سيوسيولوجية جمهور كرة القدم
“بالتضحية والإخلاص نعيش حياة الألتراس”، عبارة، ومثلها كثير، نجدها منقوشة على الجدران في الأماكن العمومية. قد نظن أنها مجرد عبارات فارغة من المعنى أو مجرد لغو. لكن ليس الأمر كما نتوقع، فكل كلمة من مثل ما يدونه الشباب للحديث عن الألتراس له دلالات وجودية، له تجارب تاريخية، هو موروث ثقافي جديد، إنها ثقافة الشباب الجديدة، عقيدة المستقبل.
كم من أب وأم يحترق كبدهما لحظة هجرة ابنه أو ابنته لمساندة فريقه، ولمصاحبة أقرانه للبلدان البعيدة ولأيام عديدة دون رخصة عائلية، بلا مال ودون خوف…هذا الشباب يجد ذاته هنا، مع الألتراس، هنا فرحته وحزنه، هنا حياته ووجوده…لهذا يبقى موضوع شباب الألتراس موضوعا له أهمية قصوى، رغم أنه لم يحظ بالدرس والتحليل. إنه موضوع غير مفكر فيه أو على الأقل مسكوتا عنه، خاصة في المغرب.
فقبل، أثناء وبعد مباراة لكرة القدم يكثر الحديث عن الأداء التقني للاعبين مع تقويم جودة أو رداءة اللعب, هنا يكثر الهدر، ويتعمق النقاش حول الممارسة الرياضية داخل حلبة الملعب إن على جهة السلب، إن كان الفريق خاسرا، آو على جهة الإيجاب إن كان الفريق رابحا. هذه هي السمة الغالبة على كل التعليقات الرياضية مهما كانت طبيعتها سواء صدرت عن متخصصين أو عن صحفيين أو حتى عن متطفلين. وفي كل مقام للكلام عن رياضة كرة القدم تبقى الألسن مشدودة إلى التداول في ما هو تقني محض، مما ينتج عنه إغفال جانب مهم في هذه الرياضة ألا وهو الجمهور, هذا الذي لا نتذكره إلا بعد حدوث انفلات أمني أو مشادات أو تجاوزات داخل المدرجات. في هذه الحالة يتم تصنيف هذا الجمهور في خانة أعمال العنف وتصنف سلوكياته ضمن أعمال الشغب. وهذا ما يجعل القائمين على الشان الرياضي يبحثون عن حلول لمحاربة كل أشكال عنف الجمهور، ماديا كان أو رمزيا. بحيث تصل هذه المحاربة إلى ذم الجمهور وزجره بل وإصدار قوانين صارمة يعتقد دعاتها أنها الكفيلة بإلجام الجمهور في مدرجات الملاعب.
خلافا لهذه المقاربة الزجرية للجمهور التي تحكم علية انطلاقا من منطق المراقبة والمعاقبة، والتي تصنفه ضمن الرعاع والغوغاء والمشاغبين، تروم هذه الدراسة الانطلاق من تصور مغاير لهذه الأحكام القبلية، تصور يعيد للجمهور اعتباره ويصحح بعض الأحكام المتسرعة والجاهزة والمسبقة التي تشكل عائقا إبستمولوجيا لفهم هذا الأخير باعتباره جزءا ضروريا في لعبة كرة القدم. فمباراة كرة القدم التي تستحق هذا الاسم لا يمكن أن تكون إلا بحضور الجمهور باعتباره اللاعب رقم 12 . فهذا الأخير هو الذي يمنح للمباراة الحيوية ويجعلها مفعمة بالحياة. وحتى في الحالات التي يمنع فيا الجمهور من حضور مباراة، كالإجراءات العقابية التي تتخذ في حق بعض الأندية – ما يعرف بالويكلو –، يكون الملعب باردا والمباراة جامدة والعلاقات بين اللاعبين ميتة. الجمهور إذن، هو العقل الفعال والدينامو المحرك الذي يمنح لهذه اللعبة أشكالا من الفرجة، الجمهور هو الذي يضفي على اللعبة أصنافا من الاحتفالية، ويضخ الدينامية، بل والحياة في شريان الملعب.
جمهور كرة القدم ضروري للمباراة الحية، كما أن الماء ضروري للحياة النامية. وكل اختزال لهذا الجمهور في المقاربات الأمنية والزجرية هو تعسف على الجمهور، بل وعلى كرة القدم نفسها. فالرياضة تزينها جماهيرها، هذه الأخيرة هي التي تجعل المباراة أكثر جمالاً و حماسة. فعند غياب الجمهور و حماسهم عن ارض المعلب “تصبح اللعبة مملة و باردة و لا نشاهد حماسة و لا نشاهد أداء فني !فلعبة بدون جمهور كطعام بلا ملح !!وحتى منظر المدرجات خالي لا يبعث بالتفاؤل والانتعاش فاللاعب يلعب الكرة من اجل أن يراها الجماهير !!”
صحيح أنه تقع هنا أو هناك بعض التجاوزات من طرف بعض مكونات الجمهور، خاصة المراهقون. لكن تعميم الحكم على كل الجمهور ليس موضوعيا، لان داخل الجمهور هناك أشياء تستحق النظر ويتطلب فهمها كثيرا من الصبر والأناة، وتنويع المقاربات وأساليب البحث للكشف عن المستور والمغمور في ما يجري ما بين الجمهور وداخل المدرجات من أمور.
عندما نستحضر الجمهور الرياضي لكرة القدم، وبالأخص جماعات الألتراس، يتطفل الجميع ليحلل و ينتقد ، بل و يصدر أحكاماً بالجملة قبل أن يفكر و يبحث في ماهية الألتراس، ففي ملاعب كرة القدم بجميع أنحاء العالم نعرف أن الألتراس هم جماعات المشجعين الشباب، هاته الجماعات التي لا يستطيع أحد التشكيك في حبها و ولائها لفريقها الرياضي، تشجيعه في السراء و الضراء. يجمعهم الحب و الإحساس للمجموعة. وكلمة “الألتراس” تعد إحدى نماذج الانتماء و الولاء و العمل الجاد من أجل تحقيق النجاح.
فماذا يقصد بالجمهور الرياضي؟ وما علاقاته بالأندية الرياضية ؟ وماذا نقصد بالألتراس عامة والمغربي خاصة ؟ وما هي مكوناته؟ وكيف تحدث الدينامية المجتمعية داخل هذه الجماعات؟ وما هي تأثيرات هذه الجماعات على المجتمع وعلى الاقتصاد وعلى السياسة ؟ ما هي ثقافة جيل الالتراس وفلسفته؟
لمقاربة هذه التساؤلات، سنحاول أن ننظر في ظاهرة الالتراس بالمغرب، هذه الجماعات التي بدأت في الانتشار على امتداد التراب المغربي انطلاقا من سنة 2005، لتلازم الكثير من الأندية الرياضية المشهورة. ورغم أن ظاهرة روابط المشجعين “الألتراس” قد انتشرت في مدرجات الملاعب المغربية وبدأت تعرف طريقها إلى مدرجات البطولة المغربية حديثا، فإنها أضحت المحرك الأساسي للمتعة والفرجة الكروية، بفضل ما تقدمه من صور إبداعية، عبر “التيفوات” و“الفلام”، والتي تتفنن في إنجازها لدرجة
أوصلتها إلى العالمية، حيث احتلت مثلا ألتراس “وينرز” المرتبة السابعة في الترتيب العالمي، فيما جاء ألتراس “غرين بويز” في المرتبة الحادية عشر عالميًا بل وأصبح أصبح للأتراس عامة قوة
تخوّل لهم التحكم في زمام الأمور، حيث أضحت قوة ضاربة، يصل مداها إلى أبعد ما يمكن تصوره، وبإمكانها تغيير رئيس الفريق، إذا لم يرقهم أدائه.
ولذا فإن تناولنا لهذه الظاهرة سيتم انطلاقا من العناصر التالية :
1 – الألتراس: تعريفها، مبادئها وخصائصها:
ظهرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين ثقافة جديدة في مجال كرة القدم، هدفها الفرجة والتشجيع، إنها مجموعة (الالتراس). إنها جماعات تشجيعية تحرص على تشجيع الفريق أو الكيان الذي تتبعه والتنقل معه أينما حل وارتحل، عن طريق شعارات وأغان وألوان خاصة بها. وتقوم فلسفتها أو تصوراتها على التشجيع المجنون للفريق، فريقها. هذه المساندة التي تقترب من درجة التعصب.
فماذا نقصد بالألتراس عامة والمغربي خاصة ؟ وما هي مكوناته وخصائصه؟
“الألتراس” Ultras كلمة لاتينية تعني حرفيا “الفائق” أو “الزائد عن الحد”، أما المعني الشائع لها فهو التعبير عن المجموعات التي تعرف بانتمائها وولائها الشديد لفرقها الرياضية، وكان المفهوم يستخدم سابقا لوصف مناصري قضية معينة بشكل يفوق ولاء أصحاب القضية الأصليين لها، ثم انتقل المفهوم إلى مجال الرياضة، حيث استخدم لوصف مشجعي ناد معين.
وإذا صح أن الاهتمام بكرة القدم، كواحدة من أهم الألعاب شعبية في العالم لزم عنه وجود عدد من المشجعين المخلصين للعبة أو لنواد معينة، وإذا كانت طاهرة المشجعين هي قديمة قدم اللعبة نفسها، حيث أن خبراء كرة القدم والمهتمون بها، عادة ما كانوا يرصدون عددا من المشجعين الذين ارتبطت أسماؤهم بفرق أو بلاعبين معينين، أو الذين عملوا على تشجيع فرقهم بشكل دائم ومستمر، بل وحتى السفر معهم إلى أماكن إقامة المباريات الخاصة بهم، فإن ظاهرة الالتراس هي ظاهرة حديثة في المجتمع العربي، وحتى الغربي.
ما نعرفه عن مجموعات “الألتراس” أنها تستخدم مصطلحات خاصة بها، مفاهيم لا يفهمها إلا أعضاء الألتراس، وبها يتواصلون ويتفاهمون.من بينها مكونات جهازها المفاهيمي نذكر:
مصطلح “الباتش” Batch أي “اللوجو”- العلامة المميزة – الخاص بالألتراس، وهو عبارة عن لافتة يصل كبيرة طولها إلى 10 أمتار أحيانا، وتحمل شعار المجموعة وألوان الفريق. علما أن الشعاريتم اختياره بعناية من قبل الأعضاء، ويعلق بالمدرجات للتعريف بهم.
علامة “التيفو” Tifo، وهي كلمة إيطالية تعني “المشجع”، وهي عبارة عن دخلة أو طلعة تقوم بها مجموعة الألتراس لتعبر عن رأي أو فكر وغالبا تكون في بداية المباراة.
مصطلح “روح الالتراس”Ultras Spirit ، حيث تعتقد مجموعات الألتراس عالميا في وجود ما يسمى بروح الالتراس، وهي روح يولد بها أعضاء الالتراس، ولا يفقدونها مهما حدث. يصفونها بأنها “تلك الروح المقدامة المثابرة العاملة في صمت وجهد لتحقيق أهداف عظيمة لا يتم إنجازها، إلا إذا انصهرت أرواح أفراد المجموعة في كيان واحد تحت علم ناديها”. وكل ذلك ضد الجميع من وسائل الإعلام التي تهاجمهم باستمرار، وضد الفرق المنافسة وأحيانا ضد المخربين من أبناء النادي أنفسهم. ولذا تطلق مجموعات الألتراس على نفسها “خط الدفاع الأخير” الذي يدافع عن كرامة واسم النادي الذي ينتمون إليه ، ويحملون علي عاتقهم الحفاظ علي الصورة المشرفة لجماهير ذلك النادي الذي عشقوه وترجموا هذا العشق بأفعال يشهد الجميع بها.
الكابو capo : لا يوجد لجماعة لألتراس رئيس، فالمجموعة تتكون من مجموعة من المؤسسين الذين سرعان ما يتراجع دورهم بعد أن تصبح المجموعة قادرة علي الوقوف علي أرض صلبة. ويدير العمل داخل الألتراس مجموعات عمل صغيرةTop Boys ، تختص كل منها بتنظيم أنشطة المجموعة من تصميم وتنفيذ اللوحات الفنية وقيادة التشجيع داخل المدرجات وتنظيم الرحلات والإشراف علي مصادر تمويل المجموعة. لكن داخل الملعب يوجد شخص يتميز بنوع من الكاريزمية له يعود الدور في تحريك الجماهير: تنظيم الهتاف، الأغاني، الرقص…فالكابو يعتبرمسئولا عن اختيار الأغاني والهتافات وتوقيتها وحركات الأيدي والتشكيلات
البوجا : وتعني أن أعضاء الألتراس، خاصة الشباب منهم، ملزمون بالغناء والرقص على طول المباراة. كما ترتبط بسلوكيات معينة ترتبط بالتشجيع الدائم والمستمر للفريق طوال مدة المباراة، دون الاهتمام بالمشاهدة الفعلية لأحداث المباراة. فالألتراس يتميز بالتركيز على روح المجموعة باعتبارها كيان واحد لا يتجزأ، ومن ثم تغيب أي نزعات أو تطلعات فردية، فقيمة عضو الألتراس بما يقدمه للمجموعة من جهد وعطاء. ولذا يظهر أفراد الألتراس عادة ملثمي الوجوه، بعيدين عن الظهور الإعلامي. فالأضواء المسموح لهم أن يكونوا تحتها فقط أضواء الملاعب خلف المرمي مشجعين فريقهم طوال الـ 90 دقيقة من عمر المباراة.
ويمكن تحديد عدد من السمات الرئيسية التي تميز جماعات الألتراس عن غيرهم من المشجعين العاديين. ومن بين تلك المميزات:
الارتباط المطلق، بل والولاء غير المشروط للنادي، بغض النظر عن نتائج الفريق أو أدائه. هذا الميول الذي يتخذ شكل عصبية قبلية بمعناها السوسيولوجي.
الاستقلالية الكاملة للالتراس، في الأمور التنظيمية والمالية، عن مجالس إدارات النوادي وروابط التشجيع التقليدية، والتي كانت تخضع لعدد من التوازنات الاقتصادية والسياسية داخل النوادي لصالح لاعب أو عضو مجلس إدارة. كما أن جماعات الألتراس تعتمد على تبرعات أعضائها لتغطية المصروفات المطلوبة.
تشبيب أعضاء الجماعة ؛ فالتشكيل العمري لهذه الجماعات يبين أن معظم أعمار أفراد الألتراس تقع فيما بين 16و25 عاما، خلافا لجمهور المشجعين التقليدي spectateurs الذي يتسع ليضم فئات عمرية تصل إلى الستين، وخلافا لمجموعات التشجيع النشطة supporters التي قد يصل متوسط أعمار أفرادها إلى الأربعين.
أما السمة الرابعة فتتمثل في أن حركة الألتراس ترتبط بشكل عام بموقع جغرافي محدد داخل الملاعب الرياضية، كأن تكون خلف المرمي، نتيجة انخفاض أسعار التذاكر في هذا الموقع بالمقارنة بغيرها من المواقع في الملعب. curva
تتعلق السمة الخامسة بأنه لا يمكن فهم تطور حركة الألتراس دون فهم السياق السياسي المصاحب. فعلى سبيل المثال، لا يمكن فهم تطور الألتراس في أوروبا دون فهم التطورات السياسية التي سادت فيها، بدءا من الستينيات، والتي ارتبطت بما أطلق عليه البعض موت السياسة، أو التطورات السياسية التي ارتبطت بانهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينات، وهو ما عرف بموت الأيديولوجيا. فهذه التطورات خلفت قطاعات عريضة من الشباب خارج الأطر التقليدية للمشاركة، كالأحزاب، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، وذلك في الوقت نفسه الذي شهد تصاعد السياسات الرأسمالية وأزمات المجتمعات الحداثية.
السمة الغالبة لجماعات الألتراس هي أنها جماعات لا سياسية. فمن ناحية، لا تتبني هذه الجماعات أيديولوجية حزبية معينة، كأن تنتمي لأحزاب بعينها. ومن ناحية أخري، تصور جماعات الألتراس كلا من أجهزة الأمن ووسائل الإعلام على أنهما العدو الأول لها. فخبرة التفاعل مع أفراد الأمن حملت دائما ذكريات عنيفة ومحاولات من جانب الأمن للسيطرة على تحركات الألتراس وتجمعاتهم.
تنظر جماعات الألتراس إلى وسائل الإعلام على أنها الحليف التقليدي والطبيعي لرموز صناعة لعبة كرة القدم، وتغليب الأفكار الرأسمالية في إدارتها، وهو ما يراه الألتراس من أهم المثالب التي ظهرت وأثرت في اللعبة الشعبية الأولي في العالم. كذلك، تتعامل وسائل الإعلام مع أعضاء الألتراس على اعتبار أنهم فوضويون، وأنهم السبب في كثير من حالات العنف في الملاعب بين المشجعين، وفي الوقت نفسه ترى في تغطية أخبارهم وتحركاتهم مادة صحفية وإعلامية دسمة.
2 – جينالوجيا بعض نماذج “الألتراس” المغربي:
يقصد بجينالوجيا “الالتراس” في المغرب النظر في التشكل التاريخي للجماعات المشجعة والمساندة لفرق كرة القدم المغربية، فالجينالوجيا هي البحث عن الأصل ، أصل الولادة والتكاثر.
أما عن نشأة هذه الجماعات عامة، فيختلف الدارسون في تحديد تاريخ ظهور حركات الألترا أو الألتراس في أوروبا، باعتبارها المهد الأول لها. فبينما يرد البعض تاريخ الظاهرة إلى العقود الأولي من القرن العشرين في المجر، يرى آخرون أنها ترتبط بالستينيات من القرن الماضي مع تبلور الحركة في إيطاليا، والتي يؤكد البعض محورية دورها في تبلور حركة الألتراس، وتصاعد الاهتمام بها. فالبعض يرجعها إلى إيطاليا عندما نشأ أول ألتراس رسمي عام 1963، والبعض الآخر يرجعها إلى البرازيل، حيث شهدت ظهور مجموعات الألتراس المسماة بـ“التورسيدا” في أربعينيات القرن الماضي. وهناك من يرجع نشأة الألتراس إلى المجر عام 1929، حينما أسس أنصار نادي “فرنسفاروش” الشهير رابطة للمشجعين. ثم انتقلت الفكرة بعد ذلك إلى دول أمريكا الجنوبية. وكانت البرازيل أولى الدول التي شهدت نشأة الألتراس،حيث تم تأسيس أول “ألتراس” باسم “تورسيدا” في أربعينيات القرن الماضي. وانتقلت الفكرة بعد ذلك إلى أوروبا عبر جماهير نادي “هايدوك سبليت” الكرواتي – اليوغوسلافي في ذلك الحين عام 1950، ثم في فرنسا في بداية الثمانينيات على يد نادي مارسيليا عبر “ألتراس كوماندو”، ثم انتقلت الفكرة إلى بريطانيا وباقي البلدان الأوروبية. وتعد إيطاليا من أبرز الدول الأوروبية التي تشهد مجموعات “ألتراس”. أما بداية الظاهرة عربيا، فقد بدأت فكرة الألتراس في الدول العربية من خلال دول المغرب العربي، بداية من نادي الأفريقي التونسي الذي شهد تأسيس أول ألتراس تحت مسمى “الأفريكان وينرز” في عام 1995، ثم انتقل الأمر إلى باقي الأندية التونسية مثل نادي الترجي التونسي الذي يضم ثلاث مجموعات ألتراس هي “المكشخين – السوبراس- والبلود آند جولدي”- ، وانتقلت الفكرة بعد ذلك إلى المغرب، حيث يضم أكثر من 50 مجموعة ألتراس.
المشروعية التاريخية لتأسيس كل “التراس” مغربي تعتبر ذات أهمية قصوى، فذكر تاريخ النشأة و التأسيس يعتبر لازما ضروريا لكل التراس، بحيث لا يمكن مهما كانت الأحوال إغفال ذكر التاريخ الذي تأسست فيه هذه الجماعة أو تلك. هكذا فان ذكر جماعة التراس دون ذكر تاريخ نشأتها هو تنقيص من قيمتها وتعسف في حقها. هكذا نجد في المغرب قاعدة وعرفا متداولا ومعروفا بين جمهور كرة القدم ألا وهو التشبث بالتاريخ، تاريخ ولادة الالتراس، عقد الميلاد. للتدليل على هذه الملاحظة نشير إلى بعض جماعات – لا يمكن ذكرها كلها – الالتراس بالمغرب كما يلي:
اسم الالتراس فريقه اسمه المختصر
GREEN BOYS 2005 الرجاء البيضاوي 2005UGB
ULTRAS EAGLES 2006 الرجاء البيضاوي UE2006
2006 Green Gladiators الرجاء البيضاوي 2006UGG
2005ULTRA WINNERS الوداد اليضاوي 2005UW
FATAL TIGERS 2006 المغرب الفاسي 2006UFT
ULTRAS ASKARY2005 الجيش الملكي UA2005
CRAZY BOYS 2006 الكوكب المراكشي UCR2006
SIEMPRE PALOMA2006 المغرب التطواني USP2006
GREEN GHOST2007 أولمبيك خريبكة UGG07
ULTRAS IMAZIGHEN2006 حسنية أكادير UI2006
يظهر جليا أن كل جماعة ألتراس مغربية تتشبث بتاريخ ولادتها، ولا يمكن أن نجد في المغرب كتابة اسم الألتراس دون اقترانه بالتاريخ. هذا التاريخ الذي يضفي على الجماعة نوع من المشروعية التاريخية، إذ كلما تقادم تاريخ تأسيسها، كان ذلك دليلا على تجدرها في الزمن، وأعطاها الشرعية والأسبقية لتمثيل الفريق في المدرجات بكل الوسائل المتعارفة في ثقافة الالتراس.
3 – دينامية جماعة الالتراس المغربي:
تعرف الالتراس بأنها جماعات، وحد الجماعة أنها مجموعة من الأفراد – ثلاثة فما فوق – تربطهم علاقات معينة، ولهم أهداف محددة. ومهما اختلفت أسماء الجماعة كالعصبة، والعصابة والزمرة والتنظيم . فأفراد الجماعة يتفاعلون فيما بينهم، بحيث أن غياب التفاعل يفقد الجماعة بنيتها ويجعلها أشبه بكومة أحجار، وليست بنيانا متراصا. لكن إذا كانت الالتراس جماعة، فما الذي يميزها عن الأندية الرياضية، وعن المكاتب المسيرة لهذه الأندية، وعن الجمهور العادي؟
لفهم دينامية جماعة الالتراس لابد من التمييز بين نوعين من الجماعات : الجماعة النظامية والجماعة التلقائية. فالجماعة النظامية محكومة بقواعد وقوانين مقعدة، وهذا شأن النوادي الرياضية في المغرب. فالنوادي هي جمعيات رياضية لها قوانينها الأساسية والداخلية. هذه القوانين هي التي تحدد هيكلة المكتب المسير للنادي ، وأهدافه والعضوية ومدا خيله ومصاريفه المادية، وكذا الجموع العامة والاستثنائية لانتخاب هياكله… بمعنى أن تأسيس النادي الرياضي يستند، في المغرب، إلى القانون الذي تضعه الدولة لجمعيات المجتمع المدني. ففي المغرب تتأسس الأندية الرياضية كباقي الجمعيات بمقتضى ظهير الحريات العامة لسنة 1958 مع ما لحقه من تعديلات لسنة 1973 و2003 . أما الجماعة التلقائية فهي جماعة يغلب عليها الطابع الوجداني العاطفي اكثر من الجانب المؤسساتي. فخلافا للنادي الذي يخضع لمساطر إدارية تحدد التزاماته، حقوقه وواجباته، تعتبر الالتراس جماعة تلقائية غير خاضعة لقانون مصرح به. لكن لا يعني ذلك أنها جماعة عشوائية، بل بالعكس إنها جماعة اكثر تماسكا من جماعة النادي الرياضي، ولحمتها أقوى من الجمعية التقليدية والأحزاب السياسية. فرغم أن جماعة الالتراس تفتقد %D
