الحبّ كمفهوم حداثي


بقلم : محفوظ أبي يعلا
 
 يأتي فصل الربيع، فأتأمّل الأجانب الذين يزورون هذا البلد سياحةً. أبصرُ رجالاً ونساءً في السبعين من العمر، لكنهم يمسكون بأيدي بعض كمحبين في بداية الشباب ! فلا أستطيع كبح نفسي عن التعجب: ما هذا الحبّ الجميل و القوي و الأبدي !
 أفكر في أن الحـبّ حديث النشأة. وأقصد بالحبّ هنا ، على وجه التّدقيق والتّوضيح: تلك العاطفة التي تبتدئ بالمواعدة بين الرجل والمـرأة وقد تنتهي بالزواج أو قد لا تنتهي به. فهذا الحبّ لم تعرفه الإنسانيّة قبل الثورة الجنسيّة. أمّا الحبّ العذري الذي عُرفت به بعض القبائل العربيّة فلا يمكن أن يسمّى حبّاًّ. إنه أزمة سيكولوجيّة انتقلت إلى أوروبّا فظهر فيها العذريون أيضاً. ثم إن الحبّ ابن الحرّية وتقديس الإنسان، فهو إذن ابن الحداثة والأنوار.
 حين نرى العلاقات العاطفيّة تكثر في مجتمعنا فهذا لا يعني أن الحبّ موجود. تلك العلاقات ما هي، في الواقع، سوى محاكاة تافهة للغرب أو وسيلة لغاية الزواج وتكثير سواد الأمّة. وأحياناً تكون أمراً طبيعياً تفرضه الغريزة، لكنه يسبب اضطراباً عنيفاً داخل النّفس، اضطراب ناتج عن الصراع الحاد بين رغبات الهو من جهة، وبين سلطة الأنا الأعلى والمنظومة الخُلقيّة والاجتماعيّة من جهة أخرى.
 إن الإنسان الذي يعاني من الكبت، كما يذكر الأستاذ صادق جلال العظم في كتابه الممتع في الحبّ والحبّ العذري، إن هذا الإنسان عاجز عن التّمييز بين حالات الشعور بالانجذاب الجنسي وبين الحبّ باعتباره حالة استثنائيّة تتخطى مجرد الانجذاب الأوّل.
 ومن هنا، كيف يمكن أن ينشأ الحبّ في مجتمعات منغلقة تعاني من الكبت الشديد؟ وقد تكون هذه المجتمعات منفتحة ظاهرياً لكنها منغلقة فكرياً وذهنياً.
 إن المتأمل للمجتمعات الغربيّة يجد أنّها لم تتحرر من الكبت إلا بعد الثورة الجنسيّة في الستينيات من القرن المنصرم. هذه الثورة التي أشاعت العلاقة العاطفيّة والجنسيّة بين الرجل والمرأة، حتى أنّه لم يعد الهدف من إقامة العلاقة والمواعدة هو الزواج، بل أصبحت العلاقة العاطفيّة غاية في ذاتها من المعيب أن لا يمر منها الإنسان السوي نفسياً.
 إن الحبّ مفهوم حداثي لأنه يستحيل أن ينشأ في غياب الفردانيّة والحريّة. الفردانيّة التي تنشد استقلاليّة الفرد من سلطة الجماعة ومن قهرها الذي تمارسه على الأفراد. وكذلك، الحرية التي هي انعتاق مستمر لا نهاية له . لذا يستحيل على المرأة أن تحبّ وهي غير مستقلة عن أسرتها، ويستحيل على الرجل أن يقيم علاقة عاطفيّة مع امرأة غير حرّة محرومة من التّعبير عن عواطفها ورغباتها. وعلاوة على ذلك، فالحبّ يمتنع في ظل قانون جنائي يجرم كل علاقة عاطفيّة غير شرعيّة.
 إن الحبّ، في يقيني، هو مفهوم حداثي. لا يمكن أن ينتشر في مجتمعنا إلا بانتشار الحداثة الفكريّة و الثقافيّة داخل المجتمع. وصدق نزار قبّاني حين قال في إحدى قصائده الشهيرة: أحبيني بعيداً عن بلاد القهر والكبت، بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت.
 فهكذا إذن: لا حبّ دون تصالح الإنسان مع نفسه ومع جسده. لا حبّ في غياب مجتمع تنويري حداثي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This