختصّ به الأنبياء من مكاشفات ووحي وإلهام، ويتمثّل له بتصوير الموت في صورة كبش يوم القيامة أو الجنّة في حجم حائط .
3 – الوجود الخيالي: وهو عبارة عن “صورة المحسوسات إذا غابت عن حسّك” [14]، إذ كلّ ما يتمثّل في محلّ الخيال يتصوّر أن يتمثّل في محلّ الإبصار فيكون مشاهدة مثل رؤية الرّسول ليونس بن متّى ملبّيا والجبال تجيبه، فقد “تمثّل ذلك في حسّه حتّى صار يشاهده كما يشاهد كما يشاهد النّائم الصّور” [15]
4 – الوجود العقلي: وهو أن “يكون للشّيء روح وحقيقة ومعنى فيتلقّى العقل مجرّد معناه دون أن يثبت صورته في خيال أو حسّ أو خارج” [16] ويتمثّل لذلك باليد التي لها صورة محسوسة وصورة متخيّلة ولها معنى هو حقيقتها وهي القدرة والبطش والعطاء والمنع ويطلق عليها اسم اليد العقليّة “اليد العقليّة” فيجوز إثبات معنى اليد وحقيقتها وروحها دون صورتها.
5 – الوجود الشّبهي: وهو “أن لا يكون نفس الشّيء موجودا لا بصورته ولا بحقيقته لا في الخارج ولا في الحسّ ولا في الخيال ولا في العقل ولكن يكون الموجود شيئا آخر يشبهه في خاصّة من خواصّه وصفة من صفاته” [17]. ويتمثّل لذلك بصفات الغضب والشّوق والفرح والصبر – و هي حالات تعتري البشر- إذا نسبت لله، فمن أحال على ذلك من وجه الحسّ أو الخيال أو العقل “نزّله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب كإرادة العقاب والإرادة لا تناسب الغضب في حقيقة ذاته لكن في صفة من الصّفات التي تقارنها”[18]، فهي ضرب من المجاز المرسل القائم على علاقة التّجاور أو السّبب بالنّتيجة أو الجزء بالكلّ…
{{قانون التّأويل}}
يعتبر الغزالي وفقا لهذا التّقسيم لمراتب الوجود أنّ أيّما تأويل يرد على مقتضى هذه المراتب فهو داخل في دائرة التّصديق وبالتّالي الإيمان فـ”كلّ من نزّل قولا من أقوال الشّرع على درجة من هذه الدّرجات فهو من المصدّقين، إنّما التّكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني ويزعم أنّ ما قاله – الرّسول – لا معنى له وإنّما هو كذب محض وغرضه في ما قاله التّلبيس أو مصلحة الدّنيا وذلك هو الكفر المحض والزّندقة، ولا يلزم الكفر المؤوّلين ما داموا يلازمون قانون التّأويل ” [19].
غير أنّ المسألة بالنّسبة إلى الغزالي ليست متروكة للتّشهّي بل هي مضبوطة وموقوفة على قيام البراهين على استحالة المعنى الظّاهر من الدّلالة، إذ الظّاهر هو الأولى ثمّ الوجود الذّاتي ثمّ الذي يليه ثمّ الذي يليه… “ولا رخصة في العدول عن درجة إلى ما دونها إلاّ بضرورة البرهان”[20]. ر أنّ قيام البرهان مسألة خلافيّة دون الاتّفاق عليه خرط القتاد، لذلك رأى الغزالي “إن كان كلّ واحد لا يرتضي بما ذكره الخصم ولا يراه دليلا قاطعا، وكيف ما كان، فلا ينبغي أن يكفّر كلّ فريق خصمه بأن يراه غالطا في البرهان”[21]. وأقصى ما يقبل في نظر الغزالي من الأوصاف التي تطلق على المخالف هو أن ينسب إلى الضّلال أو الابتداع “أمّا ضالاّ فمن حيث أنّه ضلّ الطّريق عنده، وأمّا مبتدعا فمن حيث أنّه أبدع قولا لم يعهد من السّلف الصّالح التّصريح به” [22].
ويتأسّس على كلّ هذه المعطيات المنهجيّة ما عدّه الغزالي قانونا: “وأمّا القانون فهو أن تعلم أنّ النّظريّات قسمان قسم يتعلّق بأصول القواعد وقسم يتعلّق بالفروع، وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع”[23]. ويترتّب على هذا القانون عدم جواز التّكفير في الفروع أصلا و”لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيّات وفي بعضها تبديع كالخطأ المتعلّق بالإمامة و أحوال الصّحابة “[24].
{{تنزيل القانون}}
–قواعد القانون
ينطلق الغزالي في تنزيله قانونه من جملة من الضّوابط المنهجيّة والأخلاقيّة نجملها في النّقاط التّالية:
* عدم جواز تكفير فريق لفريق لمجرّد تخطئته ” في ما يعتقده برهانا فإنّ ذلك ليس أمرا هيّنا سهل المدرك” [25]
* أن يكون “للبرهان بينهم قانون متّفق عليه يعترف كلّهم به فإنّهم إذا لم يتّفقوا في الميزان لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن” [26]
* عدم جواز إطلاق تكفير “من يبادر إلى التّأويل بغلبات الظّنون من غير برهان قاطع… بل ينظر فيه فإن كان تأويله في أمر لا يتعلّق بأصول العقائد ومهمّاتها فلا تكفّره ” [27]
* ما احتمل التّأويل في نفسه ــ ممّا تعلّق بأصول الاعتقاد الثّلاثة ــ وتواتر نقله ولم يقم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض.
* ما تعلّق بأصول الاعتقاد الثّلاثة وتطرّق إليه احتمال التّأويل و لو بالمجاز البعيد و كان برهانه قاطعا وجب القول به و”لكن إن كان في إظهاره مع العوامّ ضرر لقصور فهمهم فإظهاره بدعة”[28]
* ما تعلّق بأصول الاعتقاد الثّلاثة وتطرّق إليه احتمال التّأويل ولم يكن برهانه قطعيّا ولكن أفاد ظنّا غالبا ولم يعظم ضرره في الدّين فهذا بدعة وليس كفرا “كنفي المعتزلة رؤية الله”.
* ما تعلّق بأصول الاعتقاد الثّلاثة وتحوّل فيه المتأوّل عن المعنى الظّاهر إلى غيره بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع وجب تكفيره.
* إنكار ما يثبت بأخبار الآحاد لا يلزم منه كفر.
* إنكار ما يثبت بالإجماع فيه نظر “لأنّ معرفة كون الإجماع حجّة مختلف فيه”[29]
* تكفير منكر المتواتر من الأخبار.
* مخالفة النصّ المتواتر تحت عنوان التّأويل دون أن ينقدح لذلك التّأويل أصل في اللسان لا عن قرب ولا عن بعد “فذلك كفر وصاحبه مكذّب وإن كان يزعم أنّه مؤوّل” [30]
* تكفير المكذّب إذ “مهما وجد التّكذيب وجب التّكفير وإن كان في الفروع”[31] إذا ثبتت تلك الفروع بالمتواتر إلاّ أن يكون المكذّب قريب عهد بالإسلام ولم يتواتر عنده ذلك
* تفضيل التّوقّف عن الحكم وعدم المبادرة بالتّكفير وسكوت من لا يعلم.
–تطبيقات القانون
انطلاقا من القواعد والضّوابط التي حدّدها الغزالي علّق النّظر في التّكفير على خمسة أمور:
النّظر في النّص الشّرعي الذي عدل عن ظاهره إن كان يحتمل تأويلا وإن كان التّأويل المحتمل قريبا أو بعيدا ممّا يتطلّب حذقا للّغة بمعرفة علومها وأصولها وعادة العرب في استعمالاتها واستعاراتها وتجوّزها ومناهجها في ضرب الأمثال وهو ما يمكن أن يطلق عليه بالمجال التّداولي للغة بالاصطلاح اللساني البرجماتي المعاصر.
التثبّت من تواتر النصّ وقد حدّ التّواتر بـ”ما لا يمكن الشكّ فيه كالعلم بوجود الأنبياء ووجود البلاد المشهورة” [32]، وجعل لهذا التّواتر ضابطين أوّلهما أن يتحقّق في الأعصار كلّها عصرا بعد عصر إلى زمن النبوّة وثانيهما أن لا يكون للجمع الكثير الذي يثبت به التّواتر “رابطة في التّوافق لا سيما بعد وقوع التّعصّب بين أرباب المذاهب” [33]. كما اعتبر أن درك ما يستند إلى الإجماع من أغمض الأشياء لاختلاف العلماء حول إمكان وقوعه و حكم مخالفه.
التحقّق إن كان صاحب المقالة قد تواتر عنده الخبر أو بلغه الإجماع وذلك بمطالعة الكتب الكثيرة المصنّفة في الاختلاف والإجماع لأنّ “من خالف الإجمـــــاع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ وليس بمكذّب فلا يمكن تكفيـره والاستقلال بمعرفة التّحقيق في هذا ليس بيسير” [34]
النّظر في الدّليل الباعث على مخالفة الظّاهر “أهو على شرط البرهان أم لا ومعرفة شروط البراهين لا يمكن شرحها إلاّ في مجلّدات” [35] وذلك ممّا تكلّ قريحة أكثر أهل البرهان على استيفاء شروطه.
التثبّت إن كان ذكر المقالة المعنيّة بالنّظر يعظم ضررها في الدّين أم لا، فـقول الشّيعة الإثنا عشريّة مثلا باختفاء الإمام في سرداب هو عند الغزالي “قول كاذب ظاهر البطلان شنيع جدّا ولكن لا ضرر فيه على الدّين وإنّما الضّرر فيه على الأحمق المعتقد لذلك إذ يخرج كلّ يوم من بلده لاستقبال الإمام حتّى يدخل ويرجع إلى بيته خائبا “[36] وقد قصد بهذا الضّابط عدم المبادرة إلى تكفير كلّ هذيان وإن كان ظاهر البطلان على حدّ تعبيره.
ويتبيّن قصد الغزالي من إيراد هذه المقالات الخمس من خلال الخطاب الذي وجّهه إلى من سأله عن التّكفير وهو القول الجامع الذي يلخّص حقيقة أطروحة الغزالي عن التّكفير الذي اعتبره خطبا عظيما فـ”إذا فهمت أنّ النّظر في التّكفير موقوف على جميع هذه المقالات التي لا يستقلّ بأحدها إلاّ المبرّزون علمت أنّ المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره جاهل مجازف” [37]
{{أحكام بالتّكفير}}
* تكفير من ينكر حشر الأجساد والعقوبات والآلام الحسيّة في الآخرة إذ لا برهان على استحالة ردّ الأرواح إلى الأجساد وذكر ذلك عظيم الضّرر في الدّين. وقد ميّز الغزالي في ذلك بين الفلاسفة والمعتزلة الذين يقرب منهاجهم من مناهج الفلاسفة ولكنّ “المعتزليّ لا يجوّز الكذب على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم … بل يؤوّل الظّاهر مهما ظهر له بالبرهان خلافه والفلسفيّ لا يقتصر مجاوزته للظّواهر على ما يقبل التّأويل على قرب أو على بعد. وأمّا الزّندقة المطلقة فهو أن تنكر أصل المعاد عقليّا وحسيّا وتنكر الصّانع للعالم أصلا ورأسا” [38]. واعتبر في مقابل ذلك أنّ إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذّات الحسيّة وإثبات الصّانع مع علمه بتفاصيل الأمور ــ و هو قول فرق من المعتزلة ــ “زندقة مقيّدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء” [39]، فذلك القول لا يخرجهم من دائرة الإيمان إجمالا ولا من رابطة الأمّة.
* تكفير من قال من الفلاسفة أنّ الله لا يعلم إلاّ نفسه ولا يعلم إلاّ الكليّات ويجهل في الأمور الجزئيّة المتعلّقة بالأشخاص “لأنّ ذلك تكذيب للرّسول قطعا ليس من قبيل الدّرجات التي ذكرناها في التّأويـل” [40]
* تكفير من يدّعي من المتصوّفة بلوغ حالة بينه وبين الله تستوجب سقوط الصّلاة عنه وجواز شرب المسكر والمعاصي وأكل مال السّلطان، فحكمه عند الغزالي “ممّا لا شكّ في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النّار نظر” [41]، بل اعتبر الغزالي أنّ قتل مثل هؤلاء أفضل من قتل مائة كافر لأنّ ضرر مقالتهم على الدّين أخطر ممّن يقول بإطلاق إباحة ما أباحوا لأنّ هذا الأخير “يُمتنع عن الإصغاء إليه لظهور كفره، أمّا هذا فيهدم الشّرع من الشّرع ويزعم أنّه لم يرتكب فيه إلاّ تخصيص عموم إذ خصّص عموم التّكليفات لمن ليس له مثل درجته في الدّين” [42]. وقد كان هاجس الغزالي الأساسي أنّ هذا المنهج في الفهم “ينفتح به باب من الإباحة لا ينسد… ويدّعي كلّ فاسق مثل حاله وينحلّ به عصام الشّرع” [43]
* رفض تكفير المكفِّر من الفرق وإلاّ سقط النّاس في دائرة مسترسلة من التّكفير وقد تأوّل الحديث المنسوب إلى الرّسول “إذا قذف أحد المسلمين صاحبه بالكفر فقد باء بها” على شرط “أن يكفّره مع معرفته بحاله فمن عرف من غيره أنّه مصدّق لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ يكفّره فيكون المكفّر كافرا فأمّا من كفّره لظنّه أنّه كذّب الرّسول فهذا غلط منه في حال شخص واحد إذ قد يظنّ به أنّه كافر مكذّب وليس كذلك وهذا لا يكون كفرا ” [44]
ويصنّف الغزالي النّاس في اليوم الآخر إلى ثلاثة أصناف:
* صنف جمع بين الإيمان والعمل وهو مشمول بالنّجاة المطلقة
* صنف فرّط في الإيمان والعمل وهو مشمول بالهلاك المطلق
* صنف “صاحب يقين في أهل التّصديق وصاحب خطأ في بعض التّأويلات أو صاحب شكّ فيها أو صاحب خلط في الأعمال” [45] وهؤلاء وإن كانوا غير مشمولين بالنّجاة المطلقة فإنّهم غير مخلّدين في النّار إذ يطمعون في الشّفاعة. ويوجّه الغزالي خطابه إلى هذا الصّنف قائلا ” فاجتهد أن يغنيك الله بفضله عن شفاعة الشّفعاء” [46]
————————————-
[1] ن م س ص 51
[2] ن م س ص 51
[3] ن م س ص 51
[4] تعرّض الشّاطبي ت 790 هـ في فصل مطوّل لحديث الافتراق في كتاب الاعتصام ج 2 صص 130/187 دار الفكر للطّباعة والنّشر و التّوزيع بيروت ط 1 2002 م. كما تعرّض الشّيخ حسين الخشن لعلامات الوضع و الاضطراب في هذا الحديث في كتاب الإسلام و العنف قراءة في ظاهرة التّكفير صص 128/135 المركز الثّقافي العربي الدّار البيضاء ط 1 / 2006 م
[5]فيصل التّفرقة م س ص 71
[6] ن م س ص 53
[7] ن م س ص 53
[8] ن م س ص 57
[9] ن م س ص 57
[10] ن م س ص 57
[11] ن م س ص 58
[12] ن م س ص 58
[13] ن م س ص 58
[14] ن م س ص 58
[15] ن م س ص 62
[16] ن م س ص 58
[17] ن م س ص 59
[18] ن م س ص 62
[19] ن م س ص 65
[20] ن م س ص 67
[21] ن م س ص 67
[22] ن م س ص 67 و البدعة عنده هي عبارة عن إحداث مقالة غير مأثورة عن السّلف بقطر النّظر عن صدقيّتها
[23] ن م س ص 73
[24] ن م س ص 73
[25] ن م س ص 68
[26] ن م س ص 68
[27] ن م س ص 69
[28] ن م س ص 74
[29] ن م س ص 74
[30] ن م س ص 75
[31] ن م س ص 74
[32] ن م س ص 77
[33] ن م س ص 77
[34] ن م س ص 78
[35] ن م س ص 78
[36] ن م س ص 79
[37] ن م س ص 79
[38] ن م س ص 71
[39] ن م س ص 71
[40] ن م س ص 70
[41] ن م س ص 75
[42] ن م س ص 75
[43] ن م س ص 75
[44] ن م س ص 91
[45] ن م س ص 88
[46] ن م س ص 88
