الحقيقة في الحكاية أو حين يعود المداس إلى قدميه (1)

﴿وَلاَ تَمْشِ فِي اَلأَرْضِ مَرَحًا﴾، الإسراء، 73
*
“الحقيقة في الرّسم”، أو حين يستعيد فان غوغ أحذيته…
أصل فعل (وَسَمَ ) (Marquer) هو أثر القدم، أي الأثر الّذي خلّفته القدم في الأرض. وقد كان من عادة مومسات الإسكندريّة في غابر الزّمان أن يحفرن تحت نعال خفافهنّ الحروف الأولى من أسمائهنّ، حتّى إذا قرئت، وقد انطبعت على رمال الشّاطئ، يتعرّف الحريف المحتمل إلى شخص المومس المرغوب فيها، فيحدّد اتّجاه مخدعها. “، ميشال سير.
في كتاب”الحقيقة في الرّسم“، «La vérité en peinture »، وفي الفصل الأخير”استعادات“«Restitutions»، لا يعرض جاك دريدا Jacques Derrida قراءته الخاصّة للوحات فان غوغ Van Gogh الشّهيرة المعروفة باسم”أحذية فان غوغ“على غرار قراءة ميشال فوكو Michel Foucault للوحة فيلاسكاز”الوصيفات“Les suivantes في مطلع كتابه”الكلمات والأشياء“، وإنّما يتّخذ من تراسل مارتن هيدغر Martin Heidegger وماير شابيرو Meyer Schapiro ، واختلافهما في نسبة أحذية اللّوحات، موضوعا لتأمّل طويل خصيب في مسألة”الحقيقة في الرّسم“. ففي سنة 1935 ينسب هيدغر، في مقاله الشّهير”أصل العمل الفنّيّ“، زوج الحذاءَ إلى الحقول، إلى الرّيفيّ، بل إلى ريفيّة. ويتساءل دريدا من أين يستمدّ هيدغر يقينه من أنّ الأمر يتعلّق بزوج حذاء «une paire de chaussures» ؟ وما معنى زوج une paire؟ غير أنّ شابيرو لا يجاري، بعد ثلاثة وثلاثين سنة، الفيلسوفَ في ما نَسَب، معتبرا أنّ زوج الحذاء هذا من المدينة. ويؤكّد أنّ هذا الزّوجَ يعود إلى المدينة، إلى حضريّ، إلى رجل من حواضر المدينة، إلى صاحب اللّوحة ذاته، إلى فانسان Vincent، حامل اسم فان غوغ Van Gogh. فالحذاء يكمّله ويُكْمِل اسمه في اللّحظة الّتي يستعيده بقوله”هذا يعود لي“. ولكنّ المشكل لا يُختزل في مجرّد نسبة زوج الحذاء إلى هذه القدم أو تلك، فـ”وراء القدم ما وراءها“. فالأمر في كلّ الأحوال يتعلّق بأن نعرف من هو هذا العائد revenant؟ أهو من الرّيف أم من الحاضرة، قد عاد ليحلّ في الحذاء؟ أم هو هذا الأنا الآخر l’autre moi من فانسان Vincent، صاحب التّوقيع le signataire، كما يقترح شابيرو؟ أم هو شبح العائد فحسب جاء ليسكن في هذا الحذاء؟ وباختصار: لمن يعود زوج الحذاء؟ ومَنْ يستعيد هذا الزّوج؟ وماذا يستعيد؟ وبماذا يرتبط؟ وإلى أيّ قدم ينتسب؟
إنّ هذه الأسئلة وما ضارعها تشقّ مقالة دريدا، وتظهر بين الحين والحين، لتذكّر في كلّ مرّة بأنّ السّؤال يتجاوز مسألة النّسبة والملكيّة وعودة زوج الحذاء إلى قدمي (فان غوغ، أو الرّيفيّ، أو الرّيفيّة، أو الحضريّ…)، لأنّه يتعلّق أساسا بهذا التّراسل الّذي جرى بين ماير شابيرو ومارتن هيدغر، وتبادلهما الرّسائل سنة 1965.
يتساءل دريدا ما الدَّيْنُ الّذي يريد المتراسلان أن يقضياه بنسبة الحذاء إلى الرّيفيّ أو الرّيفيّة عند هيدغر، وإلى الرّسّام عند شابيرو؟ يصرّح شابيرو بحصول هذا التّبادل في مقالته”The stil Life as a Personal Object – A Note on Heidegger and Van Gogh“، وهي مقالة مهداة إلى ذكرى كورت قلدستاين Kurt Goldstein ، بصفته ذاك الّذي لفت انتباه شابيرو، ودعاه ليقرأ مقالة هيدغر”أصل العمل الفنّي“. فهو بهذا الإهداء يقضي دَيْنا، وواجب صداقة تجاه صديق ميّت.
يشير دريدا إلى أنّ هذه الواقعة ليست خارجة عن سياق التّراسل، وليست غريبة عن مسألة نسبة الحذاء إلى قدمين. فهو يذكّرنا بأنّ شابيرو قد سافر، وهو شابّ، إلى جامعة كولومبيا (بنيويورك) ليدرّس فيها، فالتقى هناك بقلدستاين الّذي كان قد فرّ من ألمانيا النّازيّة في 1933، بعد أن سُجن، وأُطلق سراحُه شريطة أن يغادر الوطن. وهنالك، في جامعة كولومبيا، درّس من 1936 إلى 1940. ويلاحظ دريدا أنّ قلدستاين لم يتمكّن من بلوغ نيويورك إلاّ بعد إقامة مضنية في أمستردام دامت سنة كاملة. وفيها ألّف كتابه”بنية الجهاز“«La structure de l’organisme». في تلك السّنوات ذاتها، قدّم هيدغر محاضراته عن”أصل العمل الفنّي“، ودروسه المتعلّقة بـ”مدخل إلى الميتافيزيقا“. وهما النّصّان اللّذان أحال فيهما الفيلسوف على بعض رسوم فان غوغ. ولمّا وصل قلدستاين إلى نيويورك كان شابيرو قد سبقه إلى جامعة كولومبيا. فدرّس معه من سنة 1936 إلى مماته، باستثناء سنوات الحرب، حيث تنقّل قلدستاين خلالها بين هارفارد وبوسطن من 1940 إلى 1945. وقد أهدى شابيرو مراسلاته مع هيدغر إلى ذكرى صديقه، بعد نشرها على العموم والتّعليق عليها. وقد مكّنه نشرُ الرّسائل من الاحتفاظ بالقول الفصل، لمّا حدّد، على نحو حاسم، نسبةَ الرّسم والحذاء وتسميةَ الأثر الفنّيّ، بإضافة موضوع الأثر (الحذاء) إلى صاحب الأثر، أي صاحبه الحقّ، وهو الرّسّام فان غوغ. فالنّسبةُ، وقد أُنْجِزت بذكر التّسمية، إنّما هي عمل يمكّن من تملّك الأثر. فمن يحدّد النّسبة، ويمكنه أن يقول”هذا الموضوع (س) يعود إلى هذا الشّخص (ش)“إنّما ينجز في واقع الأمر عملَ تملّك بواسطته يُعيد رسم حدود الحقيقة والخطأ والوهم. فبنسبة موضوع الأثر (الحذاء) إلى صاحب الأثر (فان غوغ) أمكن لشابيرو أن يُخطِّئ هيدغر في خصوص موضوع الرّسم، وفي شأن صاحب الحذاء. فحينما نَسب الفيلسوفُ الحذاء إلى ريفيّ أو ريفيّة، أوقع نفسه في خطإ، وفي ضرب من الإسقاط الخياليّ كان قد نبّهنا من مغبّة الوقوع فيه. نستعمل ها هنا عن قصد فعل”وقع“لأنّ هيدغر، في تعليق دريدا، قد وقع في فخّ نصبه له شابيرو لمّا سأله في بعض مراسلاته عن أيّ لوحة من لوحات فان غوغ اعتمد لمّا كتب مقالة”أصل العمل الفنّي“؟ وكان جواب الفيلسوف: هي لوحة شاهدها في معرض أمستردام في مارس 1930. فما كان من شابيرو إلاّ أن سارع بتحديد اسم اللّوحة”لافاي 255“«de la Faille 255»، معتبرا أنّ اللّوحة لا يمكن أن تعود إلى ريفيّ، لأنّ الحذاء الّذي قصده هيدغر، إنّما هو حذاء الفنّان، ومن ثمّة هو يعود لحضريّ من المدينة. غير أنّ دريدا يرى أنّ الفخّ قد وقع فيه الاثنان، ووقّعه كلّ واحد منهما باسمه أو باسم المجتمع الّذي يحيل عليه، (هيدغر وقّع باسم مجتمع فلاحيّ، أرضيّ ريفيّ، وشابيرو باسم مجتمع صناعيّ، حضريّ، مترحّل أو مهاجر). وفي شتّى الأحوال كان كلّ واحد منهما يسعى بتوقيعه إلى انتزاع زوج الحذاء وافتكاكه من الآخر ببيان أنّه يناسب أو لا يناسب هذين القدمين. فالتّعرّف إلى القدمين الموافقتين لزوج الحذاء، إنّما هو ضرب من التّوافق الرّمزيّ بين القدم والحذاء.
يُسمّى هذا التّوافق الرّمزيّ correspondance symbolique عند الإغريق”الرّمز“، «symbolon». وهو ممارسة قديمة تقلب شيئا مّا (قلادة، قصعة…) إلى زوج une paire، بمجرّد انقسامه إلى قطعتين. فوجود الزّوج هو شرط التّوافق الرّمزيّ، بحيث لا يمكن للشّيء أن يكون رمزا «symbolon» إلاّ إذا صار بانقسامه زوجا. ففردتا الحذاء، اليمنى واليسرى، تكوّنان معا زوجا، أمّا المُثنّىune double من فردة واحدة، اليمنى مثلا، فلا يكوّن زوجا، ولا يُبرم به عقدٌ رمزيّ. وطالما ظلّت الأحذية، هذه المواضيع المقعّرة، لا تعرف القدم الّتي تُناسبها وتُنسب إليها فإنّ العقد الرّمزيّ لا يُبرم. وهو في الحقيقة عقد قد سعى كلّ من هيدغر وشابيرو إلى إبرامه بالتّعجّل في نسبة الحذاء إلى ذات (مثّلها تارة الرّيفيّ، وطورا فان غوغ). فحال”الخلع“لا تُحتمل Le détachement est insupportable حسب عبارة دريدا. ولأجل ذلك كان موضوع التّراسل بين الرّجلين هو هذا التّوافقُ الرّمزيّ بين القدم والحذاء. وهو توافقٌ لا يمكن أن يُبرم إن لم يُمْحَ الخلافُ والاختلافُ في نسبة الأحذية إلى ذوات مختلفة. غير أنّ دريدا يلاحظ في موضع آخر من مقالته أنّه، وإن اختلفت نسبة الأحذية عند الرّجلين إلاّ أنّها لم تصدر عن التّصوّر نفسه للحقيقة في الرّسم. فإن كان هيدغر يرفض أن تكون حقيقة الرّسم مختزلة في مجرّد تطابق مع الكائنl’étant بحيث يغدو التّطابق la conformitéمع الكائن مكافئا لجوهر الحقيقة، فلأنّه يعتبر الحقيقة انكشافاdévoilement ، أو حقيقة حضور ومثول une vérité présentative، في حين أنّ شابيرو قد ظلّ أسير أستطيقا التّمثيل والتّمثيليّة une esthétique représentative. ومن جرّاء ذلك كان التّناظر بين الرّجلين منعدما في خصوص عَقْد الحقيقة. ذلك أنّه شتّان بين حقيقة تقوم على التّطابق والتّمثيل والنّسبة une vérité attributive، هذا من جهة شابيرو، وحقيقة تقوم من جهة هيدغر على حضور منكشف une présence dévoilée. غير أنّ انعدام التّناظر dissymétrie هذا مافتئ يتعمّق بين الرّجلين في تصوّرهما الحقيقةَ في الرّسم. فإن كان المتراسلان يستعملان متصوّر الإسقاط projection أو الخيال imaginaire فليُعارَضَ تارة بمفهوم حضور الحقيقة في الرّسم بما هي لا تحجّبaletheia (هيدغر)، وطورا ليُعوّض بمفهوم التّمثيل الأمين fidèle المحاكيmimétique ، الصّادقvrai بسبب مطابقته الموضوعَ (شابيرو). فكما أنّه لا يوجد في لوحة فان غوغ ما يسمح بأن نرى، مثلما رأى شابيرو، الأحذية أو القدمين، أو جسد الرّسّام بتمامه وكماله، أو فان غوغ في المدينة، في باريس، فكذلك لا يمكن أن نقول مثلما قال هيدغر، دون أن يلازم في قوله الحذر، إنّ”زوج الحذاء“لريفيّ. ففي موقف المتراسليْن ما يدلّ على أنّهما قد خاضا تجربة الإسقاط إمّا بوصفها تطابقا أو بصفتها انكشافا. وهي تجربة انتهكا فيها أمرا ممنوعا بتعجّلهما نسبة زوج الحذاء إلى قدمين لا شيء يبيح نسبتهما إلى ريفيّ أو حضريّ. غير أنّ شُبهة الإسقاط عند هيدغر يمكن التّخفيف من حدّتها إن عدنا إلى سياق الرّسم والكتابة الحافّ بأعمال فان غوغ. فما يجعل رسوم هذا الفنّان قريبة من إيديولوجيّة هيدغر المُثقلة بباتوس الأصليّ والأرضيّ pathos de l’originaire et du terrien لا يعود إلى كثرة المشاهد المرسومة والمواضيع الخاصّة بالحياة الرّيفيّة فحسب، وإنّما يرجع إلى تلك الرّسائل الّتي كتبها فان غوغ إلى أخيه تيو Théo بين سنتي 1883 و1885. فهذه الرّسائل، وإن كانت مشحونة بكثير من التّحامل invectives على الحضريّين، تقول بقلم فان غوغ:”حينما أقول إنّي رسّام الرّيفيّين، فإنّي كذلك في واقع الأمر. وسترى، على نحو أفضل، فيما بعد، أنّي أشعر هاهنا بأنّي في بيئتي.“. وتقول بعض الرّسائل أيضا”(…) أعتقد أنّي مازلت أفضّل أن أكون صانع أحذية على أن أكون عازف موسيقى على الألوان.“. فهذه العلامات، أي رسوم فان غوغ وكتاباته عن الرّسم، وهي موجودة بوفرة ومعروفة كثيرا، تحملنا على أن نقرّ بأنّ ما يشترك فيه فان غوغ مع هيدغر هو أنّ حقيقته sa «vérité» (أي حقيقة الرّسّام) تظلّ، على الأقلّ في خطابه المكتوب، قائمة على مفهوم التّمثيل. ولكن ينبغي أن نقرّ من جهة أخرى بأنّ هيدغر ما كان بمقدوره أن يقول ما قاله عن أحذية فان غوغ لو كان اختار أحذية أخرى لرسّامين آخرين مثل فان آيك Van Etck، أو ميرو Miro، أو ماغريت Magritte، أو حتّى أدمي Adami. فاختياره لأحذية فان غوغ بالذّات هو اختيار مثاليّ مناسب تمام المناسبة لخطابه عن”أصل العمل الفنّيّ“. ولذلك كانت مخاطر الإسقاط عند الفيلسوف محدودة تجلّت في اختيار لوحات الأحذية لا في مستوى تحليل المثال. وفي الجملة نجد بين هيدغر وفان غوغ تقاربا في الباتوس يحدّ من شطط الإسقاط والهذيان المهلوس. فالفقرة الانفعاليّة المتعلّقة بنداء الأرض الصّامت في مقالة”أصل العمل الفنّيّ“تجد صداها في مراسلات فان غوغ، في هذه الرّسالة أو تلك.


وإذا كان دريدا قد حاول أن يجد من العلامات والقرائن ما به يخفّف من شبهة الإسقاط الثّقيلة عند هيدغر، فإنّه في المقابل قد عثر في خطاب شابيرو على موجة من التّماهي identification زائدة supplémentaire. وهي زائدة، لأنّ التّماهي، شأنه شأن النّسبة، ذا بنية زائدة. بل هي زائدة لأنّ شرط الارتباط بين الأثر وصاحبه لا يمكن تلبيته أو إشباعه لأنّه في ازدياد، ويتطلّب دائما المزيد. فبعد أن احتجّ شابيرو، بأسلوب دفاعيّ، على هيدغر نسبتَه الأحذية إلى ملكيّة زراعيّة، نراه يمضي إلى الهجوم العامّ بطرح السّؤال التّالي: هل يتوقّف خطأ هايدغر عند حدّ الاختيار السّيّئ لمثال من الرّسم؟ يجيب شابيرو بالنّفي. فخطأ هايدغر يتجاوز سوء الاختيار إلى سوء تحليل المثال الّذي تخيّره. فحتّى إن كان الفيلسوف محقّا في أن يرى في لوحة فان غوغ أحذية ريفيّة، فإنّه قد أخطأ لمّا فرّط في الأهمّ، وهو”حضور الفنّان في عمله“، «the artist’s presence in the work». ومنذ هذه اللّحظة الّتي استعاد فيها فان غوغ ملكيّة أحذيته لم تجد تلك الاستعادة، في تحليل شابيرو، حدّا يمنعها من الشّطط. ذلك أنّ هذه الاستعادة المسرفة لم يعد موضوعها متعلّقا بشيء شخصيّ منفصل يعود إلى فان غوغ دون أن يلتبس به، وإنّما بحضور فان غوغ نفسه. فاللّوحة تُظهر حضور الفنّان نفسه في صورته الذّاتيّة « auto-portrait »، وهو حضور لا يتعلّق بـ”قطعة من حياته الخاصّة“فحسب، وإنّما بقطعة لا يمكن خلعها، لأنّ كامل الجسم متّصل بها، فهي قطعة من هذه الأشياء الّتي لا تنفصل عن جسمه، ولا تُنتزع من جسمه القائم المنتصب. فبين جسم هذا العابر والأحذية، بين القدمين والحذاء، بين فردتي الحذاء نفسيهما، لا إمكان للانفصال. فمرجع اللّوحة الواقعيّ قد تضخّم الآن فشمل كامل الجسم، فصار فان غوغ نفسه مبذولا للرّؤية، وغدا لحمه، كالمسيح، هبة أضحويّة لمّا عرض حذاءه للفرجة. فالأحذية لم تعد مرتبطة بفان غوغ، لأنّها أضحت فانسان Vincent نفسه، لا تنفصل عنه ولا تزول. فهي لا تصوّر جزءا من أجزاء الفنّان، أو بَضْعة منه، بل أضحت تُحيط بكامل حضوره وقد تجمّع واعتصر واختزل فيها. وبهذا التّماهي المفرط لم يبق إلاّ وضع وجه على (أو في) الأحذية، هو وجه المُوقِّع le signataire، وجه فانسان، وقد رُسم في الأحذية، في وضع من المواجهة، وجها لوجه، وهو مقبل ينظر إلى المتفرّج يتفرّس فيه، وهو يحمل سمات فرديّة، وتجاعيد، و”صورة حقيقيّة من الأحذية وقد هَرمت“، « veridical portrait of aging shoes » كما وصفها شابيرو، أو صورة الفنّان وهو شيء قديم «The portrait of the artist as an old thing» بتعبير دريدا محاكيا عنوان رواية جويس”صورة الفنّان في شبابه“، «The portrait of the artist as a young man». وعلى هذا النّحو يشتدّ وثاق الحذاء بقدميه. فالأحذية المرسومة ليست الأحذية الواقعيّة الحاضرة حضورا حقيقيّا العائدة إلى فانسان الإنسان الواقعيّ، أو إلى قدميه فحسب، وإنّما هي فانسان فان غوخ من رأسه إلى أخمص قدميه. فما أمضاه فان غوغ باسمه هو صورته الذّاتيّة، وما رسمه هو توقيعه، بوصفه صاحبَ الأحذية المرسومة. ثمّ هو إن كان قد أخفى من هذه الصّورة الذّاتيّة قدميه فلم يفعل ذلك ليَتْرُك الأحذية فارغة، وإنّما لأنّ الأحذية هي وجه فانسان، هي جلد وجهه وقد شاخ وتجعّد، بعد أن حنّكته التّجارب والشّقاوة، ورسمت عليه الحياة أخاديد، ورغم ذلك يظلّ وجها أليفا بالغ الألفة heimlich.
ولكن هل هذا الوجه هو وجه شبح قد عاد ليذكّرنا باسمه؟ فمن يفقد الاسم ويضحي بلا اسم لا يمكنه أن يكون عائدا revenant. فلا عائد دون اسم. فهل عاد شبح فان غوغ ليستعيد اسمه الّذي أمضى به رسمه أم عاد ليسكن في حذائه؟ في رأي شابيرو، عاد فان غوغ بنفسه إلى أحذيته، لأنّنا في الصّورة الذّاتيّة نعود بذاتنا إلى ذاتنا. وفي جميع الأحوال أن يهب الفنّان نفسه في الرّسم أو أن يهب شيئا منه للرّسم، كأن يرسم رأسه أو أُذنه المقطوعة أو أحذيته، إنّما هو، بمعنى مّا، يمثّل بتلك الهبة شكلا من أشكال العودة إلى الأحذية بالارتباط بها، والحلول فيها.


إنّ هذه الدّراما الصّغيرة الّتي رسم دريدا بعض وقائعها باسم”استعادات“«Restitutions» ما كانت لتلفت انتباهنا إلى أحذية فان غوغ لو لم نجد في بعض الحكايات العربيّة القديمة امتدادا لها على نحو يدعو إلى محاورة دريدا على أرض أخرى، أرض الحكاية لا الرّسم، حيث كانت سبل المشي في شعابها محفوفة بالعثرات. وهو ما يقتضي من الأقدام استبدال الأحذية حتّى تتغيّر طرائق المشي. وبتغيّر طرائق المشي تبرم عقود أخرى بين الأحذية والأقدام. في هذا السّياق تتنزّل حكاية”مداس الطّنبوريّ”. فهي تشتغل بأسلوب مناقض تماما لعمل هيدغر شابيرو. فإن كان المتراسلان قد حاول كلّ بطريقته استعادة الأحذية بنسبتها إلى هذه الأقدام أو تلك، فإنّ عمل الحكاية، الشّبيه بعمل الحلم، كان سلسلة من المحاولات الملحّة لفصل المداس عن قدميه، حتّى لا تعود ملكيّة المداس إلى صاحب القدم. فإن كان شابيرو وحتّى هايدغر يجدان في الأحذية شيئا من فان غوغ حاضرا ساكنا في الأحذية بأشكال مختلفة، فإنّ الحكاية العربيّة تحاول أن تفصل المداس/الحذاء عن مالكه حتّى وإن عاد إليه. ففي عودة المداس تجدّد لعقدٍ، لوثاقٍ، وميثاقٍ يؤكّد أنّ الّذي عاد إنّما يعود إلى قدمين. وسواء استعادت أحذية فان غوغ قدميها في الرّسم، أو تبرّأت القدمين من مداسهما في الحكاية، فإنّ مدار الحقيقة في الرّسم كما في الحكاية تقوم تارة على استعادة ما انفصل، وطورا على الانفصال من هذا الّذي يُسْتعاد كلّما عاد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This