كتاب أصوات الحرية: الكتاب الملتزمون في القرن التاسع عشر
وفي هذا الكتاب الضخم الذي بين أيدينا اليوم يتحدث المؤلف عن موقف كبار المثقفين الفرنسيين من الأحداث الجارية في عصرهم: أي في القرن التاسع عشر. وهو القرن الذي تلى اندلاع الثورة الفرنسية وشهد خضات ثورية عديدة وصراعات حامية بين شقي فرنسا الأساسيين: الملكي الكاثوليكي من جهة، والجمهوري العلماني من جهة أخرى، أو بين الجناح المحافظ، والجناح الليبرالي المتعلق بالليبرالية، أي بفلسفة الحرية في المجال الديني والسياسي والاقتصادي.
ويرى المؤلف أن فرنسا شهدت بين عامي 1815 تاريخ سقوط نابليون، و1885 تاريخ إعلان الجمهورية الثالثة، تتابع عدة أنظمة سياسية. فقد كانت فترة مضطربة جدا ومليئة بالأحداث لأن القديم لم يمت بعد والجديد لم يولد فعلا بعد. كانت فترة متأرجحة قبل أن ينتصر النظام الجمهوري نهائيا على النظام الملكي وتترسخ أقدام الجمهورية الخامسة التي أسسها الجنرال ديغول عام 1958 والتي لا يزال الفرنسيون يعيشون في ظلها حتى الآن، وإن كان بعضهم أصبح يدعو إلى تأسيس نظام جديد هو: الجمهورية السادسة، أي جمهورية ما بعد ديغول.
لكن لنتوقف عند القرن التاسع عشر الذي شكل فرنسا الحديثة. ففي ذلك العصر جرت المعارك الفكرية والسياسية الأكثر ضراوة حول مسائل أساسية: كعلاقة الدين بالدولة، وحرية الصحافة، والتعددية الحزبية والسياسية، وحق التصويت العام، وسوى ذلك. هذا دون أن ننسى كومونة باريس وبدايات الحركة الاشتراكية الفرنسية عام 1871، حيث اندلع صراع طويل وعنيف بين القوى العمالية والبروليتارية من جهة، والقوى البورجوازية والرأسمالية من جهة أخرى.
ويرى البروفيسور ميشيل وينوك أن الأدباء والمفكرين انخرطوا في كل هذه المعارك التي هزّت فرنسا على مدار القرن التاسع عشر ولم يعيشوا منعزلين في برجهم العاجي. فقد شاركوا في الاجتماعات السياسية إما في هذا التيار أو ذاك، وأسسوا الجرائد والمجلات للدفاع عن أفكارهم، وخاضوا المعارك الثقافية ضد بعضهم البعض عندما انقسموا إلى يمينيين ويساريين أو قبل ذلك إلى ملكيين وجمهوريين، أي كاثوليكيين وعلمانيين.
وكانوا ينخرطون سياسيا عن طريق مقالاتهم الحامية التي ينشرونها في الصحف. وكثيرا ما أدت مقالة واحدة إلى إيداع صاحبها في السجن، أو إجباره على المنفى ومغادرة البلاد. ففي ذلك الوقت لم تكن حرية الثقافة قد ترسخت بعد. ومن أشهر المنفيين فيكتور هوغو الذي غاب عن باريس مدة خمسة عشر عاما أو يزيد بسبب معارضته لحكم الإمبراطور نابليون الثالث. ومعلوم أنه هجاه بكتاب عنيف يدعى: نابليون الصغير! وذلك تمييزا له عن عمه نابليون الكبير، أي نابليون الحقيقي صاحب الأمجاد والمعارك الشهيرة.
وقد صودر الكتاب في بلجيكا حيث نشر وذلك بعد أن مارست الحكومة الفرنسية ضغوطها على بروكسل. ولم يتجرأ فيكتور هوغو على وضع قدمه في فرنسا إلا بعد سقوط نابليون الثالث. عندئذ عاد ظافرا مظفرا إلى باريس حيث احتفل به الفرنسيون بصفته رمزا على أمجادهم الأدبية والفكرية.
وأحيانا كان الأدباء ينخرطون في معترك السياسة فيصبحون نوابا أو وزراء كما حصل للشاعر الرومانطيقي الكبير لامارتين صديق فيكتور هوغو ومن أبناء جيله أو أكبر منه بقليل. بل وكما حصل لفيكتور هوغو نفسه.
ومن أشهر الكتاب الذين يتوقف عندهم المؤلف: ستندال الذي أصبح قنصلا لفرنسا في إيطاليا. وهو من أشهر الروائيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر. وتعتبر روايته “الأحمر والأسود” من روائع الأدب العالمي.
كما ويتوقف عند بلزاك عملاق الرواية الفرنسية والذي انخرط في الأحداث الجارية عن طريق تأسيسه “للمجلة الباريسية” التي لم تدم طويلا. كما ويتحدث عن الألمان الكبار الذين استقروا في باريس لفترة من الزمن من أمثا ل كارل ماركس، والشاعر الألماني الكبير هنريش هاينه، وكذلك يتحدث عن مواقف الحكومة الرجعية من ديوان بودلير “أزهار الشر” ورواية فلوبير “مدام بوفاري”.
ومعلوم أن كلا الكاتبين قُدما للمحاكمة في باريس بتهمة الخروج على الأخلاق الحميدة والإساءة إلى الدين في هذين الكتابين اللذين أصبحا فيما بعد مفخرة الآداب الفرنسية. وقد اضطر بودلير إلى دفع غرامة مالية وسحب بعض القصائد من ديوانه وبالأخص تلك التي يسخر فيها من القديس بطرس وبعض العقائد المسيحية الأكثر شعبية. وأما فلوبير فقد توسطت له “ماتيلد”، أخت الإمبراطور، فنجا بجلده من المعاقبة. وكان حظه أفضل من حظ بودلير. ولكنه اضطر إلى حذف بعض المقاطع من روايته أيضا، ثم أعيدت إليها لاحقا كما حصل لديوان بودلير.
ويتحدث المؤلف عن فيكتور هوغو في ثلاثة أو أربعة فصول. ومعلوم أن صاحب كتاب “البؤساء” شغل القرن التاسع عشر كله، مثلما شغل فولتير القرن الثامن عشر، ومثلما سيشغل سارتر القرن العشرين. وهؤلاء هم أشهر أدباء فرنسا على مدار القرون الثلاثة المنصرمة. نقول ذلك على الرغم من كثرة ما أنجبته فرنسا من عبقريات أدبية أو فلسفية.
ثم يتوقف البروفيسور ميشيل وينوك عند الفيلسوف أوغست كونت مؤسس الفلسفة الوضعية التي انتشرت في فرنسا وكل أنحاء أوروبا وسيطرت على الجامعات لفترة طويلة. ويتوقف أيضا عند ارنست رينان والضجة الكبيرة التي أحدثها بعد أن نشر كتابه عن “يسوع المسيح” من وجهة نظر تاريخية محضة. فقد صدم المؤمنين المحافظين كثيرا عندئذ واضطر إلى تعليق دروسه في الكوليج دو فرانس بل والاختفاء عن الأنظار لفترة من الزمن بعد أن أصبح مهددا بالقتل من قبل الأصوليين الكاثوليكيين.
وهناك وقفات أخرى عديدة وممتعة عند كبير أدباء فرنسا: شاتوبريان الذي كان بمثابة المثال الأعلى لفيكتور هوغو. ومعلوم أنه سبقه بجيل واحد. وكان فيكتور هوغو معجبا به جدا في شبابه الأول. ومعلوم أنه قال عندئذ جملته الشهيرة: إما أن أكون شاتوبريان أو لا شيء!! وقد كان. (شاتوبريان ولد عام 1768 وفيكتور هيغو عام 1802).
لكن لنتوقف الآن عند المقدمة العامة للكتاب حيث يبلور المؤلف مشروعه الكبير ويقول: من المعلوم أن الثورة الفرنسية جعلت من الحرية أول حق من حقوق الإنسان. فشعارها الذي لا يزال منقوشا على المباني الرسمية الفرنسية يقول: حرية، مساواة، إخاء. ولكن الثورة فشلت في تجسيد هذه الحرية بشكل مؤسساتي أو ترسيخها في العادات والتقاليد الفرنسية. ولولا سيف بونابرت لربما ضاعت الثورة كليا. ولكن بونابرت الذي أنقذ الثورة من انقلاب أنصار النظام الملكي السابق راح يصادرها لنفسه ويشكل نظاما دكتاتوريا ينتهك أول مبدأ من مبادئ هذه الثورة: الحرية!
وبعد سقوط “النسر” كما يلقبونه وعودة النظام الملكي إلى البلاد بمساعدة كل عروش أوروبا وملوكها الحاقدين على نابليون والثورة الفرنسية لم تمت فكرة الحرية. صحيح أنه لم يكن لها زعيم يتحدث باسمها، ولكنها كانت تشكل حركة سرية متفشية بشكل ضمني داخل أوساط الشعب والمثقفين على وجه الخصوص. ولم يعد أحد يستطيع أن يقتلعها من جذورها بعد أن زُرعت بذرتها في الأرض الفرنسية عام 1789.
وحزب الحرية لم يكن منظما على طريقة الأحزاب التقليدية، وإنما كان مشكّلا من خليط من البشر والشخصيات. وأولئك الذين يشكلونه ما كانوا سياسيين محترفين وإنما أدباء وشعراء وفلاسفة وصحفيين ومبدعين: أي خيرة عقول فرنسا في ذلك الزمان. وهؤلاء هم أحوج الناس إلى حرية التعبير. ولذلك دافعوا عن الحرية وخاطروا أحيانا بأنفسهم من أجلها. وذلك لأن الحرية شرط ضروري لتفتح الإبداع والمواهب.
فما معنى الكتابة بدون حرية؟ ما معنى الصحافة إذا كان سيف الرقابة مسلطا على رأسك؟ وهل تستطيع أن تبدع بدون حرية؟ ولكن بعض الكتاب المحافظين إن لم نقل الرجعيين ما كانوا بحاجة إلى حرية في الواقع. فقد كانوا يدافعون عن النظام الملكي القديم القائم على الهيبة والطاعة لا على التمرد والحرية. وكانوا يكرسون أقلامهم لخدمته وتبجيله بالإضافة إلى تبجيل العقائد التقليدية المسيحية المرتبطة به.
والصراع بين هذين التيارين هو الذي يشكل لحمة هذا الكتاب. وعندما استلم نابليون بونابرت السلطة عام 1800 حاول أن يجذب المثقفين الكبار إليه لأنه كان يعرف أن أقلامهم لا تقل أهمية عن سيوف جنرالاته وقادة جيشه. فالكلمة أخطر من الرصاصة إذا ما صدرت عن كاتب موهوب يعرف كيف يكتب. وكان يعلم انهم إذا ما كتبوا ضده فإنهم يهدمون مشروعيته ويشوهون سمعته في أوساط عديدة راقية، بل وحتى في أوساط الشعب.
وقد عرف نابليون كيف يستخدم معهم العصا والجزرة لكي يظلوا تحت طاعته. ولكن بعضهم بعد أن تقرب منه تمرد عليه. نذكر من بينهم شاتوبريان، ومدام دوستال، وبنيامين كونستان وآخرين. وهنا تطرح مشكلة العلاقة بين المثقف والسلطة بكل أبعادها. وهي مشكلة معقدة وليست بسيطة.
ثم تمردوا بشكل أكثر على النظام الرجعي الذي حل محله بعد سقوطه عام 1815 في معركة واترلو الشهيرة وأسر الانجليز له وإرساله إلى جزيرة القديسة هيلانة. وعندئذ عاد الملك لويس الثامن عشر إلى حكم فرنسا. والتفّ حوله كل الكتّاب الرجعيين والأصوليين المسيحيين المعادين للثورة الفرنسية ومبادئها.
ولكنه لم يستطع أن يعود بفرنسا إلى العهد القديم بشكل كامل. لماذا؟ لأن الفرنسيين بعد أن تعودوا على بعض المكتسبات وذاقوا طعم الحريات ودفعوا ثمنها من دمائهم أثناء الثورة الفرنسية ما كانوا مستعدين للتراجع عنها. ومن أهم هذه المكتسبات المساواة الرسمية بين المواطنين، كل المواطنين. فلم يعد هناك ابن ست وابن جارية أو ابن الشعب وابن الباشوات والنبلاء الإقطاعيين. الجميع أصبحوا فرنسيين متساوين في الحقوق والواجبات أمام مؤسسات الدولة.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبالتالي فالعودة إلى النظام الملكي السابق ذي الحق الإلهي والمطلق الصلاحيات أصبحت مستحيلة بعد أن ذاق الشعب الفرنسي طعم المساواة والحرية وبعد أن دفع ثمنها غاليا وخضّب شوارع باريس بدمه من أجلهما.
هذا يعني أن الفرنسيين إذا كانوا قد قبلوا بعودة الملك لويس الثامن عشر إلى الحكم فإن ذلك كان على أساس أنه حكم ملكي دستوري لا ملكي إطلاقي أو استبدادي كما كان عليه الحال في السابق. والسلطة الملكية أصبحت محصورة ومحددة صلاحياتها جيدا في وثيقة الدستور. وهذه الوثيقة تنص على المساواة بين الفرنسيين أمام القانون، وعلى الحرية الفردية، ثم بالأخص الحرية الدينية. فبعد اليوم يحق لك أن تؤمن أو لا تؤمن، أن تمارس الطقوس والشعائر أو لا تمارسها على الاطلاق. والكاثوليكي لم يعد مواطنا من الدرجة الأولى وبقية الناس مواطنين من الدرجة الثانية. هذا عهد مضى وانقضى. الجميع أصبحوا مواطنين بنفس الدرجة سواء أكانوا ينتمون إلى مذهب الأغلبية (الكاثوليكي) أم إلى مذهب الأقلية (البروتستانتي) أم حتى إلى أديان أخرى غير مسيحية كاليهود مثلا. فالاعلان الشهير لحقوق الانسان والمواطن ساوى بين الناس بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم وذلك على عكس النظام القديم.
وهذا الإنجاز الذي حققته الثورة الفرنسية لا يمكن التراجع عنه. هذا من حيث المبدأ ولكن في الواقع حصل بعض التراجع. فحتى في زمن نابليون حصل تراجع بسيط عندما اضطر الإمبراطور إلى أن يسجل في الدستور العبارة التالية: إن المذهب الكاثوليكي هو دين أغلبية الفرنسيين. وقد اعترض البروتستانتيون على ذلك ولكنه لم يستمع إليهم. فضغط الحزب الكاثوليكي كان كبيرا. ولكنه لم يقل دين الدولة وانما فقط دين الاغلبية.
ثم ازداد التراجع درجة إضافية في عهد الملك لويس الثامن عشر عندما قالوا في الدستور بأن المسيحية في مذهبها الكاثوليكي هي دين الدولة! ولكن يسمح لجميع المواطنين الآخرين بأن يمارسوا طقوسهم وشعائرهم إذا لم يكونوا كاثوليكيين. ولم يعودوا يلاحقونهم كما كانوا يفعلون أثناء النظام الملكي القديم السابق على الثورة الفرنسية.
وسوف تظل فرنسا متذبذبة حول هذه النقطة حتى يتم فصل الكنيسة عن الدولة عام 1905: أي قبل مائة سنة بالضبط او اكثر قليلا. ومعلوم أن الفرنسيين احتفلوا العام الماضي او حتى قبل بضعة اشهر بالذكرى المئوية الاولى لتأسيس العلمانية في بلادهم. وعندئذ ما عاد الدستور ينص على أن دين الدولة هو الدين المسيحي أو المذهب الكاثوليكي. ولم يعد دين رئيس الدولة مذكورا في الدستور. عندئذ أصبح الانفصال كاملا بين الدين والدولة. بمعنى آخر فإن الدولة العلمانية أصبحت تعامل جميع الأديان والمذاهب الموجودة في البلاد على قدم المساواة سواء أكانت أكثرية أم أقلية. واصبحت تنظر الى جميع المواطنين بصفتهم متساوين تماما أيا تكن أصولهم العقائدية او المذهبية.
ولكن قبل أن يتحقق ذلك، كم خاض الفرنسيون من معارك هائجة ضد بعضهم البعض! وهذه المعارك هي التي سجلتها لنا كتب فيكتور هوغو وأشعاره، وكذلك كتب إرنست رينان، وإميل زولا، وأوغست كونت، وعشرات غيرهم.
بالإضافة إلى المشكلة الدينية او الطائفية كانت هناك مادة في الدستور تنص على ما يلي: حرية التعبير مضمونة للشعب الفرنسي. بمعنى أنه يحق لأي فرنسي أن ينشر أفكاره ويطبعها بشرط ألا ينتهك القوانين وألا يتجاوز الحدود في ممارسة حريته.
وهنا حصلت معركة بين الكتّاب والصحفيين الليبراليين من جهة، وبين الكتّاب المحافظين والسلطة الحاكمة من جهة أخرى. والتحق بالصحفيين كل الكتاب والشعراء الرومانطقيين الذين تحرروا من أصولهم الكاثوليكية وولاءاتهم الملكية.
وقد اندلعت ثورة 1830 التي أطاحت بحكم الملك شارل العاشر من أجل الدفاع عن حرية الصحافة بالدرجة الأولى. فهذا الملك كان محافظا جدا إن لم نقل رجعيا. وقد أراد تسليط سيف الرقابة على كل الجرائد والمطبوعات. فاندلعت ثورة عارمة في وجهه اضطرته إلى الهرب من البلاد.
ألم نقل بأن الشعب الفرنسي بعد أن ذاق طعم الحرية ما عاد قادرا على التخلي عنها أو التضحية بها؟
ويردف البروفيسور ميشيل وينوك قائلا: بعدئذ حصل انقسام جديد داخل المجتمع الفرنسي. في السابق كان الانقسام الأساسي هو بين الملكيين الكاثوليكيين، والجمهوريين العلمانيين. هذا هو الانقسام العريض والاساسي بعد الثورة الفرنسية. وقد ظل مستمرا. ولكن انضاف إليه انقسام جديد داخل التيار الليبرالي أو الجمهوري نفسه بين البورجوازيين من جهة، والاشتراكيين من جهة اخرى.
وبدءًا من تلك اللحظة، سوف يندلع صراع عنيف يخترق كل تاريخ فرنسا الحديث حتى وصول متيران والاشتراكيين مع الشيوعيين إلى السلطة عام 1981. ومعلوم أن السلطة قبل ذلك كانت دائما في يد اليمين ما عدا فاصل قصير: الجبهة الشعبية عام 1936.
والواقع أن التصنيع الذي انتشر في فرنسا إبان القرن التاسع عشر أدى إلى ظهور طبقة بروليتارية رثة وشبه معدمة. وكان أرباب العمل يعاملونها كالعبيد. فساعات العمل الأسبوعي كانت تتجاوز الثمانين ساعة! الآن لا تتجاوز الخمس وثلاثين ساعة. ولم يكن هناك يوم عطلة واحد. كل هذا الاستغلال أدى إلى ظهور الحركات الاشتراكية التي حاولت الدفاع عن العمال والمصالحة بين العدالة والحرية كما فعل برودون مثلا. ومعلوم أن ماركس اعتمد عليه لاحقا واستفاد من أفكاره على الرغم من أنه انتقده وأراد تجاوز نواقص نظريته.
وبالتالي فالمسألة الثانية التي سيطرت على مفكري فرنسا كانت هي التالية: كيف يمكن أن نصالح بين النظام الجمهوري الجديد والحركة الاشتراكية؟ أو كيف نصالح بين العدالة والحرية؟ أو كيف نحقق العدالة بدون أن نضحي بالحرية. أما المسألة الأولى فهي تخص كما اشرنا الى ذلك مرارا وتكرارا: مسألة الصراع بين الكاثوليكيين والعلمانيين، أو بين الجمهوريين والملكيين، أي باختصار فصل الدين عن الدولة ومعاملة جميع المواطنين على قدم المساواة أيا يكن أصلهم وفصلهم أو دينهم ومذهبهم، ثم السماح بوجود مواطنين غير مؤمنين على الإطلاق ولا يؤدون أية طقوس أو شعائر ومع ذلك فهم يتمتعون بكافة حقوق المواطنية. وهكذا اصبح كل متدين مواطنا بالضرورة ولكن ليس كل مواطن متدينا يؤدي الطقوس والشعائر بالضرورة. اصبحت مسالة التدين مسالة شخصية تخص العلاقة بين الانسان وربه فقط ولا علاقة للآخرين بها. وهذه هي أكبر قطيعة روحية وفكرية جاءت بها الحداثة. فلم يعد سيف الأصوليين المسيحيين مسلطا على رؤوس الناس كما كان يحصل طيلة القرون السابقة.
فيما بعد سوف تتغلب المسألة الاجتماعية أو الطبقية على المسألة الدينية بعد أن وجدت هذه الأخيرة لها حلا نهائيا عام 1905 عندما تم فصل الدين عن الدولة رسميا. أما مسألة الصراع بين الأحزاب البورجوازية والأحزاب الاشتراكية أو الشيوعية فلن تجد لها حلا قبل وقت طويل. بل ولم تجد لها حلا مرضيا حتى الآن على الرغم من أن التوترات الإيديولوجية خفّت في فرنسا مؤخرا بسبب ارتفاع مستوى معيشة الطبقة العاملة والطبقات الوسطى. وبالتالي فلم يعد الحزب الشيوعي قويا لكي يهدد الرأسمالية الفرنسية بالانهيار.
وأما الاشتراكيون فأصبحوا اشتراكيين ديمقراطيين لا يختلفون عن أحزاب اليمين (أي حزبي شيراك وفرانسوا بايرو) إلا في بعض النقاط.
ثم يضيف المؤلف قائلا: ولكننا نتحدث الان عن القرن التاسع عشر لا عن القرن العشرين. وفي ذلك الوقت كان التفاوت الطبقي صارخا بين من يملكون ومن لا يملكون. وكان الجوع من نصيب العمال وعائلاتهم.
ويقال بأن فيكتور هوغو تحول من يميني إلى يساري أو بالأحرى من ملكي إلى جمهوري إذا ما استخدمنا لغة ذلك الزمان عام 1948. وقد طرأ عليه هذا التحول بعد أن رأى مصانع العمال -عمال المناجم- في شمال فرنسا. ورأى كيف تعيش عائلاتهم فأصيب بصدمة. وراح يحقد منذ ذلك الوقت على الطبقة البورجوازية الفرنسية التي تستغلهم. وبعدئذ، ألف روايته الشهيرة: البؤساء.
في ذلك الوقت ما كان العامل الفرنسي يحظى بالضمان الاجتماعي أو الضمان الصحي كما هو عليه الحال الآن. وكان يفقد كل شيء ويموت من الجوع هو وعائلته إذا ما أصيب بحادث في العمل، أو إذا ما سرحوه من وظيفته. وما كان يتمتع بيومي عطلة في الأسبوع السبت والاحد ولا كذلك بعطلة مدفوعة سنويا لمدة شهر كما هو حاصل الآن. وما كان هناك تقاعد ولا من يحزنون.
كل هذه المكتسبات التي نذكرها تحققت بفضل النضال النقابي والشيوعي والاشتراكي والعمالي على مدار المائة سنة الماضية.
ولكن لنعد الآن إلى القرن التاسع عشر فلا ينبغي أن نستبق الأمور. لنعد إلى نضالات الكتّاب والصحفيين من أجل حرية التعبير والنشر، ومن أجل حقوق العمال والمضطهدين. لنعد بشكل خاص إلى تلك المعركة الأولى التي لا ينبغي أن ننساها بين الملكيين والجمهوريين، أو بين المحافظين والليبراليين. فعندما وصل نابليون الثالث إلى سدّة الحكم عام 1851 علّق الحريات مباشرة وأعلن النظام الإمبراطوري الاستبدادي وأقام تحالفا جديدا بين السلطة السياسية والسلطة الدينية عن طريق استمالة الكنيسة الكاثوليكية إلى صفه. وكان يعلم أن وزنها لا يزال كبيرا وتأثيرها على عامة الشعب لا يزال ضخما.
ثم يردف المؤلف قائلا: صحيح أنه كان يوجد تيار ليبرالي داخل الكنيسة الكاثوليكية. ولكنه كان أقلية بالقياس إلى التيار الأصولي. والمقصود بالتيار الليبرالي المسيحيين العقلانيين والمستنيرين الذين لا يؤمنون بشكل أعمى كالعامة والأميين والجهلة وإنما عن بصيرة وفهم.
أما الأصوليون فكانوا هم الأكثرية. وكانوا يحقدون على العالم الحديث وعلى الليبرالية أو الحرية ويطلقون الفتاوى الدينية بإدانتهما. ولذلك انخرط فيكتور هوغو في معركته ضد رجال الدين. وظل يحقد عليهم حتى مات. وعندما فتحوا وصيته بعد موته وجدوا فيها العبارة التالية: أؤمن بالله لا بالمذاهب المتناحرة ولا برجال الدين! وعندما جاء مطران باريس للتعزية بوفاته ردوه عن الباب تنفيذا لوصية الشاعر الكبير. ولم يسمحوا له بالدخول. ومعلوم أنه جرت له جنازة وطنية كبرى شاركت فيها فرنسا بالملايين.
لقد ظل يكره رجال الدين ويعتبرهم سبب تخلف فرنسا وانقسامها ومصائبها. فقد كانوا متصلبين في تفسيرهم للعقيدة المسيحية ولا يسمحون بأي تطوير أو تفسير جديد لها.
ثم يردف البروفيسور ميشيل وينوك قائلا: ينبغي العلم بأن المسألة الدينية كانت مشكلة المشاكل بالنسبة للقرن التاسع عشر. وكانت في صلب كل المناقشات الفلسفية والسياسية. ونادرا أن يجتمع مثقفان فرنسيان آنذاك دون أن يتحدثا عنها أو يخوضا النقاش فيها.
صحيح أن العلم انتصر في ذلك العصر على الدين. وصحيح أن نيتشه أعلن موت التدين المسيحي التقليدي في تلك الفترة بالذات. وصحيح أن تقدم الصناعة والتكنولوجيا أقنع الناس بالتخلي عن الدين وإعطاء ثقتهم للعلم القادر على حل كل مشاكلهم وتحسين أوضاعهم المعيشية.
ولكن ينبغي العلم بأن الدين كان لا يزال موجودا في الساحة، وأن رجال الدين ما كانوا قد فقدوا كل تأثيرهم على الشعب. والدليل على ذلك أن المرشحين للانتخابات كانوا يتوسلون إليهم ويطلبون تأييدهم أو الظهور معهم علنيا في الشارع لكي يصوّت الناس لهم.
فالدين لم يكن يقدم فقط تفسيرا للعالم ولغاياته النهائية، ولم يكن فقط عزاءً لأولئك الذين يقتربون من حافة الموت. وإنما كان أيضا الأساس الصلب للهوية الجماعية الفرنسية. وكان جامع وحدتها. ثم جاء التنوير والثورة الفرنسية لكي يدمرا أسس الأصولية المسيحية بدون أن يتوصلا إلى بلورة عقيدة جديدة قادرة على الحلول محلها.
ثم إنه ليس من السهل أن ينسى الناس عقيدة آبائهم وأجدادهم المتوارثة منذ مئات السنين. ولذلك فإن المثقفين أحسوا بالفراغ الروحي بعد انحسار المسيحية وحلول فلسفة التنوير والعلم والعقلانية محلها. وحاول بعضهم أن يبلور بديلا عنها. وهكذا كثرت المشاريع الدينية أو الروحية.
فالفيلسوف سان سيمون دعا إلى بلورة مسيحية جديدة تنهض على أنقاض المسيحية القديمة التي لم تعد تقنع المثقفين كثيرا.
وأما تلميذه الفيلسوف أوغست كونت فقد دعا إلى تشكيل دين جديد للبشرية: أي دين فلسفي يتجاوز المسيحية ويكون صالحا لكل البشر وليس فقط للمسيحيين. وأما الشاعر لامارتين فقد دعا إلى تشكيل كاثوليكية جديدة غير الكاثوليكية السابقة المتعصبة والمنغلقة على ذاتها أكثر من اللزوم (أصولية). وأما فيكتور هوغو فدعا إلى تشكيل دين روحاني وعقلاني ولكن بدون رجال دين! وربما بدون طقوس أو شعائر…
هذا لا يعني بالطبع أن الأصولية المسيحية كانت قد انتهت أو زالت! على العكس. لقد كانت لا تزال قوية وتستطيع أن تضرب إذا ما أتاحت لها الظروف ذلك. وأكبر دليل على ما نقول ما حصل للفيلسوف إرنست رينان صاحب كتاب “مستقبل العلم” والشخص الذي خاض مناظرة شهيرة مع جمال الدين الأفغاني عن الإسلام والعلم.
ففي عام 1862، وبالتحديد في 22 فبراير، ألقى البروفيسور ارنست رينان درسه الافتتاحي في الكوليج دو فرانس. وكان ذلك أمام شخصيات فرنسية كبرى بالإضافة إلى الطلبة والجمهور العام. وفجأة لفظ رينان هذه العبارة: “يسوع، هذا الإنسان العظيم الذي لا يضاهى”. وكانت بمثابة القنبلة الموقوتة التي أشعلت القاعة كلها. فقد نهضت الشخصيات الدينية محتجة على ما قاله رينان. فالمسيح في نظر المسيحيين ليس إنسانا وإنما هو إله أو تجسيد لله على الارض.
ومباشرة بعد انتهاء الدرس خرجت مظاهرة كبيرة في منطقة الحي اللاتيني ونزلت إلى شارع السان ميشيل مهددة ومتوعدة. إذ اعتبرت أن كلام رينان هو كفر وزندقة وخروج على الدين المسيحي لأنه لا يعترف بألوهية المسيح. وصحيح أنه يعترف بعظمته بل وأنه أعظم شخص على وجه الأرض ولكنه يقول بأنه بشر. ويقال بأن بعض الأصوليين مروا على بيته وسألوا عنه. وكان ذلك إيذانا بنيّتهم اغتياله.
وعندئذ علقت الحكومة فورا دروسه في الجامعة إلى أجل غير مسمى وإختفى ارنست رينان عن الأنظار لفترة من الزمن. وهذا هو جزاء كل من تسول له نفسه أن يناقش العقائد الدينية المسلّم بها أو يضعها على محك التساؤل والنقد التاريخي. والشيء الذي أزعج رجال الدين المسيحيين أكثر من غيره هو أن رينان كان من جماعتهم، بل ودرس علم اللاهوت في الأديرة لكي يصبح راهبا مثلهم! ولكنه تخلى عن ذلك فيما بعد عندما اكتشف العلم الحديث والفلسفة وشغف بهما.
وبالتالي فالعدو منهم وفيهم. وهذا ما لا يمكن احتماله. فما الذي حصل حتى وصل رينان إلى هنا؟ ولماذا ترك الدير والمعاهد المسيحية التقليدية و رفض أن يصبح راهبا؟
لسبب بسيط هو أنه اطلع على الفلسفة الحديثة وعلى منهجية النقد التاريخي التي كانت قد انتشرت في ذلك الزمان. وهي منهجية تعطي صورة أخرى عن بدايات المسيحية غير الصورة الشائعة في الكنائس والأوساط الشعبية والأصولية.
فالنقد التاريخي يفرّق بين المسيحية التاريخية، أي الواقعية والحقيقية، وبين الصورة المثالية أو الأسطورية التي شكّلها المؤمنون عنها لاحقا. كما ويفرق بين يسوع التاريخي، ويسوع الأسطوري ويكشف لنا عن الحياة الواقعية والحقيقية ليسوع الناصري، أي لعيسى بن مريم بحسب المصطلح الإسلامي. وهو إنسان من لحم ودم ولد في مكان معين وعاش فترة من الزمن وبشر برسالته كأي داعية. وبالتالي فكيف أصبح إلها فيما بعد وتغيرت صورته من بشرية إلى إلهية؟ هذا هو السؤال الذي يجيب عنه النقد التاريخي وعندئذ يكشف عن شخصيته البشرية أو عن بشريته بالكامل.
ولكن المؤمنين المتعودين على الصورة التبجيلية لدينهم وعقائدهم، أي الصورة التقديسية المثالية العذبة لا يستطيعون أن يتحملوا هذه الصورة الأرضية، أو الواقعية أكثر من اللزوم. فهم بحاجة إلى مثال أعلى، إلى معجزات تملأ عليهم أقطار نفسهم، لكي يستطيعوا أن يؤمنوا أو يعبدوا ويتعبّدوا.
وبالتالي فالمنهج العلمي أو التاريخي المطبّق على دراسة الأديان يصدم حساسية المؤمنين التقليديين كثيرا بل ويزعجهم ويجرح مشاعرهم إلى أقصى حد.
ولذلك يردون بعنف على كل من يحاول دراسة الدين من وجهة نظر علمية أو نقدية. وأحيانا قد يلجأون إلى اغتياله لأنه اغتال أجمل ما لديهم وأعظم ما عندهم: أي عقيدتهم الخيالية أو المثالية المقدسة.
