فرقة الحكواتي الفلسطينية في “ذاكرة للنسيان” بمسرح “التياترو” التونسي

فضاء التياترو بفندق “المشتل”… ليس فندقا ولا نزلا، إنما المشتل هو أوتيل بخمسة نجوم، أوتيل تملكه المجموعة الكويتية التونسية للتنمية في جمهورية تونس، لا يفندق فيه التوانسة ولا ينزلون، سوى في حالات شاذة. أوتيل النجوم استحوذت الثقافة التونسية في أجلى تعابيرها الراقية على موقع صغير منه، سمّته فضاء التياترو، توفيق الجبالي هو المستحوذ، لا فقط على الفضاء، بل على التعبير المسرحي، على بعض اندفاعاته الجامحة، حين يكون التعبير المسرحي ليس فقط تونسيا بل مسرحيا، كما ينبغي أن يكون المسرح، مُقترَحا للمدينة، حين ترغب المدينة أن تكون مسرحا لذاتها، ويلتقي أهلها على ركحها. وكم هو ذلك عزيز في تونس وفي غير تونس، ولكن توفيق الجبالي لا عزيز يعجزه ولا مستحيل.

فضاء صغير من أوتيل كبير. فضاء أنيق ونخبوي، ينشد كل النخبة ومشاريع النخبة وكل اللياقة والأناقة. لا تتجاوز كراسيه، الفضاء، في أحسن الحسابات والتوقعات، ميئتي كرسي، أو يزيد قليلا،مائتي زائر، أو متفرج. وغالبا كان الامتلاء من نصيبه، في تجريبه وفي تنخيبه وفي تخريبه.

لنقل فضاء التياترو. لنقل فضاء توفيق الجبالي. وأفضّل أن أقول زينب فرحات، التي هي دينامو الفضاء ودينامو الجبالي بما أنها زوجته، وسنامه الأعلى. تلك السيدة الغالية هي التي تدعوني دائما، وتدعو الجميع، وهي التي دعتني هذه المرة، بطريقتها الحميمة، المتحدية، المستفزة، إلى مشاهدة مسرحية “ذاكرة للنسيان”، بما أني في هذه المرة متخلف أدبي، حسب طريقة تعبيرها الجذابة المفخخة في العلاقات العامة، وكانت تتحداني بأن المسرحية عن نص يحمل الاسم ذاته من كتابة الشاعر، شاعري الشخصي، فضلا عن أنه شاعر الوقت بلا منازع، محمود درويش، ومن تمثيل فرنسوا أبي سلمى، ومن إنتاج فرقة الحكواتي والمركز الثقافي الفرنسي في القدس.

يا مرحبا. لم لا؟ مهما كانت الخطوات ثقيلة، والذهن عليلا أو غير عليل.

أعرف كما ينبغي أن يُعرف أن مواعيد التياترو مقدسة. وفي كل مرة زرت هذا الفضاء كنت أزداد يقينا بأن الوقت هو التوقيت. هو عملتنا التي لها رصيد لا يمكن التلاعب به ولا فيه. لذلك فأنا لا أبكّر ولا أتخلّف في التياترو. الأحرى لا بكرة ولا أصيلا. رهن التوقيت أكون أو لا أكون. مهما يكلفني التوقيت من تبكيت نفسي أو مالي. التياترو هو وقت، وليس فيه قبل ولا بعد، فيه الموعد الذي هو وعد ووعيد، فيما لو ضيّعنا الوعد أو الموعد.

مواصلات عامة، مواصلات خاصة. إنما الموعد عهد ووعد. الوقت هو التوقيت، هو بالضبط ما وُقّت لنا، ولا خيار.

أصل في الموعد، قبل الموعد بالقليل من الدقائق، بالقليل مما سمحت به المواصلات الخاصة والعامة. تحديدا، بما يسمح لي بتسوية أمر تذكرة دخولي المجانية، بما أني مدعوّ كصحفي، أو كصديق، لمشاهدة هذه المسرحية التي كنت أعد نفسي بالنوم خلال عرضها. إن العروض التي تظلم فيها القاعات من سينما ومسرح وموسيقى، خصوصا، هي دائما أفضل مكان للنوم لمن يداعب عينه الكرى ويلتفّ بجسمه التعب والشقاء.

لي متعتان لن أفرّط في إحداهما: الفرجة أو النوم.

للأسف، لا فرجة ولا نوم في هذه المسرحية.

ذاكرة للنسيان.

ذاكرة منذورة للنسيان.

ما يفسد الفرجة غياب المتفرجين. كان العرض الأول لمسرحية ذاكرة النسيان لفرقة الحكواتي الفلسطينية بدون متفرجين تقريبا. شخصيا أحصيت سبعة وعشرين متفرجا، فقط لا غير، من ضمنهم توفيق الجبالي صاحب الفضاء.

منذ أن سلّمت، حين وصولي، على زينب فرحات مديرة فضاء التياترو، شعرت أنها متوترة ومستاءة، وما لبثت أن عبّرت لي عن ضيقها بالعرب. تقصد كل العرب. التوانسة والفلسطينيين منهم خاصة، لا مواعيد لهم ولا وعد. قالت زينب أنها خصصت الكثير من التذاكر المجانية لطلبة معهد المسرح الذي يديره الأكاديمي محمد المديوني، والكثير من التذاكر للجهات الفلسطينية الرسمية من أجل توزيعها على الجالية الفلسطينية التونسية من الذين يهمهم الشأن الثقافي. لكن لا حياة لمن تنادي. وشدّدت أنها راعت حجم المسرح وعدد كراسيه. أضاف توفيق الجبالي، في نهاية العرض المسرحي، أنه عمل ما يلزم من دعاية صحفية وإعلامية مسموعة ومقروءة… ولكن في العماء لا نسأل عن المرئي؟

قبل العرض تقابلت مع باسل الترجمان الذي كنت تزاملت معه في جريدة “الصحافة” اليومية التونسية، في بداية التسعينات. صار باسل فخما وضخما ويلبس لباس الدبلوماسيين. أخبرني أنه يشتغل مستشارا في سفارة فلسطين بتونس وهو الفلسطيني. من حسن حظي كان معي الفلسطيني طلال حماد الذي اقتطع تذكرة دخوله من ماله الخاص، وأشهرها على الجميع، فانبرى توفيق الجبالي قائلا أنه أمدّ الجهات الرسمية الفلسطينية بحزمة من التذاكر التي هي بمثابة دعوات، وليس من المنطقي أن يقتطع شخص في مثل مقام طلال حماد تذكرته من ماله الخاص. وقيمة التذكرة المالية من شباك التياترو هي عشرة دنانير تونسية، بما يساوي ثمانية دولارات تقريبا، مع أسعار خاصة بالطلبة.

من المفارقات أن طلال حماد كان أحد اثنين أسسا فرقة الحكواتي المسرحية في القدس مع صديقه فرنسوا أبو سالم، خلال بداية السبعينات من القرن الماضي من الألفية المنقضية، وهو، طلال حماد، من أخبرني أن فرنسوا هو ابن الشاعر والمثقف البولوني الهنغاري رولان غسبار، الذي اشتغل في بداية حياته طبيبا في القدس، وكان متحالفا مع المقاومين ويعالجهم كلما تيسر له ذلك، إلى أن اكتشفت السلطات الإسرائيلية ذلك فرحلته، فاستقر بتونس العاصمة طبيبا وشاعرا ذائع الصيت في مدينة المرسى الساحلية. أنجب من زوجته الفرنسية ابنه فرنسوا، الذي حالما لم يبلغ الحلم في القدس، تبنته عائلة أبو سالم الفلسطينية ورعته وربته في ضواحي مدينة القدس الشرقية، فتبنى بدوره لقبها وصار ابنا لها وجودا ومهجة ورغبة كيان.

هذا هو فرنسوا أبو سلمى. فصيح كما لم أسمع لغة عربية شعرية فصيحة مثلما كان ينطق بها. فصاحة تترقرق من فمه ولا تشوبها عجمة ولا أية شائبة، وذلك برهانه الذي لا تخطئه العين على مدى تذوقه لهذه اللغة وافتتانه بها، حتى بادلته الحب وأسلست له نطقها ووهبته موسيقاها. عاد فرنسوا إلى المسرح عبر كتاب “ذاكرة للنسيان” الذي صدر خلال الثمانينات من القرن الماضي بعد هجران دام طيلة خمس عشرة عام.

كيف تكون ذاكرة؟ وكيف تكون للنسيان؟

هل الذاكرة تنسى ؟ هي إذن ليست ذاكرة…

هل النسيان يتذكّر، هو إذن ليس نسيانا…

تلك مفارقات الشعر، بل تلك مفارقات النثر حين يلتبس بالشعر. والمسألة تغدو مذهلة وشديدة الالتباس حين يقترن النثر بالشعر بالمسرح، أو بالأحرى حين تعود جميع عناصر التعبير إلى جذرها الأول: اللغة، بما هي رغبة للتعبير وطنها الجسد.
هنا، في الجسد، وبالجسد، ورغبة في الجسد، وتوثينا للجسد، وعبادة له، يصل فرنسوا أبو سلمى إلى ذرى اللغة ممتطيا جسده يركض به على الركح ويخوض معاركه بكل عزيمة وكفاءة الفرسان الكبار. لنتركه أبو لا أبي، إنه اسم لا يتزحزح. يا أبا أبو أبي سلمى، سلم وجودك أيها المبدع المسرحي.

أبدع فرنسوا لأنه لم يفعل شيئا. فقط سلّف جسده للنص، وهذا ليس بالقليل. صار هو النص. هو الذاكرة وهو النسيان. رغم خطورة نص محمود درويش وجوهريته. ذلك النص الذي غيّر محمود درويش نفسه. قبل كتاب ذاكرة للنسيان على إثر الاجتياح المرعب، شديد الرعب الإسرائيلي للبنان سنة 1982، صار محمود درويش شاعرا ملحميا، بعد أن كان شبه غنائي، شبه عاطفي، شبه رعوي، شبه كوني، صار بعد الاجتياح بلا شبيه، صار كونيا، صار كونا شعريا يقيم فيه النثر والمسرح والرؤى، كل الرؤى.

شكرا يا فرنسوا، درسك لا ينسى.

{{سينوغرافيا؟}}

هي ما يجعل الركح سرديا. لا تبذير، ولا مغالاة، ولا استعراض. ما ينبغي من الضوء. القليل من الضوء. الركح، كل الركح يختزله فرنسوا في ستارتين متقابلتين بما يشكل ممرّا ضيّقا، ومتسعا للمسرحي. وفرنسوا مسرحي حقيقي، يتخلله النص فيذوّب النص في منطوقه ومحروكه ومصموته، وتغمره الكتب فينتفض عليها ويتخذها مقعدا ويتخذها مقروءا ويتخذها مقفزا، حسب حالات وجعه وتولهه وقرفه. حسب النص الذي غدا نصّه.
{{
دراماتولجيا؟}}

هنا درس. ليس ما يسمى بالدراما وبتدريم الدراما، الدراماتورجيا البائسة… تلك أسماء سميتموها، هذا ما يقوله لي فرنسوا خفية في عرضه المسرحي. الدراما، أو المأساة حين ترغب أن تكون تشويق وجودنا هي خفاء وتجل، وهي زفرات وتكتمات وتنهدات وابتسامات وضحكات. وخاصة حركات، بلا مهادنات وبلا تزلفات. الدراما هي في طبيعة الشيء، في النص وفي الرؤية، ليست الدراما مبالغة في كل الأحوال، وإنما هي تحفظ وحياء وندرة، عليكم اللعنة، كما جرت العادة …الدراما، الدراماتولجيا، هي بعض ما ينطوي عليه وجود النص، أي نص، مهما كانت تفاهة النص وتهلهله، فما بالك إذا كان النص نصّا ينصّ على ما ينصّ.

فرنسوا أبو سالم كان في عرضه ” ذاكرة للنسيان” يشبه نفسه ولا يشبه محمود درويش، رغم حبّه وإخلاصه لكل لحظة من لحظات درويش، ولكن كانت النبرة نبرته، وكان المرتع مرتعه، والمسرح مسرحه، ورغم ذلك ترك لنا الفسحة الضيقة جدا لنتساءل: هل أن الشاعر هو الذاكرة والمسرحي هو النسيان؟ أو العكس؟ أو عكس ما يعكسنا تجاه الفن؟

يتحدث محمود درويش الذي اسمه الآن فرنسوا أبو سالم عن لحظات زمنية منسية ويمكن بالقليل من الرغبة تذكرها:
إنها مقتطفات من نص طويل يتداعى فيه الشاعر، ولم يستغرق من المسرحي سوى ساعة من الزمن المشهدي. هكذا يكون الشاعر، هكذا يكون المسرحي. لا أحد منهما يفرض على الآخر إيقاع فنه. ولكن هما في اللحظة المعتّمة أو المشرقة ذاتها. هكذا يكون تقاسم المعنى ومعايشته وتذوقه، ولكل نصيبه بلا تزاحم ولا غيرة ولا حسد، بل بحبّ وتقدير المبدع للمبدع الذي هو فيه والذي هو خارج عنه.

درويش وأبو سالم يذكراننا من أجل نسياننا في مسائل عديدة. منها حق العودة للفلسطينيين، وكان درويش أول من نظر في هذه المسألة بعمق واقترح لها مقترحات. عودوا إلى الشعراء هداكم الله أو أغواكم شيطان الشعر.

الماء، المليشيات، الحصار، القهوة، رائحة القهوة، السجن، الموت، السجائر، الأصدقاء، النعش حين يكون على الأكتاف، الحياة حين تكون بين من ينزع وبين من يلبس….

ذلك مسرح شعر المسرحية ونثرها.

بلا تلخيص للشعر وللنثر وللمسرح.

فخورون أن فرقة الحكواتي الفلسطينية بقيادة ذلك السيد فرنسوا أبو سالم، تعرض في فضاء التياترو بتونس مسرحية ذاكرة للنسيان لمحمود درويش الذي صار اسمه صنوا للشعر ودليلا عليه. في أيام 26 و27 و28 أبريل الجاري، الشهر الذي ليس بالطويل ولا بالقصير. فخورون لأسباب عديدة، منها أن لنا رغبة بلا حدود لكي يخرج مسرحنا التونسي الرائد عربيا، حسب ما يقال، من ضيق أفقه وخاصة ضيق ما يسميه مسرح الوان مان شو، أي مسرحية الممثل الواحد، أو الفرد، والتي هي أقرب إلى الرثاثة والبؤس مهما كان الإقبال الجماهيري عليها. وهنا، فإن مسرحية “ذاكرة للنسيان” تقدم لنا معادلا جوهريا للفرد حين لا يكون متفردا ومستبدا وغير مسرحي ولا إنساني. حين يكون الممثل الواحد ذاكرة ونسيان للذات وللذاكرة في آن معا.

لن ننسى حذق فرنسوا في توظيفه للخلفيات الصوتية الركحية، خصوصا منها الموسيقية، في مسرحيته “ذاكرة للنسيان”، والتي يبتدئها بأنغام قوية لفرقة بينك فلويد الأميركية، حين كانت أميركا في عنفوانها pink floyd وبها يختتم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This