مقتطفات من كتاب مروج الذهب للمسعودي

ذكر ديانات العرب  في الجاهلية


قال المسعودي: كانت العرب في جاهليتها فرقاً: منهم الموحد المقر بخالقه، المصدق بالبعث والنشور، موقناً بأن اللّه يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وقد تقدم ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا مَنْ دعا إلى اللّه عزوجلا ونبًه أقو أمه على آياته في الفترة، كقُيسِّ بن ساعدة الإياثي ورِئاب الشَنَيئَ، وَبَحِيرا الراهب، وكانا من عبد القيس.


وكان من العرب من أقر بالخالق، وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإِعادة، وأنكر الرسل، وعكف على عبادة الأصنام، وهم الذين حكى اللّه عز وجل قولهم: “ما نَعْبُدُهُمْ إلّاَ لِيُقَربُونَا إلى اللّهِ زُلْفَى” الآية وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها، ونحروا لها البُدْنَ، ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا.


ومنهم من أقر بالخالق، وكَذَب بالرسل والبعث، ومال إلى قول أهل الدهر، وهؤلاء الذين حكى اللّه تعالى إلحادهم، وخَبَّرَ عن كفرهم، بقوله تعالى: وقالوا: “ما هي إلا حَيَاتُنَا الدنْيَا نموتُ وَنحْيَا، وَمَا يًهْلِكُنَا إلا الدَّهْر” فردَّ اللّه عليهم بقوله: “ما لهم بذلك مِنْ عِلْم، إن هُمْ إلاَّ يَظُنُّون”.
ومنهم من مال إلى اليهودية والنصرانية.
ومنهم المارُّ على عَنْجَهِيَّتِهِ، الرَّاكب لِهَجْمَته.


وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة، ويزعمون أنها بنات اللّه؛فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى اللهّ، وهم الذين أخبر اللّه عزوجل عنهم بقوله تعالى: “ويجعلونَ للّهِ البَنَاتِ، سبحانه، ولهم ما يشتهون” وقوله تعالى: “أفَرَأْيْتُمُ اللاَّتَ والعُزَّى، وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى؛ ألكم الذكر وله الأنثى؛ تلك إذاً قِسْمَة ضِيزَى”.

الاختلاف في النفس

كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء ينازعون في كيفياتها: فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير وأن الروح الهواء الذئ في باطن جسم المرء منه نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نفَسَاء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نَفْسُ سائلة إذا سقط في الماء: هل ينجسه لم لا؛ وقال تأبط شرأ لخاله الشنفرى الأكبر وقد سأله عن قتيل قتله- كيف كانت قصته؛ فقال: ألجمته عضباً فسالت نفسه سكباً، وقالوا: إن الميت لا ينبعث منه الدم ولا يوجد فيه، بدأ في حال الحياة، وطبيعته طبيعة الحياة والنماء مع الحرارة والرطوبة؛لأن كل حي فيه حرارة و رطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة، وقال ابن براق من كلمة: وكم لاقيت ذا نـجـب شـديد تسيل به النفوس على الصدور 
إذا الحرب العوان به استهامت وحال، فذاك يوم قمـطـرير


وطائفة منهم تزعمِ أنه- النفس طائر ينبسط في جسم الإِنسان، فإذا مات أو قتل لم ينزل مطيفاَ به متصوراً إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشاً، وفي ذلك يقول بعض الشعراء وذكر أصحاب الفيل: سلط الطير والمنون ***عليهم فلهم في صدَىَ المقابر هَام 

الهام

لأن هذا الطائر يسمونه الهام، والواحدةِ هامة، وجاء الإسلام وهم على ذلك حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم “لا هَاَمَ ولا صَفَر”.

ويزعمون أنَّ هذا الطائر يكون صغيراً، ثم يكبر حتى يصير كضرب من البوم وهي أبداً تتوحش وتَصْدَع، وتوجد أبداً في الديار المعطلة والنواويس، وحيث مصارع القتلى وأجداث الموتى.

ويزعمون أن الهامة لا تزال على ذلك عند ولد الميت في محلته بفنائهم،لتعلم ما يكون بعده فتخبره به، حتى قال الصلت بن أمية لبنيه:

هامِي تخِّبرني بما تستشعروا*** فتجنبوا الشنعاء والمكروها


وفي ذلك يقول في الإِسلام توبة في ليلى الأخلية:

ولو أن ليلى الأخيلية سَـلّـمـت*** عليَّ ودوني جنـدل وصـفـائح
سلمت تسليم البـشـاشة، أوزقـا*** إليها صدى من جانب القبر صائح 


وهذا من قولهم يدل على أن الصدَى قد ينزل إلى قبورهم ويصعد ومن ذلك ماروي عن حاتم طيىء مما سنورد خبره في هذا الكتاب.

أتيت لصحبك تبغي القرى*** لدى حُفر صدحَتْ هامها 

وسنذكر هذا الشعر في أخبار الحجاج بن يوسف مع ليلى الأخيلية من هذا الكتاب، وقد قيل: إن هذه الأبيات لغير توبة في غير ليلى، وهذا كثير في أشعارهم ومنثور كل أمه م وسَجْعهم وخطبهم، وغير ذلك من محاورا تهم.

تنقل الأرواح

وللعرب وغيرهم من أهل الملل ممن سلف وخَلَفَ كلام كثير في تنقل الأرواح وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابنا المترجم بسر الحياة وكتاب الدعاوى وبالله التوفيق.

 

ذكر أقاويل العرب في الغيلان والتغول وما لحق بهذا الباب رأيهم في الغول

للعرب في الغيلان وتغولها أخبار طريفة. العرب يزعمون أن الغول يتغول لهم فيِ الخلوات، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور، فيخاطبونها، وربما ضيَّفوها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم: فمنها قول تأبط شرأ:

وأدهم قد جُبْت جلـبـابـه *** كما آجتابت الكاعب الخيعلا 

على إثر نارٍ يَنُـور بـهـا *** فبتُّ لها مدبِرا ًمـقـبـلا

فأصبحْتُ والغول لي جارة *** فياجارتي أنت مـا أهْـوَل

وطالبتها بُضَعهَا فالـتـوت *** بوجه تغول فاسـتـغـولا

فمن كان يسأل عن جَارتـي *** فإن لها باللِّـوَى مـنـزلا


ويزعمون أن رجليها رجلا عنز، وكانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون ويقولون: يارجل عنز آنْهَقِي نـيقـا *** لن نترك السبسب والطريقا 

الغول تتلون وتضلل

وذلك أنها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها، وتتيههم. وكان ذلك قد اشتهر عندهم وعرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القَصْد فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال.


وقد ذكر جماعة من الصحابة ذلك: منهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه أنه شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأن الغول كانت تتغول له، وأنه ضر بها بسيفه، وذلك قبل ظهور الإسلام، وهذا مشهور عندهم في أخبارهم.

رأي الفلاسفة

وقد حكي عن بعض المتفلسفين أن الغول حيوان شاذ من جنس الحيوان مُشَوّهً لم تحكمه الطبيعة، وأنه لما خرج منفرداً في نفسه وهيئته توحَش من مسكنه، فطلب القفار، وهو يناسب الإِنسان والحيوان البهيمي في الشكل، وقد ذهبت طائفة من الهند إلى أن ذلك إنما يظهر من فعل ما كان غائباً من الكواكب عند طلوعها، مثل الكوكب المعروف بكلب الجبار، وهي: الشَعْرَى االْعَبُور، وأن ذلك يحدث داء في الكلاب، وسهيل في الحمل والذئب في الدب وحامل رأس الغول يحدث عند طلوعه تماثيل وأشخاص تظهر في الصحاري، وغيرها من العامر والخرائب، فتسمية عوام الناس غولاً، وهي ثمانية وأربعون كوكباً، وقد ذكرها بطليموس وغيره ممن تقدم وتأخر، وقد وصف ذلك أبو معشر في كتابه المعروف بالمدخل الكبير إلى علم النجوم وذكر كيفية صورة كل كوكب عند ظهوره في أنواع مختلفة.


وزعمت طائفة من الناس أن الغول اسم لكل شيء يعرض للسُّفَار، ويتمثل في ضروب من الصور، ذكراً كان أو أنثى، إلا أن اكثر هم كل أمه م على أنه أنثى، وقد قال أبو المطراب، عبيد بن أيوب العنبري:

وحالفني الوحوش على الوفاء***  وتحت عهودهن وَبَا البعـاد
وغولا قفرة ذكراً وأنـثـى *** كأن عليهما قطع النـجـاد


وقال آخر وهو كعب بن زهير الصحابي:

فما تَحُومُ على حال تكون بها *** كما تَلًؤنُ في أثوابها الغولُ


وقد قدمنا ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى، وأن كل كوكب من هذه يظهر في صورة مخالفة لما تقدمه من الصور يحدث في هذا العالم نوعاً من الأفعال لم ينفرد يفعله غيره من الكواكب.


وكانت العرب قبل الإسلام تزعم أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتخيل، واختلال السا بلة، قال أبو المطراب:

فللَّه در الـغـول أي رفـيقةٍ*** لصاحب قفر حالف وهو معبر 
أرنَتْ بلحن بعد لحن وَأوقـدت *** حواليً نيرانا تلوح وتزهـر

المصدر:

كتاب: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تأليف: أبي الحسن بن علي المسعودي عني به وراجعه: كمال حسن مرعي، الناشر: المكتبة العصرية – بيروت لبنان، الطبعة: الاولى 2005 – الجزء الثاني.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This