في صفات الطعام من كتاب زهر الآداب وثمر الألباب لإبراهيم بن علي الحصري القيرواني
ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام
ومقدّماته، وموائده، وآلاته
فرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد الله. لا يطيب حضور الخوان، إلّا مع الإخوان. البخل بالطّعام، من أخلاق الطّغام. الكريم لا يحظر، تقديم ما يحضر. قد قامت خطباء القدور. قدور أبكار، بخواتم النّار. قدر طار عرفها، وطاب غرفها. دهماء تهدر كالفنيق، وتفوح كالمسك الفتيق.
مائدة كدارة البدر، تباعد بين أنفاس الجلّاس. مائدة مثل عروس. مائدة لطيفة، محفوفة بكل طريفة. مائدة تشتمل على بدائع المأكولات، وغرائب الطيّبات. مائدة كأنّما عملها صنّاع صنعاء، تجمع بين أنوار الربيع، وثمار الخريف.
وقال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنّها زمن البرامكة على العفاة! وذمّ آخر رجلا فقال: لا يحضر مائدته إلا أكرم الخلق وألأمهم- يريد الملائكة والذّباب.
وقال ابن الحجاج لرجل دعاه وأخّر الطعام:
قد جنّ أصحابك من جوعهم … فاقرأ عليهم سورة المائده
ولبعض أهل العصر يذم رجلا:
خوان لا يلمّ به ضيوف … وعرض مثل منديل الخوان
رغفان كالبدور الممنطقة بالنّجوم. حمل ذهبىّ الدّثار، فضّىّ الشعار. أطيب ما يكون الحمل، إذا حلّت الشمس الحمل. جدى كأنما ندف على جبينه القزّ.
زيرباجة، هى للمائدة ديباجة، تشفى السّقام، ولونها لون السقيم. سكباجة تفتق الشهوة، واسفيذباجة تغذّى القرم، وطباهجة يتفكّه بها، وخبيص يختم بخير. طباهجة من شرط الملوك، كأعراف الديوك، وقليّة كالعود المطرّى. مغمومة تفرج غمّ الجائع. هريسة نفيسة، كأنها خيوط قزّ مشتبكة، كأنّ المرّى عليها عصارة المسك على سبيكة الفضة. أرزة ملبونة، فى السكر مدفونة. شواء رشراش وفالوذج رجراج. طباهجة تغذى، وفالودجة تعزى، واسفيذباجة تصفع قفا الجوع. لا فراش للنبيذ، كالحمل الحنيذ. دجاجة سميطة، لها من الفضة جسم، ومن الذهب قشرة. دجاجة ديناريّة ثمنا ولونا.
وهذا محلول من قول على بن العباس الرومى يصف طعاما أكله عند أبى بكر الباقطانى:
وسميطة صفراء دينارية … ثمنا ولونــــا زفّها لك حزور
عظمت فكادت أن تكون أوزّة … وغلت فكاد إهابها يتفطّر
طفقت تجود بذوبها جوذابة … فأتى لباب اللّوز فيها السكر
ظلنا نقشّر جلدها عن لحمها … فكـأنّ تبرا عن لجين يقشر
وتقدّمتها قبل ذاك ثرائد … مثل الرّياض بمثل ذاك تصدّر
ومرقّقات كلّهنّ مزخرف … بالبيض منها ملبس ومدثّر
وأتت قطائف بعد ذاك لطائف … ترضي اللهاة بها ويرضي الحنجر
ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها … دمع العيان من الدّهان يعصّر
قال البديع: حدثنى عيسى بن هشام قال: اشتهيت الأزاذ، وأنا ببغداذ ، وليس معى عقد، على نقد، فخرجت أنتهز محالّه، حتى أحلّنى الكرخ؛ فإذا أنا بسوادىّ يحدو بالجهد حماره، ويطرّف بالعقد إزاره؛ فقلت:
ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله أبا زيد! من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت، فهلمّ إلى البيت. فقال السّوادى: لست بأبى زيد، وإنما أبو عبيد! فقلت: نعم لعن الله الشيطان، وأبعد النّسيان، أنسانى طول العهد بك، كيف أبوك، أشابّ كعهدى، أم شاب بعدى؟ قال: قد نبت المرعى على دمنته، وأرجو أن يصيّره الله إلى جنّته، فقلت: إنّا لله، ولا قوة إلا بالله، ومددت يد البدار، إلى الصّدار أريد تمزيقه، وأحاول تخريقه فقبض السوادىّ على خصرى بجمعه؛ وقال: نشدتك بالله لا مزّقته، فقلت:
فهلم إلى البيت نصب غداء، أو إلى السوق نشترى شواء؛ والسوق أقرب، وطعامهأطيب، فاستفزّته حمة القرم، وعطفته عطفة النّهم، وطمع، ولم يعلم أنه وقع، ثم أتيت شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا، ويتسايل جوذابه مرقا ، فقلت: أبرز لأبى زيد من هذا الشواء، ثم زن له من تلك الحلواء، واختر من تلك الأطباق، ونضّد عليها أوراق الرقاق، وشيئا من ماء السّمّاق؛ ليأكله أبو زيد هنيا.
فأنحى الشّوّاء بساطوره، على زبدة تنّوره، فجعلها كالكحل سحقا، وكالطحين دقّا، ثم جلس وجلست، ولا نبس ولا نبست، حتى استوفيناه، وقلت لصاحب الحلواء: زن لأبى زيد من اللوزينج رطلين، فإنه أجرى في الحلوق، وأسرى في العروق، وليكن ليلىّ العمر، يومىّ النّشر، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤىّ الدهن، كوكبى اللون، يذوب كالصّمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيّا. فوزنه، ثم قعد وقعدت، وجرّد وجرّدت، واستوفيناه، ثم قلت: يا أبا زيد، ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصّارة، ويفثأ هذه اللّقم الحارة؛ اجلس أبا زيد حتى آتيك بسقّاء، يحيينا بشربة من ماء، ثم خرجت، وجلست بحيث أراه ولا يرانى، أنظر ما يصنع به. فلما أبطأت عليه قام السّوادى إلى حماره، فاعتلق الشّوّاء بإزاره.
اعمل لرزقك كلّ آله … لا تقعدنّ بذلّ حاله
وانهض بكلّ عزيمة … فالمرء يعجز لا المحالة
ومن مليح ما قيل في القطائف قول علىّ بن يحيى بن أبى منصور المنجم:
قطائف قد حشيت باللّوز … والسكر الماذىّ حشو الموز
يسبح في آذىّ دهن الجوز … سررت لما وقعت في حوزى
سرور عبّاس بقرب فوز
ومن ألفاظ أهل العصر في الحلواء: فالوذج بلباب البرّ، ولعاب النّحل، كأنّ اللوز فيه كواكب درّ، فى سماء عقيق.
ولم يقل أحد في صفة اللوزينج أحسن من قول ابن الرومي:
لا يخطئنّى منك لوزينج … إذا بدا أعجب أو عجّبا
لو شاء أن يذهب في صخرة … لسهّل الطّيب له مذهبا
لم تغلق الشّهوة أبوابها … إلّا أبت زلفاه أن يحجبا
يدور بالنَّفحَة في جامِه … دَوراً ترَى الذهنَ له لولبا
عاوَن فيه مَنظَر مَخبَرَا … مستَحسَن ساعَدَ مستعذَبا
مَستكثف الحَشوِ ولكنه … أرَقُ جِلداً عن نَسِيمِ الصبا
كأنما قدّت جَلابيبه … من نقطة القَطرِ إذا حَبَّبا
يخالُ من رِقَّة خرشائِه … شارَك في الأجنِحَة الجُندبا
لو أنَّه صُوِّرَ من خَبزِهِ … ثَغر لكان الواضحَ الأشنَبَا
من كلِّ بيضاء يَوَدُّ الفتَى … أن يجعلَ الكفَ لها مَركَبا
مدهونة زرقاء مدقوقة … صهباء تحكى الأزرق الأشهبا
قرة عين وفم حسّنت … وطيّبت حتى صبا من صبا
ديفَ له اللوز؛ فما مرَّة … مَرَّت على الذائق إلاَ أَبَى
وانتقَدَ السُكَرَ نُقاده … وشاوَرُوا في نَقْدِهِ المذهبا
فلا إذا العَيْنُ رَأَته نَبَتْ … ولا إذا الضرْسُ عَلاه نَبَا
لا تنكروا الإدلال من وامق … وجّه تلقاءكم المطلبا
هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح فيها أبا العباس أحمد بن محمد ابن عبد الله بن بشر المرئدى، ويهنيه بابن ولده، وأولها:
شمس وبدر ولدا كوكبا … أقسمت بالله لقد أنجبا
قال أبو عثمان سعيد بن محمد الناجم: دخلت على أبى الحسن وهو يعمل هذه القصيدة، فقلت: لو تفاءلت فيها لأبى العباس بسبعة من الولد؛ لأن أبا العباس منكوسا سابع، لجاء المعنى ظريفا، فقال:
وقد تفاءلت له زاجرا … كنيته، لا زاجرا ثعلبا
إنّى تأمّلت له كنية … إذا بدا مقلوبها أعجبا
يضوغها العكس أبا سابع … لا كذّب الله ولا خيّبا
بل ذاك فال ضامن سبعة … مثل الصّقور استشرفت مرقبا
يأتون من صلب فتى ماجد … وذاك فأل لم يعد معطبا
وقد أتانا منهم واحد … فلننتظرهم ستّة غيّبا
فى مدّة تغمرها نعمة … يجعلها الله له ترتبا
حتى نراه جالسا بينهم … أجلّ من رضوى ومن كبكبا
كالبدر وافى الأرض من نوره … بين نجوم سبعة فاحتبى
وليشكر النّاجم عن هذه … فإنّها من بعض ما بوّبا
سدّى وألحمت أخ لم أزل … أشكر ما أسدى وما سبّبا
وكان ابن الرومى منهوما في المآكل، وهي التي قتلته، وكان معجبا بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدى أن يبعث إليه كلّ يوم بوظيفة لا تنقطع، فبعث إليه يوم سبت، ثم قطعه، فقال:
ما لحيتاننا جفتنا وأنّى … أخلف الزائرون منتظريهم
جاء في السّبت زورهم فأتينا … من حفاظ عليه ما يكفيهم
وجعلناه يوم عيد عظيم … فكأنّا اليهود أو نحكيهم
وأراهم مصمّمين على الهجر … فلم يسخطون من يرضيهم
قد سبتنا وما أتتنا وكانوا … يوم لا يسبتون لا تأتيهم
فاتّصل ذلك بالناجم، فكتب إلى ابن الرومى:
أبا حسن أنت من لا تزا … ل نحمد في الفضل رجحانه
فكم تحسن الظنّ بالمرثدىّ … وقد قلّل الله إحسانه
ألم تدر أنّ الفتى كالسّراب … إذا وعد الوعد إخوانه
فبحر السراب يفوت الطّلوب … فقل في طلابك حيتانه
وخرج ابن الرومى إلى بعض المتنزهات وقصدوا كرما رازقيّا، فشربوا هناك عامّة يومهم، وكانوا يتهمونه في شعره، فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئا، فقال: لا تريموا حتى أقول فيه، وأنشدهم لوقته:
ورازقىّ مخطف الخصور … كأنه مخازن البلّور
قد ضمّنت مسكا إلى الشطور … وفي الأعالى ماء ورد جورى
بلا فريد وبلا شذور … له مذاق العسل المشور
وبرد مسّ الخصر المقرور … ونكهة المسك مع الكافور
ورقّة الماء على الصدور … باكرته والطّير في الوكور
بفتية من ولد المنصور … أملأ للعين من البدور
حتى أتينا خيمة النّاطور … قبل ارتفاع الشمس للذّرور
فانحطّ كالطّاوى من الصّقور … بطاعة الرّاغب لا المقهور
والحرّ عبد الحلب المشطور … حتى أتانا بضروع حور
مملوءة من عسل محصور … والطّلّ مثل اللؤلؤ المنثور
ثمّ جلسنا جلسة المحبور … بين حفافى جدول مسجور
أبيض مثل المهرق المنشور … أو مثل متن المنصل المشهور
ينساب مثل الحيّة المذعور … بين سماطى شجر مسطور
ناهيك للعقود من ظهور … فنيلت الأوطار في سرور
وكل ما يقضى من الأمور … تعلّة من يومنا المنظور
ومتعة من متع الغرور
ألفاظ تناسب هذا النحو لأهل العصر في صفات الفواكه والثمار
كرم نسلفه الماء القراح، ويقضينا أمّهات الرّاح. عنقود كالثريّا، وعنب كمخازن البلّور، وضروب النّور، وأوعية السرور. أمّهات الرحيق، فى مخازن العقيق. نخل نسلفه الماء، ويقضينا العسل. رطب كأنها شهدة بالعقيق مقنّعة، وبالعقيان مقمّعة. رمّان كأنه صرر الياقوت الأحمر. سفرجل يجمع طيبا، ومنظرا حسنا عجيبا، كأنه زئبر الخزّ الأغبر، على الديباح الأصفر. تفّاح نفّاح، يجمع وصف العاشق الوجل، والمعشوق الخجل، له نسيم العبير، وطعم الكر، رسول المحب، وشبيه الحبيب. تين كأنه سفر مضمومة على عسل. مشمش كأنه الشّهد في بيادق الذهب.
