الآخر الأقصى في ضوء ميزان التّكفير بين “الفيصل” و”المستصفى” للغزّالي (3)
تعرّض الغزالي في المستصفى إلى دور المختلف في عمليّة التّشريع بمناسبة ضبطه لشروط الرّاوي وصفته ثمّ عند تحديد المشاركين في الإجماع “الذين ينعقد بهم”.
اشترط الغزالي كغيره من الأصوليين الإسلام شرطا لقبول الرّواية فـ”لا خلاف في أنّ رواية الكافر لا تقبل لأنّه متّهم في الدّين”( المستصفى ج 1 ص 157 ط 1 المطبعة الأميريّة ببولاق مصر 1324 هـ) و إن كان قد أقرّ ضمنا رأي أبي حنيفة بجواز قبول شهادة من أسماهم بالكافرين بعض على بعض وعدم المخالفة في ردّ روايتهم.
ولعلّ السّؤال الذي يطرح أن ّ الشّرط الأساسي للأهليّة هو العدالة التي “يرجع حاصلها إلى هيأة راسخة في النّفس تحمل على ملازمة التّقوى والمروءة جميعا حتّى تحصل ثقة في النّفوس بصدقه فلا ثقة بقبول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازعا عن الكذب” (ن م س ص 157) كما أنّ الرّواية لا يشترط فيها حسب الغزالي إلاّ الحفظ ومجالسة العلماء وسماع الأحاديث فهل تسلب صفة الصّدق بشكل آلي مطلق عن المخالف الدّيني الذي عدّ كافرا بالإسلام وإن كان مصدّقا بدينه و”عدلا في دين نفسه” على حدّ تعبير الغزالي ؟
لقد لاحظنا تناقض الغزالي و حرجه في تمثّل هذا الوضع، فقد فضّل الكافر المترهّب على الفاسق لأنّ “الفاسق متّهم لجرأته على المعصية والكافر المترهّب قد لا يتّهم» [1] بل إنّ النّصراني متورّع عن الكذب ممّا يمكن أن يؤهّله لقبول روايته وشهادته وأخذ تأويله بعين الاعتبار والنّظر.
غير أنّ الغزالي يعتمد في ردّ روايته «على الإجماع المنعقد على سلبه أهليّة هذا المنصب في الدّين وإن كان عدلا في دين نفسه”[2]، ويرجع الغزالي هذا الإجماع إلى أسباب لا علاقة لها بالأهليّة والعدالة ومقتضيات عمليّة التّشريع فـ”الكافر المترهّب قد لا يتّهم ولكنّ التّعويل على الإجماع في سلب الكافر هذا المنصب … هذا يتّجه في اليهود و النّصارى ومن لا يؤمن بديننا إذ لا يليق في السّياسة تحكيمه في دين لا يعتقد تعظيمه”[3]، وهو تعليل ينسبه الغزالي إلى قول القائل دون أن يبدي فيه رأيه. فالقضيّة إذن سياسيّة بالأساس وتتعلّق بضرب من الإحساس بالسّيادة والخوف من الاختراق خاصّة وقد عدّت الأهليّة للرّواية منصبا في الدّين في سياق ثقافي تلبّس فيه الدّيني بالسّياسي و مثّل فيه أهل الحديث ــ أصحاب الأهليّة للرّواية بامتياز ــ قوّة دينيّة سياسيّة ضاغطة و”هذا المنصب لا يستفاد إلاّ بالإسلام وعرف ذلك بالإجماع لا بالقياس”[4]، رغم إمكان عدم تورّع المخالف الدّيني عن الكذب.
{{الاختلاف المذهبي وعوارض الأهليّة}}
* الفاسق: إذا كان الفسق عند غالب الأصوليين وأهل الحديث سببا لردّ الشّهادة لأنّه نقصان منصب يسلب الأهليّة فإنّ الغزالي في معرض تحديده لشروط الرّاوي لم ينف عن الفاسق العدالة بشكل مطلق فـ”إنّه يخاف الله تعالى وله وازع من دينه وعقله”[5]، كما فنّد القياس الذي يفيد أنّ الفاسق “إذا لم يقبل قوله في ما يحكيه عن نفسه فبأن لا يقبل في ما يرويه عن غيره أولى”[6] غير أنّ حاصل الأمر عنده أنّ الفاسق متّهم لجرأته على المعصية، ومع الإقرار بعدم اشتراط عصمة الرّاوي يترك الغزالي في ذمّة الإجماع واجتهاد الحاكم في ما زاد على الإجماع مع اعتبار اختلاف المجتهدين وعادات البلاد واختلاف أحوال النّاس في استعظام بعض الصّغائر دون بعض “وربّ شخص يعتاد الغيبة ويعلم الحاكم أنّ ذلك طبع له لا يصبر عنه ولو حمل على شهادة الزّور لم يشهد أصلا فقبولُه شهادَتَه بحكم اجتهاده جائز في حقّه”[7] كما رأى أنّ قبول خبر الفاسق مع ظهور فسقه رخصة لكثرة الفسّاق مع مسيّس حاجة النّاس إلى مرشد في الكثير من المعاملات مثل الإرشاد إلى القبلة والإخبار عن طهارة الماء أو نجاسته لذلك أجاز الغزالي الاقتداء بالبرّ والفاجر لكنّه اشترط «سكون النّفس إلى قول فاسق جرّب باجتناب الكذب”[8] وفضّل ذلك على قول المجهول.
* المبتدع: إذا كان الفاسق هو مرتكب المعصية فإنّ المبتدع فاسق لارتكابه المعصية لكنّه يصدر في ذلك عن تأويل لنصوص التّشريع، لذلك عدّ العديد من العلماء فسقهم مضاعفا فهو فاسق بفعله وبجهله تحريم فعله. و قد اعتبر الغزالي أنّ المبتدع متورّع عن الكذب فلا يتّهم. و يستشهد على صحّة قبول رواية الفاسق المبتدع الذي لا يَعْلَم فسقه بقبول الصّحابة قول الخوارج في الأخبار والشّهادة وقد كانوا فسقة متأوّلين لأنّهم متورّعون عن الكذب جاهلون بالفسق كما أنّ الأئمّة قبلوا قول قتلة عثمان[9]. وقد استنتج من قبول الصّحابة لروايتهم “أنّهم اعتقدوا ردّ خبر الفاسق للتّهمة ولم يتّهموا المتأوّل”[10] ولكنّه لم يقطع بذلك لأنّ الإجماع لم ينعقد عليه فلعلّ في الصّحابة من أضمر إنكار هذا القول. وفي محصّل القول صادق الغزالي على قول من اعتبروا أنّ ما جرى بين الصّحابة ابتنى على الاجتهاد وكلّ مجتهد مصيب أو المصيب واحد والمخطئ معذور لا تُرَدّ شهادته واعتبر أنّ “الفاسق المتأوّل لا تُرَدّ روايته وهذا أقرب من المصير إلى تعديل القرآن مطلقا”[11]
{{المختلف في أهل الإجماع}}
انطلق الغزالي من حصر الإجماع في أمّة محمّد “وظاهر هذا يتناول كلّ مسلم لكن لكلّ ظاهر طرفان واضحان في النّفي والإثبات وأوساط متشابهة أمّا الواضح في الإثبات فهو كلّ مجتهد مقبول الفتوى فهو أهل الحلّ والعقد قطعا… أمّا الواضح في النّفي فالأطفال والمجانين والأجنّة… و بين الدّرجتين العوام المكَلّفون والفقيه الذي ليس بأصولي والأصولي الذي ليس بفقيه والمجتهد الفاسق والمبتدع…”[12]
فأقصى بذلك المختلف الدّيني “أهل الكتاب” من دائرة الإجماع لما سبق ذكره من دواعي سياسيّة تمنع من ذلك رغم إقراره بعدالة فئات من هذا المكوّن الاجتماعي.
أمّا المبتدع فهو عند الغزالي “ثقة يقبل قوله فإنّه ليس يدري أنّه فاسق”[13] واعتبر مخالفته ناقضا للإجماع: “المبتدع إذا خالف لم ينعقد الإجماع دونه إذا لم يكفر بل هو كمجتهد فاسق وخلاف المجتهد الفاسق معتبر”[14]… وبذلك اشترط على المبتدع ــ ليكون من أهل الإجماع الذين لا ينعقد الإجماع دونهم ــ أن لا تكون بدعته ممّا يُكَفَّر به “فعند ذلك لا يعتبر خلافه وإن كان يصلّي إلى القبلة ويعتقد نفسه مسلما لأنّ الأمّة ليست عبارة عن المصلّين إلى القبلة بل عن المؤمنين وهو كافر وإن كان لا يدري أنّه كافر”[15]
غير أنّ البدع الموجبة للتّكفير قد تكون مسألة خلافيّة بين المذاهب ولا يمكن أن تكون محلّ إجماع طالما أن ّ القائلين بها متخلّفون عن الإجماع بكونها ممّا يكفَّر به، فـ”لو قال بالتّجسيم وكفّرناه على بطلان مذهبه فلا يُسْتَدَلّ على بطلان مذهبه بإجماع مخالفيه على بطلان التّجسيم إلى أنّهم كلّ الأمّة دونه، لأنّ كونهم كلّ الأمّة موقوف على إخراج هذه من الأمّة. والإخراج من الأمّة موقوف على دليل التّكفير، فلا يجوز أن يكون دليل تكفيره ما هو موقوف على تكفيره فيؤدّي إلى إثبات الشّيء بنفسه”[16]. ولتجنّب هذا المسلك الاستدلالي الفاسد منطقيّا والمسمّى بالدّور يدعو الغزالي إلى تكفيره بدليل عقلي ويشترط أن يكون الدّليل قطعيّا. ويحيل على الأدلّة التي سبق أن أوردها في كتابه «فيصل التّفرقة بين الإسلام والزّندقة” ويرجعها إلى ثلاثة أقسام :
* الأوّل: ما يكون نفس اعتقاده كفرا كإنكار الصّانع وصفاته وجحد النبوّة.
* الثّاني: ما يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصّانع وصفاته وتصديق رسله.
* الثّالث: ما ورد التّوقيف بأنّه لا يصدر إلاّ من كافر كعبادة النّيران والسّجود للصّنم وجحد سورة من القرآن وتكذيب بعض الرّسل واستحلال الزّنا والخمر وترك الصّلاة وبالجملة إنكار ما عرف بالتّواتر والضّرورة من الشّريعة.
{{المختلف مجتهدا}}
قسّم الغزالي النظريات إلى قسمين : قطعية وظنية وقسّم القطعيّة إلى ثلاثة أقسام: كلامية وأصولية وفقهية.
أما الكلامية: فتعني عنده العقليات المحضة، والحق فيها واحد، ومن أخطأ الحق فيها فهو آثم، ويدخل فيها حدوث العالم وإثبات المحدث وصفاته الواجبة، والجائزة والمستحيلة وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات وجواز الرؤية وخلق الأعمال وإرادة الكائنات واعتبر أنّ حدّ المسائل الكلامية المحضة ما يصح للناظر درك حقيقته بنظر العقل قبل ورود الشّرع، “فهذه المسائل الحق فيها واحد، ومن أخطأه فهو آثم، فإن أخطأ فيما يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فهو كافر، وإن أخطأ فيما لا يمنعه من معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله كما في مسألة الرؤية وخلق الأعمال وإرادة الكائنات وأمثالها فهو آثم من حيث عدل عن الحق وضلّ، ومخطىء من حيث أخطأ الحق المتيقن، ومبتدع من حيث قال قولاً مخالفاً للمشهورين السلف ولا يلزم الكفر”[17].
وأما الأصولية: فيقصد بها ما استقرّ من معارف وقواعد خاصّة بأصول الفقه من قبيل حجيّة الإجماع والقياس حجة وخبر الواحد، ومن المسائل الخلافيّة المترتّبة عن ذلك مشروعيّة تجويز خلاف الإجماع المنبرم قبل انقضاء العصر وخلاف الإجماع الحاصل عن اجتهاد ومنع المصير إلى أحد قولي الصحابة والتابعين عند اتفاق الأمة بعدهم على القول الآخر، وهذه المسائل أدلتها قطعية عنده والمخالف فيها آثم مخطئ.
وأما الفقهية: فالقطعية منها وجوب الصلوات الخمس، والزكاة، والحج، والصوم، وتحريم الزنا، والقتل، والسرقة، والشرب، وكل ما علم قطعاً فالحق فيها واحد وهو المعلوم والمخالف فيها آثم، ثم ينظر، فإن أنكر ما علم ضرورة من مقصود الشارع: كإنكار تحريم الخمر والسرقة ووجوب الصلاة والصوم، فهو كافر، لأن هذا الإنكار لا يصدر إلاّ عن مكذب بالشّرع، وإن علم قطعاً بطريق النظر لا بالضرورة ككون الإجماع حجة وكون القياس، وخبر الواحد حجة، وكذلك الفقهيات المعلومة بالإجماع، فهي قطعية فمنكرها ليس بكافر لكنه آثم مخطئ أما ما عدا ذلك من الفقهيات الظنية التي ليس عليها دليل قاطع فهي عنده في محل الاجتهاد، وليس فيها حق معين، ولا إثم على المجتهد إذا تمم اجتهاده وكان من أهله.
واعتبر أنّ المخطئ في القطعيات آثم على خلاف الظنّيات التي لا يعدّ المخطئ فيها آثما باتّفاق بين من قال المصيب فيها واحد ومن قال كلّ مجتهد مصيب. ويناقش الغزالي مقالة من أرادوا إلحاق الأصول بالفروع لنفي الإثم عن المجتهد المخطئ في القطعيّات.
وقد رأى الجاحظ أنّ الحق في القطعيّات واحد متعين، لكن المخطئ فيها معذور غير آثم كما في الفروع ممّا يدعو إلى التماس الأعذار للمجتهدين المخالفين في العقيدة. و ينقل الغزالي ما ذهب إليه الجاحظ من أنّ “مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية إن كان معانداً على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضاً معذور، وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلاّ وسعها وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق ولزموا عقائدهم خوفاً من الله تعالى إذ استدّ عليهم طريق المعرفة”[18]. وفي ردّه على ذلك اعتبر الغزالي أنّ ما “ذكره ليس بمحال عقلاً لو ورد الشّرع به، وهو جائز ولو ورد التعبد كذلك لوقع، ولكن الواقع خلاف هذا فهو باطل بأدلة سمعية ضرورية”[19]. ويعدّد أدلّته التي تتمحور حول أمر النبي اليهود والنّصارى بالإيمان به واتّباعه، وذمهم على إصرارهم على عقائدهم ومقاتلتهم وقلّة عدد المعاند العارف مقارنة بالأكثريّة من “المقلدة الذين اعتقدوا دين آبائهم تقليداً ولم يعرفوا معجزة الرّسول عليه السلام وصدقه … وعلى الجملة ذم الله تعالى والرسول عليه السلام المكذبين من الكفار مما لا ينحصر في الكتاب والسنة”[20]. واعتبر أنّ الإسلام يدخل في باب تكليف ما يطاق وأنّ الله “أقدرهم عليه بما رزقهم من العقل، ونصب من الأدلة وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات الذين نبّهوا العقول وحرّكوا دواعي النّظر حتّى لم يبق على الله لأحد حجّة بعد الرّسل”[21].
{{تقويم واستنتاج}}
لقد تبيّن لنا بعد هذا العرض أنّ مسألة التّكفير التي تفضي إلى تصنيف اجتماعي ووضع قانوني تتعلّق بمفهوم تاريخي متلبّس بحاجات المجموعات التي تعبّر عنه ومصالحها السّياسيّة والأفق المعرفي السّائد داخلها. ويتنازع مفهوم الكفر معياران أساسيّان الأوّل بيانيّ ويتعلّق بتأويل النّصوص ويرتهن إلى ما يفترض أنّ الأمّة قد أجمعت عليه والثّاني سياسي ويتعلّق بضرب من السّيادة ويرتهن بدوره إلي سلطة الإجماع. وقد لاحظنا أنّ هذه المعطيات كانت ضاغطة على محاولة الغزالي تضييق مداخل التّكفير وإقصاء المخالف وتوسيع دائرة الإيمان والتّسامح مع المخالف.
ولا يعود ذلك حسب تقديرنا إلى خاصيّة متأصّلة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة ابتداءً تقوم على نزعة إقصائيّة للمخالف، بل على معطيات تاريخيّة كرّست وضعا اجتماعيا وسياسيا خاصّا. وتتمثّل في قيام الاجتماع العربي الإسلامي في الفترة التّأسيسيّة على مركزيّة العامل الدّيني العقائدي الذي بقي عنوانا للسّلوك الاجتماعي والسّياسي حتّى وإن كانت جذوره العميقة ذات أبعاد قبليّة أو إيديولوجيّة أو اقتصاديّة، وبقي للغازين والفاتحين الأوائل – الذين وسموا بالسّلف الصّالح – سلطة رمزيّة وفعليّة، فعليهم قامت التّجربة الأولى وهم ورثتها وحماتها وأصحاب القول الفصل فيها وفق نظام تراتبي قائم على فضل السّبق وخيريّة القرن الأوّل. ولا بدّ في هذا السّياق من التّأكيد على أنّ كثافة الحضور الدّيني في صراع المسلمين المؤسّسين مع خصومهم يوهم أنّ الاجتماع البشري في تلكم التّجربة قائم على الصّراع الدّيني حصرا وقصرا بينما يبدو لنا أنّ المسألة لا تعدو أن تكون عمليّة إعلاء للعامل الدّيني على حساب عوامل أخرى.
إنّ كلّ هذه المعطيات الحافّة بنشأة الإسلام الأوّل هي التي طبعت التّاريخ الإسلامي بطابع التّفاضل على أساس ديني عقائدي يحتلّ فيه الأقصى اختلافا أدنى درجات السلّم الاجتماعي على اعتبار أنّه لم يشارك في تأسيس التّجربة بل ربّما كان في المعسكر المعادي، وكما هو معروف من كلّ مراحل التّاريخ فالغالبون هم الذين يصنعون القانون ويكيّفونه وفق مصالحهم ويحدّدون السّمات العامّة للمجتمع، وإذا كانت وثيقة الصّحيفة بمثابة عقد مدني يجمع بين المسلمين وغيرهم تحت ظلّ أمّة واحدة على قاعدة «لهم ما لنا وعليهم ما علينا”[22]، فإنّ مسار التّجربة الإسلاميّة ظلّ يكرّس المركزيّة الدّينيّة ويقصي المختلف إلى أدنى درجات سلّم الانتظام الاجتماعي حتّى عُدّ حالة استثنائيّة في المجتمع دون إنكار التفاوت بين فترات التّاريخ الإسلامي الذي عرفت بعض مراحله تسامحا واندماجا ملحوظا سواء بين المختلفين من داخل الملّة الإسلاميّة أو من خارجها وإن لم ينعكس ذلك على مستوى التّنظير. ولكن عوض أن تسير التّجربة الإسلاميّة نحو تحسّس إرهاصات مفهوم المواطنة – بما يعنيه من تمايز النّاس باعتبار ولائهم للمصلحة العامّة والقوانين المتّفق عليها دون اعتبار الانتماء الدّيني أو العرقي أو الثّقافي- فإنّها انخرطت في تكريس ضرب من الهويّة الدّينيّة التي تضيق أو تنفتح باعتبار ضيق أو انفتاح أفق المذهب الكلامي أو الفقهي الذي تصدر عنه. لذلك توارث المسلمون تصوّرا مفاده أنّ ساحات التّاريخ مسرح لصّراع أبديّ بين الكفر والإيمان وأنّ العالم مقسّم بين دار للكفر ودار للإسلام في ظلّ منظومة قيميّة وتشريعيّة ذات أفق ملّي يكرّس ثقافة الملّة وأمّة الملّة و دولة الملّة – وليست الملّة في واقع الأمر إلاّ جهازا اخترعه الفقهاء لترتيب شؤون الحياة وفق اعتبارات خاصّة – ثمّ تضيق الملّة لتتحوّل إلى الفرقة النّاجية والطّائفة المنصورة.
في ظلّ هذه الأوضاع يصعب على المفكّر أن ينفلت من عقال الإيديولوجيا المؤسّسة للدّولة والمجتمع، ومع ذلك فقد كان الغزالي على درجة ملحوظة من الحيويّة في تمثّله لمقالة الكفر وضبطه لمعايير التّكفير مستفيدا في ذلك من ثقافته البيانيّة والعرفانيّة على حدّ سواء. فضيّق من مداخل التّكفير إلى حدّ منعه على العامّة ومن ليسوا من أهل العلوم الدّقيقة ومنع من تكفير أهل القبلة ووضع قانونا وسّع فيه من دائرة التّأويل وإمكانات النّظر ولكنّه بقي مرتهنا إلى سلطة ما يفترض أنّه إجماع واعتبارات السّياسة وبقي ابن عصره وثقافته التي تأسّس فيها الاجتماع البشري على التّداخل بين المدني والدّيني إلى حدّ كان يصعب معه الفصل بين الإيمان الدّيني للفرد ووضعه في هيأة الانتظام الاجتماعي.
ولعلّ من أهمّ معضلات النّزوع إلى التّكفير احتكامه إلى الألفاظ المعبّرة عمّا يُفترض أنّه تكفير دون اعتبار نيّة المعني بالتّكفير وقصده فـ”يغيب الإنسان والقرائن الشّخصيّة التي تحدّد مدى تعبير تلك الألفاظ عن القصد للكفر من عدمه والغريب أنّ هذه القرائن قد اعتبرها الفقهاء في المعاملات والعقود المدنيّة وأهملوها في العقد الأهمّ و هو عقد الإيمان”[23]. وهذا ما حاول الغزالي أن يعالجه بكلّ المسوّغات التي تضيّق مسالك التّكفير حتّى تكاد تقطع سبله لولا حاجة المجموعات الإثنيّة إلى التّمايز لحفظ هويّة قائمة على مقتضيات الانتماء للمعتقد الدّينيّ والمذهبي.
إنّ مبحثا يستنطق آي القرآن والأثر النبويّ ويستكشف الحركة الدّاخليّة للنّفس وهي تراوح بين الإيمان والكفر يتبيّن له تهافت التصوّر الحدّي بين الكفر والإيمان الذي كرّسته الثّقافة الدّينيّة السّائدة في كلّ الأديان، فليس المؤمن – الذي قد يمسي مؤمنا ويصبح كافرا أو يصبح مؤمنا ويمسي كافرا – إلاّ ذلك الكافر في حالة صفائه الرّوحي والذّهني وإحساسه بيقينيّة الحقيقة الدّينيّة، بينما الكافر – الذي أشهده ربّه على نفسه يوم القيامة [24] – هوّ ذلك المؤمن ابتداءً وهو في حالة شكّ وبحث عن مسالك أخرى للحقيقة، فلا المؤمن يستقرّ على إيمانه طالما أنّ إيمانه يزيد وينقص ويبلى ويتجدّد وقلبه يتقلّب، ولا الكافر يستقرّ على كفره [25] طالما أنّه مهيّأ بالفطرة للإيمان وبسعيه الدّائب لاستكناه معاني الوجود ممّا يعني أنّ نفحات الإيمان قد تعتريه وقد تستقرّ في قلبه مثقال ذرّة الإيمان التي تؤهّله للنّجاة مصداقا لما ورد في الأثر من أنّ الله يُخرج من النّار من كان في قلبه مثقال مثقال ذرّة من إيمان.
غير أنّ رهانات الحاضر تقتضي حسب تقديرنا تأسيس علم كلام جديد يعبّر عن روحانيّة جديدة تستجيب لحاجات أخلاقيّة وقيميّة ومعرفيّة معاصرة تكرّم الإنسان لذاته لأنّ “لله نفخ فيه من روحه” وأسجد له الملائكة وهو يعلم ما سيكون منه، وأقدره على الطّاعة والمعصية وعلى الإيمان والكفر واستأثر بأمر الثّواب والعقاب والاطّلاع على ما في قلوب خلقه، ممّا يعني أنّ منزلة الإنسان في الوجود هي الحريّة بما تعنيه من حقّ اختيار ما في الضّمير وحريّة المعتقد والحقّ في الإيمان أو الكفر باعتبار ذلك مشيئة إلهية وسنّة خلقيّة مخالفة للسنّة التي على أساسها خلق الملائكة الذين جبلوا على الطّاعة، فضلا عن أنّ محدّدات الانتماء للمعتقد الدّيني مسألة تأويليّة عرفت جدلا واسعا لدى القدامى يعكس أفقهم المعرفي وحاجاتهم الاجتماعيّـة، أفلا يمكن أن يعرف جدلا معاصرا يعكس أفقا معرفيّا جديدا وانتظارات راهنة ؟ أليست قيم العدل والإحسان والرّحمة والتّراحم والمحبّة والأخوّة البشريّة والتّعاون على الخير واحترام الكرامة الآدميّة والحرمة الجسديّة والمحافظة على سلامة البيئة وجمال الكون الذي نقيم فيه … أليست هذه القيم أصدق تعبيرا عن الإنتماء الدّيني من الطّقوس وأشكال العبادات؟
لا يعني هذا الاستخفاف بالأشكال التعبّديّة التي اختارتها كلّ ديانة للتّعبير عن امتثالها للخالق ومحبّتها له ولكنّها دعوة لعدم مصادرة حقّ الآخرين في اختيار الأشكال والقيم التي بها يعبّرون طالما أنّ علاقة كلّ إنسان بخالقة علاقة حرّة دون وسائط، وليس في ذلك دعوة لهدم ما تعدّه كلّ ديانة معلوما من الدّين بالضّرورة ثبت بما يفترض أنّه أدلّة قطعيّة ولكنّها دعوة لعدم المصادرة على المشيئة الإلهية والنّطق باسمها في تقرير من يقبل منه إيمانه ومن يُرَدّ عليه أو يختم على قلبه خاصّة وأنّ صاحب تلك المشيئة اقتضت حكمته أن يخصّ ذاته بمعرفة حقيقة ما في النّفوس على وجه لا يلتبس فيه عليه الأمر كما انفرد بتحديد أمر الثّواب والعقاب والتّوبة والمغفرة والنّجاة وأجّل الحسم في ذلك إلى اليوم الآخر ولم يُطلع أحدا من خلقه على ذلك وإن كان سابقا في علمه، وإن كانت النّصوص الدّينيّة تتضمّن بأسلوب بياني تصوّرات وتحديدات عامّة عمّا يكون به المؤمن مؤمنا والكافر كافرا فإنّها أبقت باب الإيمان واسعا لكلّ فاعل خير يرجو به مصلحة يكون بها النّاس أقرب إلى الصّلاح وأبعد عن الفساد باتّفاق صريح المعقول وصحيح المنقول أو لم ينزل بها وحي أو تنصّ عليها سنّة النبيّ [26].
إنّ روحانيّة معاصرة تعيد تحديد العلاقة بين الإنسان وخالقه وتحلّ الإنسان منزلته اللائقة به في الوجود وتعلي من كرامته وإنسانيّته ورابطة الأخوّة الآدميّة التي تجمعه بالبشريّة جمعاء كفيلة بفضّ إشكاليّات التّمايز على أساس الهويّات الدّينيّة والإثنيّة وترسيخ قيمة الحريّة لا باعتبارها حقّا من حقوق الإنسان فحسب بل باعتبارها شرطا تتوقّف عليه إنسانيّة الإنسان من حيث هو إنسان أي باعتبار انتمائه إلى الآدميّة التي يشترك فيها جميع البشر ممّا يعني أنّ التّكريم متأصّل فيه ابتداءً قبل أيّ اعتبار آخر ديني أو ثقافي أو عرقي أو جنسي ويبقى التّفاضل بين المقيمين في هذا العالم لا على أساس صحّة المعتقد بل على أساس حسن المعاملة في ما بينهم و قد وردت تلك المعاني صريحة في الآية “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ”[27]. و قد رأى الرّازي في تفسيره لهذه الآية أنّ الله “لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أنّ عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر، بل إنّما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم . ولهذا قال الفقهاء إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة. وحقوق العباد مبناها على الضيق والشحّ. ويُقال في الأثر الملكُ يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم «[28]
ويبقى ترسيخ قيم المواطنة وحريّة المعتقد وحقّ الاختلاف والغيريّة والتّربية على حقوق الإنسان والحوار بين المذاهب والثّقافات والأديان ضمانا لتنمية ثقافة العيش سويّا بما تعنيه من إمكان دخول المتباينين في عقد ولاء اجتماعي سياسي لا يمنح فيه الانتماء الدّيني أو المذهبي أو الثّقافي أو الجهوي أو العرقي… أيّ شكل من أشكال الامتياز في عقد المواطنة بما تعنيه من عدم تفاضل النّاس في هيأة الانتظام الاجتماعي القوانين المنظّمة له والوظائف الاجتماعيّة والسّياسيّة بمقتضى ما يختارون من عقائد و أفكار إذ الكلّ متساوون بحسب امتثالهم لما اتّفقت المجموعة أنّه مصلحة عامّة.
—————————————
[1] ن م س ص 157
[2] ن م س ص 157
[3] ن م س ص 157
[4] ن م س ص 157
[5] ن م س ص 156
[6] ن م س ص 156
[7] ن م س ص 160
[8] ن م س ص 160
[9] أورد ابن تيميّة في مجموع فتاواه ط السّعوديّة 1398 هـ ج 3 ص 282 عن الخوارج “إذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنصّ والإجماع لم يُكَفّروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم فكيف بقتال الطّوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحقّ في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم فلا يحلّ لأحد من هذه الطّوائف أن تكفّر الأخرى ولا تستحلّ دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة مُحَقّقة، فكيف إذا كانت المُكَفّرة لها مبتدعة أصلا وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ والغالب أنّهم جميعا جهّال في حقائق ما يختلفون”
[10] المستصفى م س ص 161
[11] ن م س ص 163
[12] ن م س ص 181
[13] ن م س ص 183
[14] ن م س ص 183
[15] ن م س ص 183/184
[16] ن م س ص 184
[17] ن م س ج 2 ص 358
[18] ن م س ج 2 ص 359
[19] ن م س
[20] ن م س
[21] ن م س
[22] راجع الوثيقة و التّعليق عليها في كتاب الحقّ القديم وثائق حقوق الإنسان في الثّقافة العربيّة غانم جواد نشر مركز
القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ط 2000 صص 23/26 101/104 و قد وردت هذه الوثيقة محقّقة في «مجموعة الوثائق السّياسيّة للعهد النّبوي و الخلافة الرّاشدة «صص 15/21 جمع و تحقيق محمّد حميد الله الحيدر أبادي ط القاهرة 1956 م
[23] أنظر مقال «ظاهرة التّكفير في الأدبيّات الفقهيّة «لعبد الرّحمان حللّي مجلّة الحياة الثّقافيّة السّنة 27 العدد 137 سبتمبر 2002 ص 33
[24] ورد المعني في الآية 172 من سورة الأعراف 7 [*«وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ “*]
[25] خاصّة و أنّ معنى الكفر في اللغة هو التّغطية و الحجب الذين عبّرت عنهما الآية 20 من سورة الحديد 75 «[*كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ*] «أو الآية 29 من سورة الفتح 48 «[*يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ*] «و هم الذين يخفون البذرة في التّراب ومنه كذلك الكفران و هو «ستر نعمة المنعم بالجحود أو بعمل هو كالجحود في مخالفة المنعم «عن التّعريفات للجرجالني ت 816 هـ ص 185 دار الكتب العلميّة بيروت ط 1 / 2000 م و قد ورد في : الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج 1 ص112»الكفرَ فـي اللغةِ مأخوذٌ من السترِ والتغطيةِ، ومنهُ يقال: للـيـل كافر، لأنَّهُ ساترٌ للـحوادث، وللـحارث كافر؛ لسترةِ الـحَبّ، وذلك غيرُ متصوَّر إِلاَّ فـي حقّ الـمعاند العارفِ بـالدلـيـلِ، مع إِنكارِهِ لـمقتضاهُ «ط دار الفكر 1996
[26] : أورد ابن القيّم ت 751 هـ ردّ أبي الوفاء ابن عقيل على أحد الفقهاء في تعريف السّياسة الشّرعيّة «السّياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون النّاس أقربَ معه إلى الصّلاح وأبعدَ عن الفساد و إن لم يشرّعه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم و لا نزل به وحي فإن أردت بقولك – لا سياسة إلاّ ما وافق الشّرع – أي لم يخالف ما نطق به الشّرع فصحيح وإن أردت ما نطق به الشّرع فغلط و تغليط للصّحابة « أعلام الموقّعين عن ربّ العالمين م 4 ص 283 دار الكتب العلميّة بيروت ط 1996 م
[27] هود 11/117
[28] عن مفاتيح الغيب لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي موقع التفاسير http://www.altafsir.com [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
